افتتاحية العدد

التحزب له ألف أب ... والوطن يتيم

د.احمد باهض تقي .   مدير مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية

 

     في زمن الالتباس الذي يخيم على كثير من الأمور في هذا البلد، وتنعكس فيه الصور بألوان شتى، يكون التأكيد على حقيقة شامخة، تقف بقوة وزهو كزهو النخيل ومنارة كربلاء، تلك الحقيقة التي لابد من تكرارها والتأكيد عليها ألا وهي، إن من يهمه حقاً العراق بلدٌ وشعبٌ، يتوجب عليه أن يقف مع الكشف عن جراحه، لا التستر عليها تحت أي ذريعة، فالخوف يولد مزيداً من الخوف ولن ينقذ العراق من ظلمائه إلا شجاعة قول الحق، والوقوف الواضح والجريء والعلني ضد كل الجرائم والمنكرات والكبائر التي أغرقت العراق في بحور من الدم والوحشية المقيتة.

في يوم الخامس عشر من شهر تشرين الثاني من عـام 2005، كانت هناك تجربة جديدة مر بها العراق بعيداً عن الدكتاتورية، هناك من قال (نعم) لمسودة الدستور وهناك من قال (لا) لتلك المسودة، وكان النداء هو الوطن، والعراق لم يكن في يومٍ ما حزباً سياسياً أو حركة سياسية يستهوي برنامجــها الجماهـير، بل كانت الوطنية ذلك البرنامج الأصيل الذي دفع بالملاييـن إلى التوجه نحــو صنـاديق الاقتراع، وحين دخلت تلك الجـموع لم تجد في مراكز الاقتراع ما وجدته من حضور كثيف من قبل ممثلي الكيانات السياسية كما حصل في الانتخابات التي جرت في كانون الثاني 2005، حينها انتصر الوطن بمفهومه الواسع، على الأفكار الضيقة والتحزب الأعمى.

     في يوم الخامس عشر من شهر كانون الأول من عام 2005، توجه الملاين من العراقيين نحو صناديق الاقتراع وللمرة الثالثة، في ممارسة ديمقراطية جديدة، يحدوهم الأمل بأبصار متوجهة نحو الحكومة القادمة والتي يأملون فيها أن تكون حكومة وحدة وطنية، فقد سأمو الكثير من الشعارات والممارسات التي تخندقت بالطائفية والقومية، آملين أن يضعوا رحلهم الثقيل الذي يأنون تحت وطأته منذ زمن ليس بالقصير، فما عسانا إلا أن نطالب ونطالب ونبقى نطالب بنبذ كل ما يمارس في عهد النظام السابق من طائفية وعنصرية وان لا نكرر تلك المأساة، ولا يمكن لذلك أن يتحقق إلا بالوحدة، وحدة الرؤية، وحدة السلوك، وحدة الهدف، وحدة الدم العراقي وحرمته.

وبعد، نقول هل أن بانتصار مسودة الدستور  والانتخابات   سينتهي مسلسل العنف في العراق ؟

من المؤكد أن العنف لا يعني الشجاعة ولا يرتبط دائماً بالحق فهو في انقطاعه عن كل تبرير منطقي أو أخلاقي يمثل انحرافاً نفسياً واجتماعياً ومع ذلك نجده محدقاً بأطفالنا ونسائنا وشيوخنا من كل صوب...(إن الطاغية يصنع شعبه على شاكلته) هذه العبارة المرعبة التي أطلقها الكاتب الألباني إسماعيل قدري في نظرته للنظام الدكتاتوري الذي حكم بلاده أيام دكتاتورها الراحل (أنور خوجة)، ترى إلى أي حد قد انطبقت على الأنموذج العراقي، وهل أن الدكتاتور المقبور استطاع أن يجد له طريقا ً في التأثير في منظومة قيم وتقاليد وأخلاق الناس؟، يتمنى الإنسان أي إنسان في هذا الوطن اليتيم...أن لا يكون الأمر إلا إكذوبة لا يمكن تصديقها... وعاش الوطن... ما دام فيه الفقراء...آباء دائميون... لهم من العمر آلاف السنين.    

 

 

 

 

العراق ما بعــد 15/12 رؤية إستراتيجية  ،  ملف خاص

 

(1) (رؤية سياسية)                                                   

العراق بين التوافق الوطني والاستحقاق الانتخابي

سليم فرحان جيثوم   رئيس القسم السياسي في مركز الفرات.

من خلال قراءة القواعد القانونية الدستورية التي تضمنها الدستور العراقي الدائم المستفتى عليه من قبل الشعب يوم 15/10 /2005، يتضح لنا إن الشعب العراقي إختارنظام البرلماني الذي بموجبه سيتم توزيع الاختصاصات ما بين السلطات الثلاث، وتحديد المعالم الرئيسة لشكل النظام السياسي في عراق الحاضر والمستقبل .

وهذا النظام يتميز كما بينته التجربة التاريخية والمختصون بمجموعة من المميزات، أهمها التوازن بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، ثنائية السلطة التنفيذية، المسؤولية الوزارية أمام البرلمان، الانضباطية الحزبية، وحكم الأغلبية البرلمانية (أي حقها في تشكيل الحكومة) بمعزل عن الآخرين الموجودين في البرلمان(الذين سيشكلون المعارضة وحكومة الظل داخل البرلمان) .

    من خلال تتبع التحرك السياسي للقوى السياسية الفاعلة في العراق حالياً نجدها تمهد إلى إتباع أسلوب جديد في إدارة البلاد وتشكيل الحكومة خلافاً لما هو متعارف عليه في النظام البرلماني، هذا الأسلوب الجديد يقع تحت عنوان (التوافق الوطني) أو (حكومة الوحدة الوطنية) الذي يراد منه إشراك جميع مكونات الشعب العراقي في السلطة، وهذا الطرح متأتي بسبب مجموعة عوامل أهمها:   

1.  فسيفساء المجتمع العراقي، حيث نجده متشعب في انتماءاته وولاءاته، فعلى الصعيد القومي نجد القومية العربية والقومية الكردية، وعلى الصعيد الديني نجد المسلمين والمسيح والصابئة... الخ، وعلى الصعيد المذهبي نجد السنة والشيعة بالنسبة للدين الإسلامي، الكاثوليك والأرثذوكس والأرمن بالنسبة للدين المسيحي...الخ من الو لاءات والانتماءات الضيقة، وجميع هذه المكونات تسعى جاهدة للمشاركة في السلطة السياسية من أجل إثبات وجودها في العراق لذلك كان الطرح أعلاه أولاً .

2.  مكونات الشعب العراقي أو بعبارة أخرى القوى السياسية التي تمثل هذه المكونات منذ سقوط النظام في 9/نيسان /2003 ولحد الآن تعيش حالة من القلق وانعدام الثقة في ما بينها، السني يخشى من الأكراد والشيعة بأن يمسكوا السلطة ويأخذوا حيف الماضي، والأكراد يخشون من حصول اتفاق عربي شيعي سني ويعملون على تهميشهم من جديد، والشيعة يخشون من تقارب سني كردي مما يؤدي إلى إقصائهم ثانية عن سدة الحكم، هذا الخوف والقلق المتواصل لدى القوى السياسية أدى إلى مثل هذه الطروحات أيضاً .

3.     الجميع يعلم أن وفق هذا النظام يجب أن تحكم الأغلبية البرلمانية القادمة عن طريق الانتخابات مع الحفاظ على حقوق الأقليات في التمثيل والمشاركة، لكن الذي شاهدناه هو الجميع يضغط ويطالب بأن يكون له موطئ قدم في السلطة، وعلى هذا الأساس فان ما أفرزته صناديق الانتخابات لا ينظر لها من قبل الجهات الأقل عدداً من الأغلبية على أنها استحقاق انتخابي وإنما ينظر لها على أنها إقصاء عن السلطة وإبعاد عنها .

4.  الوضع الأمني غير المستقر، ولد قناعات لدى القوى السياسية من خلال مجموعة من الحقائق والأدلة، إن الوضع الأمني لا يتحسن بشكل سريع ما لم يتم إشراك جميع الأطراف في إدارة العملية السياسية في البلاد.

    تأسياً على ما تقدم، يمكن القول إن إدارة البلاد بالتوافق ما بين القوى السياسية الممثلة لمكونات الشعب العراقي المختلفة  ستكون بمثابة عرف دستوري لا يمكن تجاوزه خلال الأمد القريب حتى وان زالت الأسباب الموجبة له .

    ولكي نحقق الوحدة الوطنية التي يقصد بها (ذلك الشعور المشترك بين أفراد المجتمع الواحد أو الجماعة الواحدة بأنهم متميزون عن غيرهم من المجتمعات الأخرى، إذ يجب أن يتوصل الناس في الدولة الجديدة إلى إقرار كونهم في إقليم هو وطنهم الحقيقي، كما يجب أن يشعروا كأفراد بأن هويتهم الشخصية محددة جزئياً بانتمائهم إلى بلدهم المحدد إقليمياً) فعلياً حتى تأخذ القواعد القانونية الدستورية مجراها الصحيح، ونقضي على حالة الشك والقلق المتبادل ما بين الأطراف المختلفة، فيجب على القوى السياسية في البلد والحكومة القادمة أن تأخذ  بعين الاعتبار الآتي :

1.  إن بناء دولة حديثة يتطلب أولاً وقبل كل شيء تجاوز اطر الجماعات الأثنية لصالح بناء مؤسسات وطنية شاملة، أي إقامة جهاز سياسي وإداري على مستوى الوحدة السياسية للدولة ككل، وبما يسمح بإشباع الحاجات المتزايدة للسكان، مما يمكن من تعبئة الموارد وزيادة الإنتاج الاقتصادي والعلمي .

