(( الولايات المتحدة الأمريكية تسعى إلى عولمة الدولار ))

الدولرة تشكل تهديدا خطيرا على التنمية

 

احمد باهض تقي

  مدير مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية

 

     تقف شعوب البلدان النامية على أعتاب السنة الخامسة  من القرن الواحد والعشرين  وبعد أكثر من خمسين عاما من مسيرة انقض بعد الحرب العالمية الثانية, تكون هذه الوقفة أكثر حيرة واقل اندفاعا والتحديات أكثر خطورة واشد وقعا والبلدان النامية اليوم تواجه في أهم  ما تواجه هو ذلك الاختراق الذي يهدد نسيجها الاجتماعي والاقتصادي والثقافي متمثلا بالعولمة ومرجعياتها المتعددة ، ولعل محاولات الولايات المتحدة الأمريكية في عولمة الدولار(والتي تعني ببساطة إنها احتفاظ الأشخاص والبنوك بجزء من محتفظاتهم النقدية أو اجمعها على شكل دولار ويشمل ذلك النقود الدولارية بالتداول يضاف لها الدولار عابر الحدود) ، تعد من أهم المخاطر التي تواجهها التنمية الاقتصادية في البلدان النامية ، حيث تأتي هذه المحاولات لترافق مع الدعوة في الاندماج في السوق العالمية ، وبالرغم من أن هذه السمة كانت واضحة في العقد الأخير من القرن العشرين في الكثير من الاقتصادات النامية والمتحولة ، ألا أنها بقيت محدودة في عدد من البلدان النامية الأخرى باستثناء تلك التي تبعث سياسات الانفتاح بشكل مبكر ، ولكن توجه البلدان النامية وتهافتها على تطبيق وصفات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي قد أسهم بشكل فاعل على دولرة العديد من الاقتصادات النامية ولو بشكل جزئي ، ظنا منها بان هذا التوجه سوف يعزز مسارات النمو الاقتصادي ، حيث يبدو للوهلة الأولى أن الانطلاق من معالجة مشاكل الاختلالات الاقتصادية والمالية الكلية والمظاهر المتمثلة مجاله عدم الاستقرار الاقتصادي وارتفاع الأسعار وتدهور أسعار الصرف للعملات الوطنية وللبدء بإجراءات التصحيح الهيكلي المرتبطة بها أمر منطقي وممكن ، خصوصا إذا ماتمت الاستعانة بقروض ومساعدات الصندوق والبنك الدوليين، ولكن على صانع القرار أن يستدرك قبل الولوج إلى هذا الطريق بان هذا الأمر له مشروطيته السياسية والاقتصادية وأثاره الوخيمة على مجمل القطاعات الاقتصادية والمجتمعية والتي من شأنها تقويض كل منجزات التنمية على قلتها .

     وبالرغم من منافع الدولره التي يروج لها صندوق النقد الدولي من كونها تعيد الثقة للاقتصاد المحلي بعد فترات من التضخم وظروف اقتصادية كليه غير مستقرة ، حيث سيصبح الأفراد أكثر رغبة في العودة إلى التداخل في الاقتصاد المحلي من خلال السماح لهم وتمكنهم بالحتفاظ بموجودات دولاريه ، وبالتالي فان ذلك كله يعني ضمان تبني سياسات مالية ونقدية ملائمة تسمح بتفادي الأزمات ومن ثم فان الدولره الكلية ( والتي تعني زوال العملة الوطنية كلها من التداول ) سوف تكون البديل الوحيد لاستقرار الأسعار . وبعد ، هل يمكننا أن نتجاهل التأثيرات السلبية الخطيرة التي تواجهها البلدان النامية من جراء تبني الدولره جزئيا أم كليا وننجرف مصدقين بما يروج له صندوق النقد الدولي ؟ أن الإجابة على هذا التساؤل بالموافقة  يبدو  فيه  شيا من السذاجه- حيث الحقيقة التي لا تحجب هي أن التنمية في البلدان النامية سوف تواجه مساوى مؤكدة ومتحققه ومنافع محتمله وغير مؤكدة , تتركز تلك المساوى في أن الدولره هي تعويم لسيادة الدولة على اقتصادها وهى جزءا من الاختراق الذي يتهدد الدوله والمجتمع معا ,  يضاف إلى أنها عملية منظمة لدمج الاقتصادات النامية بالاقتصاد الرأسمالي وخصوصا الاقتصاد الأمريكي  وتهميشها وجعلها أقتصادات طرفية تؤدي دورا محددا ضمن منظومة القرن الحادي والعشرين , يضاف لذلك أن الدولره تعني فقدان الهوية والجانب الاعتباري والسيادي للاقتصاد من خلال مسخ العملات الوطنية , كما أنها تعني أيضا ربط الاقتصادات النامية بأزمات النظام الرأسمالي وما ذلك من انعكاسات خطيرة على الدخل والاستخدام الذي هما من أهم أهداف التنمية باعتبارها تستهدف الارتقاء بهما دائما .

     أن الدعوة إلى الدولره سواء كانت من خلال صندوق النقد الدولي أو غيره من المؤسسات الدولية الأخرى . فأنها تصب باتجاه تحقيق هدف واحد الا وهو الهيمنة الرأسمالية  للشركات متعددة الجنسية التي تمثل مصالح الغرب بالدرجة الأساس لذلك على البلدان النامية أن تعي هذه الحقيقة من أجل الوقوف بوجه هذه المخاطر الجسيمة التي تترتب عليها الدولره ولا سبيل إلى ذلك ألا من خلال تنسيق وتوحيد السياسات الاقتصادية للبلدان النامية والنهوض بمشروع اقتصادي يهدف إلى أيجاد تكتل اقتصادي قادر أن يلج إلى منظومة الاقتصاد العالمي بأقل الخسائر وأقصى الأرباح وبأدنى مشروطية .        

 

 

| © جميع الحقوق محفوظة لمركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية1427هـ/ 2006م