2.  اعتماد ثقافة سياسية واضحة المعالم مستوعبة جميع الاختلافات، الأمر الذي يوفر للجماعات المختلفة التعايش السلمي معها من خلال الحوار المستمر الإيجابي .

3.  خلق التفاعل بين الثقافة الوطنية الجديدة ومختلف الثقافات الفرعية الأمر الذي يولد ثقافة سياسية مزدوجة يطلق عليها (الثقافة المدنية) تقوم على إقرار تداول السلطة سلمياً بين القوى السياسية، واعتماد التعددية السياسية والاحتكام إلى مبدأ الأغلبية، كل هذا يخلق حالة من التكامل بين المجتمع فكرياً وسياسياً واجتماعياً وبالتالي تصبح أداة مهمة لاستقرار واستمرار النظام السياسي من جهة، واستمرارية هذا التفاعل بصورته الايجابية يؤدي إلى استمرار عملية التغيير المجتمعي بطرق سلمية من جهة أخرى .

4.  العمل بكل حرص على تحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة أمام القانون والتلاحم الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والسياسي الأمر الذي يقوي أواصر الوحدة الوطنية .

5.  حرية الصحافة والاعلام في العمل، من أجل وقوف المجتمع العراقي على أدق التفاصيل التي تحدث على صعيد الساحة السياسية من جانب، وضمان حرية التعبير عن الرأي للجميع من جانب آخر .

6.    العمل وبكل جدية على خلق تنمية متوازنة لجميع أقاليم البلاد وبدون استثناء أو أفضلية لإقليم على آخر .

7.    النزاهة في التعامل مع كافة فئات المجتمع وعدم التحيز لأي جماعة على حساب الجماعات الأخرى أو جماعة سياسية على حساب الآخرين من المواطنين داخل حدود الدولة، كما يجب عدم السماح لأي جماعة بأن تكون سلطتها على حساب سلطة الدولة، أي بمعنى أن تكون هناك سلطة واحدة هي سلطة الدولة فقط .

ما تم ذكره آنفاً يعزز من روح المواطنة لدى الإنسان العراقي ويقوي من ارتباطه وانتمائه لهذا البلد، مما يجعله حريصاً متفانياً مخلصاً مجداً في أدائه لعمله وعلى كافة المستويات من جانب، ومتجاوزاً الولاءات الفرعية الضيقة لصالح الولاء للوطن من جانب آخر .

  العراق ما بعـــــــد 15/12 رؤية إستراتيجية        ملف خاص

(2)  الاقتصاد العراقي ، رؤية إستراتيجية للتنمية ، د.احمد باهض تقي                    

       قادت سياسات النظام السابق إلى هدر مالي وبشري ودمار سياسي واقتصادي واجتماعي، ونجم ذلك عن الممارسات الإرهابية المحلية وحروب النظام الخارجية، فضلا عن مدة الحصار التي تسببت بخسارة البلاد لجزء مهم من العوائد النفطية التي كان بالمكان استخدامها في إحداث التنمية الشاملة، كما إن عزل العراق عن العالم الخارجي والآليات المعقدة والمقيتة لذلك الحصار متعدد الأبعاد أدى إلى إهلاك الكثير من المعدات والأجهزة ومستلزمات البنية التحتية، وأضافت الحرب الأخيرة في عام 2003 الكثير والمزيد من الدمـار وانتشــار الفوضـى والنـهب والسلب والسرقات والحرائق، فضلا عن إلغاء العديد من المؤسسات الاقتصادية وزيادة أعداد العاطلين عن العمل، وإشاعة حالة عدم الاستقرار وهكذا انتشرت مساحة الفقر والبطالة والإمراض وتلوث البيئة، علاوة على الديون والتعويضات الخارجية والتضخم وتدهور قيمة العملة العراقية.

من هنا تبرز أهمية تشكيل رؤية من شأنها أن تكون إستراتيجية اقتصادية للسنوات القادمة وبالتالي إمكانية تحقيق الإصلاح الاقتصادي في البلاد والنهوض بمتطلبات التنمية الشاملة، ومن البديهي والمنطقي في أي اقتصاد ولأية دولة أن تكون هناك إستراتيجية للتنمية الاقتصادية، تلك الإستراتيجية التي تحدد ملامح الاقتصاد في أي مرحلة من مراحل النمو الاقتصادي وذلك كي يتسنى تحديد العوامل التي ستؤثر في العملية الاقتصادية وكذلك المؤشرات التي تظهر خلال تنفيذ الخطط الاقتصادية للمؤسسات والمشاريع والشركات المعنية بعملية التنمية الاقتصادي، وكما تحدد لنا قدراتنا ومواردنا التي يمكن من خلالها تحديد الاستغلال الأمثل للطاقات المتاحة، وبالتالي تحديد مكان السلب والإيجاب في مستوى الأداء الاقتصادي، وهذا ينطبق على جميع البلدان التي تحصل فيها هزات اقتصادية ومجتمعية كبيرة، فكيف بالعراق الذي حدث فيه ما حدث من هزات سياسية واقتصادية وهزه كبرى على صعيد المجتمع، ومن هنا فان تحديد رؤية إستراتيجية للاقتصاد العراقي في المرحلة القادمة يأخذ أهمية كبيرة لكون ذلك يحدد ملامح وطبيعة المرحلة التي نمر بها كعراقيين ونحدد الملامح التي تساعدنا على أن نبني اقتصادا على أسس جديدة ومتينة تضمن لأجيالنا القادمة الرفاهية والاطمئنان من هنا فإن الرؤية الإستراتيجية للعراق ما بعد انتخابات 15/12/2005 تعني أن العراق ستشكل فيه حكومة دائمة تستمد شرعيتها من الشعب والدستور الدائم، ولذلك فإن من واجباتها هو أن تبنى تلك الإستراتيجية الناجحة للتنمية الاقتصادية، والتي يجب أن نفهم بأنها شراكة بين الدولة والقطاع الخاص ومصلحة المجتمع، لتكون هذه العناصر الثلاث من خلال تلك الإستراتيجية العناصر الأساسية في بناء التنمية الاقتصادية السليمة، ومن هنا يتطلب هذا الأمر تحديد أهم الأبعاد والمحاور التي تتضمنها تلك التنمية:

1.    لابد من تشخيص وتحديد الظروف الخاصة التي يمكن أن تساعد في تحقيق التنمية .

2.  يتطلب من الدولة أن تقوم بدور أساسي في خلق البيئة المناسبة لنجاح المشاريع الاقتصادية وبالتالي خلق فرص العمل .

3.  تحديد قدرة المجتمع على التكيف مع التغير في الاقتصاد العالمي ومواكبة سرعة هذا التغيير .

4.  خلق أسواق متنافسة في ما بينها وبشكل يؤدي إلى تنشيط خصوصيات المجتمع على مستوى المحافظات (أو الأقاليم) كي تكون مصدر دعم لقدرات المجتمع على التفاعل مع التنوع في حاجات المجتمع.

5.  بناء وتحديد المؤسسات الدائمة لعملية التنمية الاقتصادية لتكون عونا مهما في بدأ النهضة الاقتصادية.

6.  تحديد مصادر التمويل على المستويين المحلي والدولي.

ومن خلال ما تقدم فان بناء إستراتيجية التنمية المحلية إن كانت على مستوى البلد أو على المستوى المحلي (المحافظات والأقاليم) يجب أن تأخذ بنظر الاعتبار كل العوامل التي تؤثر في تطبيق تلك الاستراتيجيات وحتى في بناء سياساتها فعندما نحدد ونؤشر جوانب الخلل في الاقتصاد كان على مستوى المناطق (الحضرية أو الريفية) أو على مستوى الأقاليم أو المستوى الدولي، نكون في بناءنا الإستراتيجية التنموية قد حددنا الركائز الأساسية التي من خلالها تتمكن من الانطلاق نحو سياسات اقتصادية سليمة قدر الإمكان، وبالتالي فان تحقيق النمو الاقتصادي يعتمد على ما يلي:

1.    مستوى نوعية الإدارة المحلية للمحافظات أو الأقاليم وهذا يتضمن توفير البنى التحتية من طاقة كهربائية ووسائل نقل ومياه والصرف الصحي والاتصالات ومجتمع لديه وعي ورغبة في آنٍ واحد للتطور والنمو.

2.    تعديل وتحسين السياسات والإجراءات التي يقوم بها في مرحلة لاحقة المستثمرين الأجانب والمحليين في إطار السلطة المحلية وإلغاء الأنظمة المعقدة .

3.    تهيئة العوامل والعناصر التي من شأنها أن ترفع من إنتاجية العمل في الاقتصاد المحلي مما يحدث اثر اكبر في التعجيل بعملية التنمية وبكفاءة عالية وتندرج في إطار تلك العوامل، كتوفر السكن والخدمات الصحية والتعليم وتنمية المهارات وتوفير الأمن والاستقرار .

4.    بناء الهياكل القانونية والتنظيمية سوف يعزز بناء مناخ مناسب للاستثمار، وكذلك إزالة القيود التنظيمية للمعاملات التجارية مما يحقق مرونة في التعامل مع الاستثمارات وبما يجعل حركتها سريعة وآثار عائداتها مجدية للمستثمر والحكومة المحلية أو الإقليمية (إن وجدت) .

5.    يجب أن يكون هناك انفتاحاً عالميا بما يحقق الترابط التنموي على الصعيدين المحلي والدولي .

6.    تحديد المميزات الخاصة بالمجتمع في المحافظات والأقاليم والتي من شأنها أن تجذب الاستثمار وهذه المميزات تختلف من مجتمع لآخر مما يعني بأنها سوف تجعل من نسبة الاستثمار في موقع معين ذات جدوى من الاستثمار في موقع آخر .

7.    لابد من أن تستهدف الخطط التنموية التخفيف من الفقر وإدخال الشرائح المحرومة في عملية التنمية وبالتالي تطوير قدرات هذه الشرائح .

إذن فان بناء الإستراتيجية الاقتصادية للعراق في ظل حكومة منتخبة دائمة ودستور دائم يتطلب منها شمولية الخطط التنموية وبما لا يتقاطع مع الخطط الجزئية للمحافظات والأقاليم والعكس صحيح أيضا، فضلا عن توفر القيادات المخلصة والمؤمنة والصادقة التي تتعامل مع تنفيذ تلك الخطط مما يولد المصداقية لدى المجتمع وبالتالي التفاعل مع الخطط وتحويلها إلى واقع معاش وبشكل مستمر، كما إن العزم السياسي أو القدرة السياسية لحشد الطاقات وتحديد الأهداف الاجتماعية التي يراد تحقيقها من خلال عملية التنمية، فضلا عن توفر الدعم المالي من داخل المحافظة أو الحكومة وكذلك الدعم الفني سوف يعطي للتنمية دفعات قوية نحو الأمام، ولذلك فان من الشروط المهمة في تنفيذ الخطط التنموية هو توفر القدرة على بناء الإدارات وفرق العمل التي ستنفذ الخطط لما له من أهمية في سير تلك السياسات والخطط بشكل سليم.

وخلاصة القول أن تبني إستراتيجية اقتصادية من شأنها أن تحدث عملية التحول الاقتصادي في العراق يحتاج إلى شروط ومقومات نرى أنها متوفرة جميعا، وقبل وبعد ذلك كله إننا نحتاج إلى من يكون الهدف والمحور في كل هذه العملية ألا وهو الإنسان، فبدونه لا يكون هناك بلدٌ اسمه العراق.

 

 

 

 العراق ما بعــــد 15/12 رؤية إستراتيجية    ملف خاص

(3) الخطاب الإعلامي في المرحلة القادمة

عمران الكركوشي   .    رئيس قسم الإعلام والعلاقات العامة في مركز الفرات.

Text Box:  
 

 

الخطاب الإعلامي هو منظومة الرموز التي تعبر عن موقف طرف معين والتي يراد لها أن تكون لغة التعامل مع الآخر وغالبا ما يستخدم الخطاب الإعلامي وسائل الاتصال الجماهيرية المعروفة.

 

ويعد الخطاب الإعلامي العراقي في المرحلة القادمة عنصرا معبرا عن مقدار وطبيعة التحول في الحياة السياسية وتحديد اتجاهاتها واتجاهات القوى المشاركة فيها وكيفية تعاطيها مع إدارة الدولة العراقية الجديدة.

ويمكن أن نستشرف بعض معالم الخطاب الإعلام العراقي من خلال نظرة على معطيات الساحة السياسية، حيث فرضت نتائج العملية السياسية وخاصة العملية الانتخابية على الكيانات السياسية نوعاً من الخطاب المختلف عن الفترة السابقة، ففي عدد من المؤتمرات الصحفية التي عقدتها الكيانات السياسية والقوى المشاركة في العمليـة الانتخابية استخدم المتحدثون لغة جديدة أكـدوا فيها على ضـرورة تجـاوز لغـة الشـد واستبدالها بلغة جديدة وإنهم سوف يمدون أيديهم إلى بعضهم على أساس إن

 الغاية الأسمى هي بناء البلد، وبناءً على ما تقدم من الواضح إن الخطاب الإعلامي في العراق سيأخذ منحى جديدا بسبب العوامل التالية:

1.      تغير العلاقة بين مكونات النسق السياسي العراقي بعد دخول قوى جديدة في منظومة الأداء السياسي.

2.      تطور أدوات الخطاب الإعلامي بعد الزيادة التي شهدتها القنوات الاتصالية المرئي منها والمسموع والمقروء خاصة إن هذه القنوات لها مرجعيات فكرية واتجاهات سياسية مختلفة.

3.      تغيير كبير في الدوافع والأهداف من العمل السياسي ومن العلاقة مع الآخر، ويعني ذلك الاتجاه ومن كل القوى تقريبا إلى البحث عن الانجازات وخاصة في الجانب ألخدماتي، وستأخذ القوى السياسية بنظر الاعتبار عملية ديمقراطية ومنافسة سياسية تسعى إلى الحصول على دعم الرأي العام وتأكيده على مطالب عملية خدماتية.

4.      أفول تأثير الفكر الإيديولوجي للنظام ألبعثي السابق الذي اخذ يفقد مناصريه و أتباعه خاصة تحت ضغوط تتعلق بجانبين:

الجانب الأول داخلي يعنى بمنظومة الحاجات التي تفرض نفسها على المناصرين والحصول على مناصب أو المشاركة في الحياة اليومية التي تفرض نفسها  عليهم وتحتم التخلي عن أفكار الحزب السابق وخاصة بعد إثبات عدم قدرتها على المنافسة والتي تبدو منبوذة اجتماعيا .

والجانب الثاني هو تنامي قوة الدولة وفرضها لهيمنة فكرية ومنظومة عمل جديدة مصحوبة بمنظومة ثقافية جديدة إلى جانب ضغوط خارجية على القوى التي تدعم الفكر السابق. 

إن اللغة التي ستفرض نفسها على الخطاب الإعلامي ستتحول تدريجيا إلى لغة قائمة على التعامل مع الآخر باعتبار اللحظة التي ستفرضها المشاركة الفعلية في اتخاذ القرار وإدارة الدولة وتنفيذ مخرجات السلطة التشريعية. وهناك محور آخر ننتظر إن يتعرض لتغيير أو تعديل وفي اقل الأحوال سيحتاج إلى دراسة وهو محور العلاقة مع الدول الإقليمية والدول المجاورة، فبما إن العلاقة بين مكونات العملية السياسية في العراق وبين الدول الإقليمية والمجاورة علاقة غير متجانسة وغير متفق على أبعادها لذلك فان الخطاب الإعلامي سيعكس هذا الاختلاف وعدم التجانس، ولذلك فان الرؤية الإستراتيجية ضرورية بمعنى انه من الضروري إن توضع بشكل عام استراتيجيات للعمل الحكومي يتم تسريبها إلى وسائل الإعلام التي هي من المفترض أنها غير حكومية ولكن اغلب المشاركين في العمل السياسي والقوى السياسية الأساسية تمتلك أو تتجه إلى امتلاك وسائل إعلام، ستشكل لاحقا منظومة تعبيرية عن اتجاهات تصب كلها في الإطار العام لتوجهات العراق سواء باعتباره الدولة أو النظام السياسي أو المكونات الاجتماعية والاقتصادية أم الطرف اللاعب في المعادلة الدولية الجديدة. إن معطيات العملية السياسية في العراق أثبتت إلى حد الآن إن كل مكونات القوة السياسية تتجنب في خطابها المعلن الخوض في المتغيرات التاريخية والدينية أو القومية باعتبارها لغة خطاب سياسي وإنما باعتبارها لغة التعبير عن الحاجة وبالتالي الدعوة إلى المشاركة، ولكن الفرق في الخطاب هو الفرق في نوع وطبيعة العمل ومنهاجه أو اتجاهاته العامة. وإذاً نتوقع أن يركز الخطاب الإعلامي العراقي القادم على الجوانب التالية:

1.      أداء وعمل الحكومة العراقية .

2.      العلاقة بين مكونات المجتمع.

3.      (الصراع) على اختيار المفاهيم التي تدخل في الدستور العراقي والتثقيف لجهة المفاهيم التي سيدور حولها النقاش مثل الفدرالية، واجتثاث البعث وقانون الأحوال الشخصية .

4.      العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية .

5.      العلاقة مع إيران والدول الإقليمية المؤثرة.

6.      الخدمات ومقدار توزيع الثروة والجوانب الاقتصادية الأخرى .

7.      وفي مرحلة قادمة سيكون هناك اتجاه إلى بناء كيانات سياسية جديدة تنوي الدخول إلى حلبة المنافسة السياسية مما يدفع هذه الكيانات إلى بناء خطاب إعلامي واضح ومتميز سيتخذ من العناصر السابقة أو كلها مركبا له في خطابه الإعلامي. إن الخطاب الإعلامي سيؤسس أو لابد أن يؤسس لمنظومة فكرية تعبر عن  المحاور التالية:

1.      ملأ الفراغ الايدولوجي الذي نتج عن تغيير النظام السياسي في العراق .

2.      استيعاب التحولات العامة التي يشهدها العراق وتوضيح أبعاد وطبيعة هذه التحولات للرأي العام المحلي.

3.      تأسيس منظومة رمزية معبرة عن (صورة العراق) في الذهنية العالمية الدولية، تكون بديلا معالجا لصورة العراق التي رسمت ملامحها أوضاع العراق قبل التغيير السياسي.

4.      التعبير عن طبيعة العلاقة الجديدة بين مكونات المجتمع السياسية والاقتصادية  والاجتماعية والثقافية من جهة والدولة من جهة أخرى.

5.      يتعين على تلك القوى والمكونات المذكورة آنفا بناء خطاب استراتيجي يعبر عن شخصيتها وعلاقتها بالآخر.

6.      وبما أن هذه القوى تهدف عاجلا أم آجلا إلى استلام إدارة الدولة أو المنافسة على القوة والسلطة والنفوذ فان ذلك يعني استحضار منظومة رمزية أو التأسيس لثقافة تصلح أن تكون (لغة وأداة) قادرة على تحقيق هذه الأهداف والمصالح.

7.      التأسيس لعقلية عراقية قادرة على بناء حياة ذات منطلقات حضارية جديدة تستطيع تلبية حاجات الدولة والمجتمع في إطار المنافسة لدولية.

 

 

الفرق بين الواقع الدستوري والواقع السياسي

د.علي هادي الهلالي   ،  تدريسي/ الجامعة المستنصرية

احتل العرف الدستوري قصب السبق بوصفه مصدرا للقواعد الدستورية على حركة تدوين الدساتير، وعلى الرغم مما يحققه العرف الدستوري من ميزة توافقه مع الواقع السياسي وما سيتبع ذلك من تطبيق الدستور بإنتظام واطراد، إلا إن الدعوة إلى تدوين الدساتير حظيت بتأييد وانتشار، وكان من ابرز أسباب ظهور الدساتير المكتوبة التي أشار إليها الفلاسفة هو سهولة الإلمام بها سيما إن الدستور وسيلة للتربية السياسية ونشر الوعي السياسي والدستوري وتعميقه، لذا بدأت الإشارة إلى ترابط انتشار الأفكار الديمقراطية وحركة التدوين على أساس إن الدستور المكتوب عمل الشعب في الديمقراطية المباشرة وعمل ممثليه في الديمقراطية المباشرة وعمل ممثليه في الديمقراطية النيابية.

وهكذا أصبحت صياغة النصوص الدستورية مصدراً انسيابيا للقواعد الدستورية في حين احتل العرف مصدرا ثانياً لها، بيد أن التساؤل مطروحا عن أسباب تجافي الدستور المكتوب مع الواقع السياسي؟ يبدو لنا إن هناك عاملان رئيسان يجعلان من الصياغة الدستورية بعيدة عن الواقع السياسي هما: العامل السياسي والعامل الفني..

الجزء الأول:

أما عن العامل السياسي فهو مجموعة من التيارات أو الظروف العابرة التي تدفع واضعوا الدستور نحو التخلص من الماضي معين أو بيئة معينة حتى ينحصر فكرهم بوضع نصوص يتوقعون أنها تكفل عدم العودة إلى الماضي، مما يجعل الدستور غير مواكب للواقع وغير متطلع إلى المستقبل بل انه مجرد توجه إلى بيئة منقضية .

فالدساتير التي سادت بعد الحرب العالمية الأولى خضع واضعوها إلى فكرة تقوية السلطة التشريعية على حساب إضعاف السلطة التنفيذية على أساس إن قوة السلطة التنفيذية كانت من أهم أسباب اندلاع الحرب، كدستور فايمر الألماني ودستور ايطاليا..

إلا إن هذه الدساتير كانت عاملا رئيسا وراء انتشار الدكتاتوريات في العالم كموسلين وهتلر، وكانت نصوصا بلا حياة، في حين كان يجب أن تهتم هذه الدساتير بإنشاء سلطات متوازنة قادرة على حل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بدلا من التعليق بأهداب الماضي، الأمر الذي احدث فجوة بين الواقع الدستوري والواقع السياسي.

إن الأمر نفسه يبدو ماثلا في الدساتير العربية كالدستور المصري 1923 والقانون الأساسي العراقي لعام 1925 حينما اعتمد النظام البرلماني السائد لدى الدول الغربية سيما المحتلة فيها يهدف بقاء السطوة الغربية على إرادة الدول التي نالت استقلالها،وهكذا ما لبثت هذه الدساتير إن تواجه مصاعب سياسية وفنية وعملية حالت بينها وبين تطبيقها بشكل مطرد، حتى بدأ تطبيقها شكلا فارغا من أي مضمون كان ورائه سيطرة الحكام على  مجريات الواقع السياسي.

عليه فان من الضروريان تكون صياغة الدستور العراقي القادم بعيدا عن التكبل بظروف الماضي ورغبة التخلص من مساوئه فقط ،بل يجب إن يكون دستورا مواكبا للواقع متطلعا إلى المستقبل ومهتما بالإصلاح الاقتصادي والاجتماعي والسياسي حتى تتضاءل الهوة بين الواقع الدستوري والواقع السياسي.

الجزء الثاني:

بعد إيضاح دور العامل السياسي في إيجاد الهوة بين الواقع الدستوري والواقع السياسي، يأتي الآن إيضاح دور العامل الفني في أحداث تلك الهوة، ونعني بالعامل الفني هو الصياغة التي يظهر فيها  الدستور والتي تعمل في ثناياها استمرار تطبيق النصوص الدستورية وملائمتها للبيئة التي يطبق فيها الدستور، كما يمكن إن تؤدي إلى جعل تلك النصوص في واد وبيئة تطبيقها في واد آخر سواء طال الوقت بها أم قصر .

فما هي الصياغة الدستورية؟ وما هي شرائطها؟ وما هو الحل إذا أدت الصياغة إلى قيام الفجوة بين الوثيقة الدستورية والواقع السياسي؟

يمكن تعريف الصياغة بأنها مجموعة من الأدوات والوسائل الفنية اللازمة لإخراج الأفكار والقيم السياسية والاجتماعية والاقتصادية من الحيز النظري إلى الحيز العملي أو تحويل الثروة الفكرية إلى نصوص متسلسلة صالحة للتطبيق العملي، لذا يشترط في الصياغة مجموعة من الشرائط من أهمها الوضوح والدقة والواقعية، ويعني الوضوح إيصال الأفكار التي أرادها المشرع الدستوري إلى فهم الجمهور، أي تكون النصوص بمنأى عن الغموض والتعقيد الذي يجعل من الإفراد بعيدين عن إدراك ما عناه المشرع، حتى يظهر التحافي بين النصوص إلى حد إفهام الجميع؟

إن من الخطأ الولوج في التبسيط إلى الحد الذي تفقد فيه النصوص الدستورية قيمتها وهيبتها، لذا فأن إيصال الأفكار إلى فهم الأغلبية يكفي، بيد إن على المشرع الدستوري والمؤسسات الدستورية إن توسع فهم الأغلبية نطاق هذه الأغلبية يوما بعد آخر من خلال نشر الوعي الدستوري بواسطة نشر المناقشات التي دارت قبل التصديق على الدستور الدستورية في الدولة مهمة عقد الندوات الموسعة وزيارة شرائح المشاركين فيها وتكريس وسائل الإعلام كافة لنشر الأفكار الدستورية وتعميقها لدى الأفراد، ثم يأتي بعد ذلك شرط الدقة في سيل النصوص، والدقة تمثل مرحلة من مراحل الصياغة الدستورية يصل إليها المشرع الدستوري عندما يجعل من النصوص معبرا حقيقيا لما أراده بالفعل، أي تأتي الصياغة انعكاسا حقيقيا ومعبرا صادقا لما أراد إيصاله إلى الأفراد، ومن أهم مستلزمات الدقة هي إيراد النصوص بعمومية وتجريد وعدم الدخول في الجزيئات والتفصيلات غير المهمة التي تبحر بالوثيقة الدستورية صوب التجافي عن الواقع أكثر مما تكون وسيلة فعالة لانطباقها معه خصوصا إن المسجلات والتطورات سرعان ما تتعارض مع تلك التفصيلات، ولكن هل للدستور حجم محدد وهل لنصوصه عدد محدد؟

تتفاوت الدساتير في حجم موادها، فمنها ما يتسع حد الإفراط ومنها ما يختزل حداً يجعل من الدستور غير المطابق للواقع، لذا يجب أن يتناول الدستور الخطوط والمبادئ الرئيسة في المجتمع تاركا التفاصيل والجزيئات للقوانين والأنظمة والتعليمات، ثم يأتي بعد ذلك شرط الواقعية، ومفاده إن تنبع الأحكام والقيم من البيئة التي سوف يطبق فيها الدستور، فلا تكون هناك مفاهيم غريبة ومتعارضة مع بيئة التطبيق والعقيدة والديانة والعادات والتقاليد الموجودة فيها، إن هذا لا يعني عدم استقاء الأحكام والنصوص التي سبق وان صقلت في دساتير مقارنة وكان من شأنها دفع عجلة التطور والازدهار.

 

الفيدرالية   

بين الواقع والطموح

علي شاكر البدري    ،   باحث قانوني.

 

 

Text Box:  
 

 

الفيدرالية هي شكل من أشكال الدولة المركبة، فهي اتحاد يضم عدة دول أو دويلات أو أقاليم تندمج في دولة جديدة وهي الدولة الاتحادية التي تنهض بجميع الاختصاصات الخارجية وتتقاسم الاختصاصات الداخلية مع الدويلات الأعضاء أي إن الدولة الاتحادية تظهر كدولة واحدة على الصعيد الدولي والعلاقة التي تحكم الدول أو الدويلات أو الأقاليم ليست معاهدة دولية كما هو الحال في الاتحاد الكونفيدرالي، وإنما الدستور والدولة الفيدرالية يمكن أن تنشأ بأحد طريقتين:

 

1.  فيدرالية اندماج: وهي أن تندمج عدة دول أو دويلات أو أقاليم مع بعضها ومثال ذلك الاتحاد الفدرالي في ألمانيا وكندا وسويسرا وأستراليا والولايات المتحدة والإمارات العربية المتحدة .

2.   فيدرالية تفكك: تنشا عن طريق تفكك الأقاليم المكونة لدولة موحدة ويتشكل هذا النوع من الدول الفيدرالية تحت ضغط الاثنية (العرقية) داخل الدولة الموحدة والتي تسعى نحو نـوع من الاستقلالية عن الحكومة المركزية لا ليصل إلـى ن

حد إعلان الانفصال أو الاستقلال التام كما في الأرجنتين والبرازيل.

واختصاصات السلطة الاتحادية هي:

1.  في المجال الخارجي: إن الدولة المركزية الاتحادية تتولى كافة الشؤون الخارجية حيث يكون لها حق التمثيل السياسي الخارجي، كما يكون لدولة الاتحاد وحدها حق إبرام المعاهدات وغير ذلك من المسـائل الخارجية التي تتولاها دولة الاتحاد وتتصرف فيها.

ولكن على هذه القاعدة استثناءات، فجمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق كروسيا البيضاء وأوكرانيا اعتبرت دولاً وانضمت للأمم المتحدة وفي الدستور الاتحادي الألماني سنة 1949م، اعترف للدويلات الداخلة في هذا الاتحاد بحق إبرام المعاهدات وما أشيع من أقوال حول مسودة الدستور العراقي وان من حق الدويلات الفيدرالية إبرام المعاهدات مباشرة لتسوية الحدود بينها أو إبرام معاهدات مع الدول الأخرى على أن لا تتعارض مع حقوق ومعالم الأقاليم، إن صح هذا القول فلنا عليه مأخذ، صحيح ما ذكرنا إن من حق الولايات الألمانية حق إبرام المعاهدات ولكن هذا استثناء والاستثناء لا يتوسع فيه وان كان من حق الأقاليم الفيدرالية إبرام المعاهدات فلا بد من التشدد بالشروط كان يشترط موافقة ثلثي أعضاء الجمعية الوطنية حتى لا يكون إبرام المعاهدات خطوة نحو الانفصال، وبذلك يبدو أن الرأي الذي يرى تقيد المجال الخارجي للسلطة المركزية الاتحادية رأي أفضل بالنسبة لواقع العراق.

2. المظاهر الوحدوية في المجال الداخلي: لا تقتصر مظاهر الوحدة في الاتحاد المركزي على المجال الخارجي بل تتعداه أيضا إلى المجال الداخلي في بعض الوجوه فيوجد:

 

§      دستور مركزي موحد.

§      وجود هيئة تشريعية مركزية.

§      وجود هيئة تنفيذية مركزية .

§      وجود هيئة قضائية مركزية .

أولا: وجود دستور مركزي موحد: حيث يحدد اختصاصات كل من الحكومة المركزية وهيئاتها وهيئات الحكومة الفيدرالية، ومن المتفق عليه انه لا يمكن تعديل الدستور الاتحادي إلا بإجراءات خاصة ينص عليها الدستور الاتحادي، لذا نرى الدستور الاتحادي للولايات المتحدة يشرط للتعديل موافقة الثلثين أي ثلثي مجلس الكونكرس وكذلك موافقة ثلثي المجالس التشريعية للولايات، وهذا التشدد في التعديل له أسبابه فقد يتضمن التعديل مساسا باستقلال الدويلات فيغير في كيانها، وينقص من سيادتها.

ثانيا: وجود هيئة تشريعية مركزية: القاعدة المستقرة إن الهيئة التشريعية الاتحادية تقوم من حيث التشكيل على نظام المجلسين، فمجلس يقوم على أساس الانتخابات وبذلك يكون ممثلو الدولة أو الولاية الأكثر سكاناً هي الأكثر عددا ومجلس ثاني لتمثيل الدويلات على أساس المساواة فيما بينهما بغض النظر عن المساحة أو عدد السكان، وهذا ما جاء في م 3 ف 3 من دستور الولايات المتحدة يتألف مجلسين في كل ولاية، هما مجلس الشيوخ ومجلس النواب بمثل الولايات بالتساوي بواقع شيخين لكل ولاية، وبما إن ولايات أمريكية 50 ولاية، يفهم من ذلك وجود مئة شيخ في مجلس الشيوخ، ولكن يلاحظ إن قاعدة المساواة في تمثيل الدويلات بالنسبة لهذا المجلس غير مطلقة، فدستور ألمانيا الاتحادية يتكون من ممثلين يتراوح بين (3-5) تبعا لسكان الدويلة وهذا ما جاء في دستور ألمانيا الاتحادية سنة 1949 م50 ف2 لكل ولاية في المجلس ثلاث أصوات على الأقل ويكون للولايات التي يزيد عدد سكانها عن 6 ملايين نسمة 5 أصوات، ولكن مهما اختلف عدد ممثلي الدويلات المتحدة، فان لكل دويلة صوت واحد، مهما قل أو زاد عدد ممثلي الدويلة المتحدة، وبذلك نكون أمام تساوي في التصويت، إن مهمة السلطة التشريعية المركزية إصدار التشريعات الواجبة الإتباع وهي تتعلق غالبا بالأمور المهمة التي تخص الاتحاد والتي حددها الدستور الاتحادي ولذلك نجد في الدساتير الاتحادية السويسرية والأمريكية، إن الاختصاص التشريعي يكون للمجلسين التشريعين ومن ثم لا يمكن سن أي قانون إلا بموافقة كل من المجلسين عليه، ولذلك تقتصر مهمة برلمان الدويلات المتحدة أو الأقاليم أو الفدراليات على وضع التشريعات الداخلية الخاصة للدولة وفي حدودها فقط، مع مراعاة عدم تعارض هذه التشريعات مع التشريعات التي يقوم بوصفها البرلمان الاتحادي، ونلاحظ في عراقنا العزيز أنه لا يوجد إلا مجلس تشريعي واحد حسب قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية ويتم اختيار أعضائه بالانتخاب السري المباشر أما مجالس الدويلات أو (المجلس الوطني الكردستاني) يسمح بتعديل تنفيذ أي من القوانين الاتحادية في ما يتعلق بتطبيقها في إقليم كردستان عدا الأمور التي نص عليها م25 و م34 وف د. و م25 تتعلق بالسياسة الخارجية والأمن والدفاع والأمور المالية والجنسية، أما مادة 34 ف د فلا وجود لهذه الفقرة في قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية؟ ونلاحظ مما ذكرناه سابقا إن المجلس الوطني الكردستاني له سلطة تعديل أي من تلك القوانين داخل منطقة كردستان وهذا مما يؤدي إن بعض القوانين ستطبق في العراق عدى إقليم كردستان وقوانين ستطبق على العراق بكل أجزائه، وهذا مما يخلق مشاكل ومنازعات وان كانت المحكمة الاتحادية العليا لها الحق في فصل هذه المنازعات ولكن لما لانحل المشكلة منذ البداية؟ فلابد إن تطبق القوانين الاتحادية في كافة أنحاء العراق وبدون استثناء.

ثالثا: الهيئة التنفيذية المركزية: وهذه الهيئة تمثل هيئة إتحاد وتختلف هذه الهيئة إذا أخذنا بالنظام الرئاسي كالمطبق في الولايات المتحدة أو نظام الجمعية المطبق في سويسرا، أو النظام البرلماني مثل ما هو مطبق في ألمانيا، ففي النظام الرئاسي في الدولة الاتحادية كالولايات المتحدة تودع السلطة التنفيذية بيد رئيس الجمهورية المنتخب من قبل الشعب وينفرد رئيس الدولة بتعين الوزراء وعزلهم وان كان لهذا النظام مزايا ولكنه يلائم الدول المتطورة ديمقراطيا واقتصاديا والتي يكون بها رئيس دولة يحترم الدستور والقوانين أما في الدول النامية فيبدو إن هذا النظام جعل من رؤساء الدول مستبدين وغابت الديمقراطية في ظلالها، أما ما طبق في سويسرا وهي التي تأخذ بنظام حكم الجمعية وتكون فيها الهيئة التنفيذية من أعضاء المجلس الاتحادي، وتقوم الجمعية الاتحادية بانتخابهم لمدة أربع سنوات، ويرأس المجلس الاتحادي رئيس الاتحاد ويكون له نائب ويتم انتخابه بصورة دورية ولمدة عام بواسطة الجمعية الاتحادية من بين أعضاء المجلس، نلاحظ هيمنة الجمعية على الحكومة حتى إن الحكومة خاضعة خضوعا تبعياً لها... ولا يمكن للحكومة أن تحل الجمعية كما هو الحال في النظام البرلماني أما في ألمانيا الاتحادية التي تأخذ بالنظام البرلماني، فتكون الهيئة التنفيذية من المستشار والوزارة الاتحادية، حيث يشترك كلاهما في ممارسة مهام الهيئة التنفيذية ففي النظام البرلماني تكون هناك انتخابات، ويكون صاحب حزب الأغلبية أو الائتلاف الذي حصل على اغلب الأصوات من يكون رئيس الوزراء وهو الذي يعين مجلس الوزراء ومجلس الوزراء مسئول أمام البرلمان ويملك كلاهما أي البرلمان والحكومة سلاح ضد الآخر فللحكومة حق حل البرلمان، وللبرلمان حق سؤال واستجواب وتحقيق وكذلك سحب الثقة من الحكومة، وعادة لا تلجا الحكومة إلى حل البرلمان إلا إذا كانت متأكدة أنها سوف تفوز في الانتخابات المقبلة، ونلاحظ إن قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية لم يعط للحكومة حق حل البرلمان بينما أعطى في المادة 40 ف للجمعية الوطنية حق سحب الثقة سواء من رئيس الوزراء أو الوزراء مجتمعين ومنفردين وفي حالة سحب الثقة من رئيس الوزراء تنحل الوزارة بأسرها وتصبح المادة 40 (ب) نافذة ونلاحظ إن م 40 ف ب تذكر إن رئيس الوزراء والوزراء يظلون في مناصبهم لمزاولة أعمالهم مدة لا تزيد عن ثلاثين يوما إلى حين تشكيل مجلس الوزراء الجديد وهذا النظام البرلماني يصلح في التطبيق في الدولة النامية التي تخشى من استبداد الرئيس برأيه دون الرجوع  إلى الشعب أو ممثلي الشعب وعلى ما يبدو من قراءة قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية إن هذا النظام المطبق حاليا في العراق وما يشاع أيضا من مسودة الدستور انه سيكون النظام المطبق في الدستور الجديد؟ أما الهيئة التنفيذية للدويلة فلا يتعدى نطاق اختصاصه التنفيذي حدود هذه الدويلة، وان الفقه الدستوري يميز بين ثلاث طرائق مختلفة يمكن للهيئة التنفيذية الاتحادية أن تعتمدها في إدارة مهمتها وهي:

1. طريقة الإدارة المباشرة: وتتجسد في إنشاء الحكومة الاتحادية إدارات خاصة بها داخل الولايات الأعضاء وتكون هذه الإدارة تابعة لها مباشرة ومستقلة عن الدويلات، وتنفذ هذه الإدارات أوامر وقرارات الهيئة التنفيذية المركزية مباشرة، وهذا ما طبق في الولايات المتحدة .

2. طريقة الإدارة غير المباشرة: تتلخص هذه الطريقة في أن تعهد الحكومة المركزية إلى الدويلات ذاتها بمهمة التنفيذ داخل إقليمها بواسطة إدارتها وأجهزتها المحلية، ولكن تحت رقابة الحكومة المركزية، وهذا ما أكدته م 83 من دستور ألمانيا الاتحادية

3. طريقة الإدارة المختلطة: وتتلخص هذه الطريقة بان تتوزع مهمة تنفيذ القوانين والقرارات الاتحادية داخل الدويلات بين موظفي الاتحاد في الدويلات وبين حكومات الدويلات ذاتها، وقد اخذ الدستور السويسري الاتحادي بهذه الطريقة، ومن نافلة القول، نستطيع ترجيح طريقة الإدارة المباشرة، لان واقع العراق مختلف عن موقع ألمانيا وسويسرا فتعد هذه الطريقة ضمانا لاستقرار الأوضاع ومراقبة الحكومة الاتحادية للأعمال التي تقوم بها الدويلات وهذا ما يبدو ملائما للوضع في العراق.

رابعا: الهيئة القضائية المركزية: تعد الهيئة القضائية الاتحادية (هيئة هامة)، حيث أنها تلعب دورا كبيرا بإصدار القرارات في الدولة الاتحادية، وذلك لحل المشكلات التي تنشا بين الدويلات المتحدة أو بين إحدى الدويلات والدولة الاتحادية حيث انه لا يمكن حلها بالوسائل الدبلوماسية، مادامت العلاقات بين هذه الدويلات ليست ذات طبيعة دولية، وإنما هي ذات طبيعة دستورية داخلية، كما أنها تقتضي البت في مدى دستورية أعمال الهيئتين التنفيذية والتشريعية في الدولة الاتحادية، كما أنها تتولى مراقبة مدى مطابقة قرارات محاكم الدويلات المتحدة للدستور الاتحادي، كما أنها تراقب مدى دستورية القوانين المحلية، أما في قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية تبت المحاكمة الاتحادية كما جاء في المادة 43 ف د في القضايا التي تنشا من تطبيق القوانين الاتحادية ويكون تأسيس هذه المحاكم من اختصاص الحكومة الاتحادية حصرا، ويكون تأسيس هذه المحاكم بالتشاور مع رؤساء مجالس القضاء، وتوجد بالإضافة لذلك المحكمة الاتحادية العليا كما جاء في م 44 ف هـ (تتكون المجالس العليا الاتحادية من 9 أعضاء) فيقوم مجلس القضاء الأعلى بالتشاور مع المجالس القضائية للأقاليم بترشيح مالا يقل عن ثمانية عشر إلى سبع وعشرون فردا لملئ الشواغر في المحكمة المذكورة، ويقوم بالطريقة نفسها، فيما بعد بترشيح ثلاث أعضاء لكل شاغر لاحق يحصل لسبب الوفاة أو الاستقالة أو العزل ويقوم مجلس الرئاسة بتعين أعضاء هذه المحكمة وتسمية احدهم رئيسا لها، ومن صلاحيته وفقاً م 44 ف ب: (1) الاختصاص ألحصري أو الأصيل في الدعاوى بين الحكومة العراقية الانتقالية وحكومات الأقاليم وإدارات المحافظات والبلديات والإدارات المحلية، (2) الاختصاص ألحصري والأصيل بناءاً على دعوى من مدعي أو بناءا على إحالة من محكمة أخرى، في دعاوى بان قانونا أو نظاما أو تعليمات صادرة عن الحكومة الاتحادية أو الحكومات الإقليمية أو إدارات المحافظات والبلديات والإدارات المحلية لا تتفق مع هذا القانون، و لنا على ما جاء في هذه الفقرة ملاحظة، فيا حبذا لو إن المشرع للدستور العراقي ذكر إن من حق المحكمة الاتحادية العليا أن تنظر في هذه الأمور من تلقاء نفسها بغض النظر إن كانت هناك دعوى من مدعي أو بناء على إحالة من محكمة أخرى، في دعاوى بان قانونا أو نظاما أو تعليمات صادرة عن الحكومة الاتحادية أو الحكومات الإقليمية أو إدارات المحافظات والبلديات والإدارات المحلية لا تتفق مع هذا القانون .

ولنا على ما جاء في هذه الفقرة ملاحظة، فيا حبذا لو إن المشروع الدستوري العراقي ذكر إن من حق المحكمة الاتحادية العليا إن تنظر في هذه الأمور من تلقاء نفسها بغض النظر إن كانت هناك دعوى من مدعي  أو بناء على إحالة من محكمة أخرى .

وأضافت مجلة الوقائع العراقية اختصاصاً آخر هو الاستئناف في دعاوى القضاء الإداري، ويا حبذا لو أن المشرع العراقي اخذ بما ذكرناه من ملاحظات وما سنذكره الآن:

1. ليس من الضروري في الدولة الاتحادية وجود مجلسين تشريعيين مركزيين، فيمكن أن يكون هناك مجلس اتحاد مركزي واحد، كدولة الإمارات العربية المتحدة.

2.   يمكن أن توجد مركزية لا إدارية داخل الدولة الاتحادية المركزية، وداخل الحكومة الفيدرالية.

3. يمكن أن يوجد دستور مركزي واحد ولا يوجد في الأقاليم الفيدرالية دساتير وهذا ما أخذت به دولة الإمارات العربية المتحدة.

4. نتمنى من المشرع الدستوري العراقي أن يعطي صلاحيات للمحكمة الاتحادية العليا في الحق بالنظر في شرعية القوانين من تلقاء نفسها.

5. نرى إن في الدولة الاتحادية المركزية أن تبدل نسبة التعديل إلى ثلثي أعضاء الجمعية الوطنية، أما بالنسبة للأمور المهمة كالدفاع والأمن وإنشاء أقاليم فيدرالية فيشترط إضافة استفتاء شعبي يجرى على هذا الأمر.

6. إن كان التعديل يمس الإقليم الفدرالي فيشترط إضافة لما ذكرنا من النقطة الخامسة موافقة المجلس الإقليمي المنتخب وبنفس النسبة.

 

 

المظاهر الاستقلالية في المجال الداخلي :

في الدولة المركبة الاتحادية الفيدرالية تتعدد السلطات، فمنها ثنائية السلطة التشريعية، وثنائية السلطة التنفيذية، وثنائية السلطة القضائية وفي أكثر الدول يوجد دستورين احدهما مركزي (اتحادي) وأخر داخلي في كل ولاية، أما عن توزيع الاختصاصات الداخلية بين الدولة الاتحادية والدويلات المتحدة فيكون أما:

1.  أن يحدد الدستور الاتحادي اختصاصات حكومات الدويلات على سبيل الحصر، ويكون ما عداه من اختصاص حكومة الاتحاد وهذا ما فعلته كندا وفنزويلا.

2.  وقد يحدد الدستور الاتحادي اختصاصات الاتحاد حصرا وما عداه يكون من اختصاص الدويلات المتحدة وهذا ما أخذت به الولايات المتحدة ودولة الإمارات العربية المتحدة .

3.  أن يحدد الدستور اختصاصات الحكومة المركزية وحكومات الدويلات المتحدة على سبيل الحصر وما يعاب على هذه الطريقة، إن توزيع الاختصاصات لن يكون شاملاً مهما كان دقيقا لأنك سريعا ما تجد مسائل لم يتناولها الدستور الاتحادي بالتنظيم، مما يكون سببا في إثارة خلافات بين الحكومة الاتحادية وحكومات الدويلات الأعضاء.

وعلى الرغم من ذلك أي من تعدد الطرق، لجأت الدول إلى طرق أخرى مثل :

§   أن تنص الدساتير الاتحادية أحيانا على بعض المسائل المشتركة بين دولة الاتحاد والدويلات المتحدة بهدف تمكين الدويلات من ممارسة بعض الاختصاصات تحت إشراف ورقابة الحكومة المركزية، التي تملك شأن هذه الأمور سلطة وضع الأسس العامة والمبادئ الرئيسة، ولكن للدويلات المتحدة أن تتولى التفصيلات في مرحلة التنفيذ .

§   كما إن الدساتير الاتحادية كثيراً ما تنص على بعض المسائل الاتحادية، على اختصاص الدويلات المتحدة فيها اختياريا، بحيث تستطيع ممارستها ما لم تمارسها الحكومة المركزية الاتحادية.

ونتمنى من المشرع الدستوري العراقي لو يأخذ بطريقة أن تكون للولايات أو الأقاليم تواضع، آلية اختصاصات حصرية والبقية من اختصاص الحكومة المركزية الاتحادية فلو إن المشرع الدستوري العراقي في قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية أبدل كلمة (حصـرا) بـ(على سبيل المثال)، أما بالنسبة لتوزيع الثروات، فان ما جاء في المادة 25 ف هـ تقسيما عادلا برأي المتواضع.

فقد ذكرت الفقرة هـ 1 إدارة الثروات الطبيعية للعراق والتي تعود لجميع أبناء الأقاليم والمحافظات، توزع الواردات الناتجة عن هذه الثروات عن طريق الميزانية العامة وبشكل منصف، يتناسب مع التوزيع السكاني في جميع أنحاء البلاد، مع الأخذ بنظر الاعتبار المناطق التي حرمت منها بصورة مجحفة من قبل النظام السابق، ومعالجة مشاكلها بشكل ايجابي، واحتياجاتها ودرجة التطور في المناطق المختلفة من البلاد، ولتقريب الصورة بشكل أكثر واقعية لو أخذنا مثلا مدينة البصرة والكثافة السكانية التي تزيد عن المليون قد حرمت من قبل النظام السابق، واحتياجاتها كثيرة فمثلاً لا يوجد لديها مياه صالحة للشرب، وهي بحاجة إلى التطور في المناطق المختلفة، كبناء مرفأ لرسو السفن في البصرة ومصانع لتكرير النفط، وحول ما يشاع من أخبار حول مسودة الدستور بان يكون 5%من إيراد المنطقة التي يستخرج منها الموارد الطبيعية للمحافظة و35% للحكومة الاتحادية المركزية و60% لحكومة الإقليم فنرى إن هذا التوزيع غير عادل وسوف يخلق مناطق وأقاليم غنية ومحافظات وأقاليم فقيرة داخل البلد الواحد.

وكذلك ما جاء في م53 ف ج من قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية تبين انه يحق لمجموعة من المحافظات خارج إقليم كردستان لا تتجاوز الثلاث فيما عدا بغداد وكركوك بتشكيل أقاليم فيما بينها، وللحكومة العراقية المؤقتة أن تقترح آليات لتشكيل هذه الأقاليم، على أن تطرح على الجمعية الوطنية المنتخبة للنظر فيها وإقرارها ويجب الحصول بالإضافة إلى موافقة الجمعية الوطنية بتشكيل إقليم جديد على موافقة أهالي المحافظات المعنية بالأمر بواسطة الاستفتاء، يفهم من النص المقدم إن الفيدرالية أو تكوين الأقاليم حسب قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية يتكون من (محافظتين أو ثلاثة) فقط وما عدا بغداد وكركوك، فإذا أرادت     أكثر من ثلاثة محافظات تشكيل إقليم فيدرالي فالنص ف ج م 53 يمنع ذلك، إلا لو عدل هذا النص بموافقة 3/4 أعضاء الجمعية الوطنية وإجماع مجلس الرئاسة، أو تأجيل هذا الأمر حتى تشكيل دستور دائم للنظر فيما يقوله الدستور الجديد.

العوامل المؤثرة في الاتحاد:

هناك عدة أسباب تدعو الدول للدخول في اتحاد فيدرالي:

§       الشعور بالتجانس الثقافي والاجتماعي.

§       اتساع رقعة الدولة الجغرافية والتجاور الجغرافي، كأستراليا والولايات المتحدة الأمريكية.

§       الشعور بوجود خطر مشترك كما فعل الأمريكيون، وكما فعل الهولنديون.

§       تشابه النظم السياسية، فلا يمكن تصور نظام فيدرالي بين نظام ملكي ونظام جمهوري.

§       توافر الموارد المالية الكافية.

مزايا الفيدرالية:

1.  التطور التاريخي ملائم للفيدرالية، فالمستقبل يدفع إلى التجمعات والوحدات الكبرى في إطار من الحرية ومن خلال تحقيق التوازن القوي، وهكذا تبدو الفيدرالية كوسيلة للحد من تجاوزات السيادة وتجنب التنازعات التي تنشأ بين الدول المستقلة.

2.  إن الفيدرالية هي الحل الأمثل لحل المشاكل الاقتصادية والسياسية، فلكي نكون أمام دولة قوية لابد من توفر إقليم واسع وموارد كافية.

3.  الفيدرالية هي صمام الأمان الذي يمنع انفجار القوى الاستقلالية داخل الدولة خاصة من الدول المتعددة الجنسيات، حيث تتعايش قوميات واثنيات ومجموعات ثقافية متعددة وأحيانا متناقضة.

4.      تفهم مشكلات كل إقليم بكل وضوح.

5.      خلق روح الإبداع للعمل في الإقليم الجديد.

6.  حكومة الإقليم هي الأقدر على مواجهة مشاكل الإقليم وتشخيص الخلل بشكل شفاف، ولكن على الرغم من هذه المزايا قد تكون الفيدرالية خطوة نحو الانفصال إذا كان الحكام وأعضاء البرلمان يسعون نحو دولة مستقلة فلذلك لابد من وجود ضمانات تكفل تحقيق هذا الأمر فمثلا يذكر في الدستور انه لا يجوز لأي إقليم فيدرالي الانفصال عن  الدولة الاتحادية المركزية، ويحق للدولة الاتحادية المركزية استخدام كافة الوسائل للحفاظ على وحدة البلاد وعدم استقلال أي إقليم منها وكذلك بان تحدد اختصاصات حكومة وبرلمان الإقليم الفيدرالي على سبيل الحصر بحيث لا يمكن تجاوزها.

7.  الأمور المالية والجيش ورسم السياسة الخارجية وقوى الأمن والشرطة تبقى بيد الحكومة المركزية، ووجود إدارات من الحكومة المركزية تراقب أعمال السلطة التنفيذية المركزية ضمان آخر.

8.  يجب الحرص على جعل الفيدرالية فيدرالية جغرافية وليست فيدرالية طائفية أو قومية، لان الأمر الأخير يهدد وحدة العراق ويخلق مشاكل جسيمة لا يمكن التوصل إلى حل مرضٍ لها.

 

Text Box:  

 

     معوقات التنمية في العراق    

 

سليم فرحان جيثوم

Text Box:  

 

ذاع مفهوم التنمية كمصطلح اقتصادي في السنوات الأخيرة من عقد الأربعينيات حيث كان ينظر لها على أنها مرادفة لنمو الناتج القومي الإجمالي، لكن بعد مرور عقد من الزمن أثبتت تجربة البلدان التي سعت نحو تحقيق التنمية، أن التنمية ليست ظاهرة اقتصادية صرفة حسب بل هي ظاهرة لها أبعاد أخرى مثال ذلك البعد السياسي والبعد الثقافي والبعد الاجتماعي.

 

وعلى أساس ذلك يمكن القول أن التنمية تهدف إلى أحداث تغيرات هيكلية في الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تسود المجتمع وعليه ظهرت مجموعة من المفاهيم للتنمية أبرزها الآتي:

التنمية هي (عبارة عن النمو علاوة على التغير، التغير لا يقتصر على البعد الاقتصادي والكمي حسب، إنما يمتد ليشمل الإبعاد الاجتماعية والثقافية والنوعية أيضا.

ينبغي أن تكون القضية الأساسية على هذا الصعيد هي تحسين الحالة الحياتية للناس)(1)، أما إعلان الحق في التنمية الصادر عن الأمم المتحدة فقد عرف التنمية على أنها (عملية متكاملة ذات إبعاد اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية تهدف إلى تحقيق التحسن المتواصل لرفاهـية كل السـكان وكل الإفراد والتي يمكن عن طريقـها تحقيق حقوق الإنسان والحريات الأساسية)(2).

وبموازاة هذا التحول ألمفهومي شهدت معاير قياس التنمية في بلد ما حالة من التحول والتكامل أيضا حتى بلغت شوا خصها ما يربو على ألمائتي شاخص أهمها، قيمة الدخل القومي الإجمالي، مستوى التعليم، نسبة الاشتغال، الأمل في الحياة، توزيع الدخل، عدد الأطباء، عدد المستشفيات، مستوى الخدمات الصحية، إمكانية الحصول على مياه الشرب الصحية، تطبيق الديمقراطية...الخ، وبذلك فان مدى تحقيق التنمية في بلد ما أو عدمه يمكن معرفته من خلال هذه المعاير، إضافة إلى ما تقدم فان عملية التنمية من الممكن أن تتلكأ في بلد ما بسبب وجود مجموعة من المعوقات، قسمها بعض الباحثين إلى قسمين هما(3) :

�   معوقات خارجية: متمثلة باحتلال الأراضي، والحروب، والأعمال العسكرية، والنزاعات المسلحة الدولية، والحصارات الاقتصادية...الخ.

�   معوقات داخلية: منها الفقر، الفساد الإداري، وغياب الحريات، غياب الديمقراطية، تهميش دور المرأة، انخفاض مستوى التعليم والثقافة، تفشي ظاهرة الأمية، تجاهل حقوق الأقليات وعدم الاعتراف بها، غياب الأمن ...الخ.

لو تأملنا وضع العراق الحالي لوجدنا إن العراق بلد محتل، والبلد المحتل تبقى سيادته منقوصة مهما سعى إلى تحقيق سيادته المطلقة، لان البلد القائم بالاحتلال سيمارس بشكل أو بآخر ضغوطات على القوى السياسية الموجودة في البلد بما يتلاءم وتوجهاته ومصالحه الخاصة، وبالتالي فان مشاريع التنمية وعلى كافة الصُعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية الثقافية مرتبطة إلى حد ما بمدى رغبة المحتل بتحقيق هذه المشاريع، هذا من جانب، من جانب آخر، العراق بلد مثقل بالديون الخارجية وما يحصل عليه من إيرادات في الوقت الحاضر، لا تغطي المشاريع المخطط لها لذلك تغطية هذه المشاريع ماليا معتمدة اعتمادا كلي على الأموال المخصصة من قبل الدول المانحة لإعادة أعمار العراق، وهذه الدول لحد الآن وعلى الرغم من المؤتمرات العديدة التي عقدت في اليابان وبروكسل وغيرها لم تفي بالتزاماتها حيال العراق وبذلك شكل هذا الأمر المعوق الثاني نحو تحقيق التنمية في العراق.

أما المعوق الثالث للتنمية فهو الأمن، والآخر يعد حاجة أساسية هامة في سلم حاجات الفرد والمجتمع، لأنه يمثل الوعاء الذي يحتوي جميع الحاجات الأخرى، ومفردة الأمن لغويا تعني نقيض الخوف وهو الاطمئنان(4)، كما إن الأمن يعبر عن الموقف المترتب على حالة معينة ناتجة عن غياب الخطر(5)، والأمن هنا لا نقصد به عدم تعرض الشخص أو الفرد إلى أضرار جسديا جراء اعتداء معين حسب بل نقصد به إضافة إلى ما تقدم عدم تعرض الفرد إلى أي عمل من الممكن أن يعرض حياته إلى الخطر، مثال ذلك تامين وصول الغذاء والماء والخدمات الأخرى الضرورية لبقاء الإنسان على قيد الحياة.

لو قسمنا ما تعنيه هذه المفردة على وضع العراق الحالي لوجدنا إن الأمن في العراق وبأشكاله كافة يعاني من حالة تذبذب مستمرة هذا التذبذب المستمر في الحالة الأمنية انعكس سلبا على التنمية في العراق.

المعوق الرابع للتنمية في العراق هو الفساد الإداري والمالي، هذه الظاهرة هي ليست في العراق حسب وإنما المجتمعات كافة على اختلاف درجة نموها وتقدمها الحضاري والاجتماعي والاقتصادي، ظاهرة الفساد الإداري والمالي نابعة من ضعف القوانين والتشريعات الرادعة، وغياب الرقابة والمساءلة، الناتجة عن الإرباك وعدم الاستقرار التي تعاني منه المؤسسات السياسية الموجودة في البلد، الأمر الذي يؤدي في النهاية إلى تأجيج الصراعات بين الفئات الاجتماعية المختلفة، ويحد من عملية الحراك السياسي، ويحول دون بلوغ عملية التنمية التي تتوخاها الدولة لأنه يعمل على هدر وتبذير الأموال العامة والطاقات والكفاءات البشرية.

المعوق الخامس للتنمية في العراق حاليا هو انخفاض مستوى التعليم والثقافة لدى المجتمع إذ نجد إن ظاهرة أمية أصبحت سمة متميزة وبارزة داخل المجتمع العراقي، هذه الظاهرة لها مردودات سلبية كبيرة جدا على التنمية، كيف ؟ نحن ذكرنا آنفا إن التنمية هي ليست اقتصادية فقط بل هي تنمية سياسية واجتماعية وثقافية...الخ، وبذلك فان عملية تحقيق الأجزاء الأخرى من التنمية (سياسيا، اجتماعيا، ثقافيا) تحتاج هنا إلى دور الفرد العراق إلى رؤيته إلى رأيه إلى وجوده، إذا كانت المعلومات التي يمتلكها الفرد قليل وهو يعاني من الجهل وضعف في الثقافة العامة، فبالتأكيد لا يعطي رأيه الصحيح حول موضوع ما، وإنما سيصبح أداة بيد جهات أخرى توجهه يمينا أو شمالا دون أن  يعرف ما هو الخطأ والصواب مما يؤدي إلى خلق تنمية غير حقيقة داخل المجتمع، من الممكن أن تزول في أي لحظة، ومن اجل تحقيق تنمية متكاملة في البلد وبكافة جوانبها، ينبغي الاهتمام بالأمور التالية:

1.السعي الجاد من قبل قوى الأمن وقوات متعددة الجنسيات بالسيطرة على الوضع الأمني وإنهاء حالة التذبذب التي يعانيها.

2.العمل على تامين إيصال الاحتياجات الضرورية للفرد من غذاء وخدمات.

3.تطوير الخبرات والكفاءات العراقية من خلال إرسالهم إلى دورات تدريبية وتأهله إلى الدول الأجنبية لغرض التعرف على احدث التطورات العلمية التي وصلت لها تلك الدول والعمل على نقلها للعراق.

4.العمل وبكل إخلاص على تسوية الخلافات الداخلية بالشكل الذي يحقق المصلحة للجميع.

5.تشجيع التعليم في البلد عن طريق المحفزات المادية والمعنوية للطلبة.

6. تشجيع المؤسسات الثقافية على توعية المواطنين توعية صادقة وصحيحة وبالمقابل على الحكومة العراقية تقديم الدعم المادي لهذه المؤسسات بالقيام بمهامها الموكلة إليها.

7.حث وسائل الإعلام على تبني برامج من شانها أن تنمي شخصية الفرد تنمية حضارية متطورة.

8.تشيع القطاعات الخاصة على تبني بعض مشاريع الأعمال في البلاد.

9.الضغط على الدول المانحة وبالوسائل كافة على إبقاءها بالتزامات حيال العراق.

10.   تشديد الرقابة سيما الرقابة المالية والإدارية على أعمال مؤسسات الدولة .

11. تحسين الوضع ألمعاشي للأفراد من خلال رفع أجور العمل، إنشاء صناديق التكافل الاجتماعي، إعطاء منح لبعض المعوزين، ...الخ.

12.   فتح قنوات الاتصال المباشر بين الشعب والحكومة للوقوف على أدق التفاصيل.

13.   ترسيخ قيم المحبة والتسامح والأخوة بين أبناء الشعب من اجل القضاء على التفرقة والخلافات البينية.

                                  الهـوامش

 

1.  محمد الديشهري، التنمية الاقتصادية في الكتاب والسنة، مؤسسة دار الحديث للطباعة والنشر، قم المقدسة، إيران، 1422 هـ ، ص 35.

2.  عبد الحسين شعبان، الإنسان هو الأصل (مدخل إلى القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان)، مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، القاهرة، 2002، ص 136.

3.  المصدر نفسه، ص ص 123-124 .

4.  ابن منظور، لسان العرب، المجلد الثالث عشر، دار صادر للطباعة والنشر، بيروت، 1956، ص20.

5.   بطرس البستاني، قاموس محيط المحيط، بيروت، سنة الطبع بلا، ص 17.

| © جميع الحقوق محفوظة لمركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية1427هـ/ 2006م