الفصل الرابع
تدمير البيئة
(عندما تساقطت الإشعاعات الذرية لمفاعل تشيرنوبيل، لذي انفجر
في (أوكرانيا)، بعد تسعة أيام على مدينة(سبوكند) بولاية
(واشنطن)على شكل مطر ملوث، تعلمنا درسا بليغا، ان ليس ثمة
حدود جغرافية للتلوث الذري.او كما قال (وليام سلون كوفين)مشيرا
إلى كون ان جميع مخلوقات كوكبنا بالغ الصغر، هم أشبه
بالمسافرين على القارب نفسه عندما يخرق القارب من جانبه الآخر
فإننا نغرق جميعا)([218]).
سوزين كين
عضوة الرابطة الولية للمرأة من
اجل السلام
في السابع من حزيران/ يونيو1981، شنت طائرات حربية صهيونية
غارة مدمرة على مفاعل (تموز) لاللاغراض السلمية قرب (بغداد)،
وقد شجب مجلس الامن الدولي الهجوم بقراره المرقم (487) الذي
استنكف عن وصف الغارة بانها (عمل عدواني)، والزم الطرف المعتدي
بالتعويض، بينما قررت الجمعية العامة للامم المتحدة بقرارها ذي
الرقم (26/27) الصادر في 13 كانون الاول/ديسمبر1981، ان ذلك
عملا عدوانيا ملزمة الكيان الصهيوني بدفع تعويضات فورية مناسبة
للاضرار المادية والوفيات التي سببها([219]).
لقد صنف هذا العمل
ضمن جرائم الحرب بسبب مخالفته لنص المادة (56) من البروتوكول
الاضافي لميثاق (جنيف) لعام1977([220]).
وبصرف النظر عن
طابع المنشآت النووية سواء اكان سلمي ام حربي، فان العالم اجمع
انتبه إلى ضرورة حمايتها ضد أي استهداف إذ ان ذلك الاستهداف لو
حصل ضمن أي عمل حربي سيعمل على تدمير البيئة لحقب زمنية طويلة
جدا للمنطقة المستهدفة، يضاف إلى ذلك حجم هائل من القتل
والدمار الذي ستتعرض له الارواح والممتلكات، وفوق ذلك كله
الضرر البيئي الخطير الذي سيشمل مناطق شاسعة من الكوكب الارضي
وربما المجال المستثمر لسكن البشرية، لذا فلا غرابة في ان نرى
وقوف (الامم المتحدة) في نهاية عام 1990 في صدارة المنبهين
والمحذرين والرافضين لاية ضربة امريكية للمنشآت النووية
العراقية قد توجهها (امريكا) في حربها المقبلة، خصوصا وان شبح
(تشرنوبيل) الذي انطلق في السادس والعشرين من نيسان/
ابريل1986مازال وسيبقى ماثلا على ما يشكله استهداف المفاعلات
النووية من اخطار على عموم البشر اضافة إلى التخريب الذي سيحصل
للبيئة.فالمقدر لتلك الحادثة (انفجار مفاعل تشرنوبيل) إنها
ستستمر بقتل المزيد من الناس بعد أربعين سنة من تاريخ وقوعها
حتى تاريخ افتراضي حدد بالعام2026([221]).
ولما كانت
حقبة ألازمة التي انتهت بضرب (العراق) متزامنة مع فترة انعقاد
(الجمعية العامة للأمم المتحدة)، فان الجمعية المذكورة لعبت
دورا فعالا ونشطا بهذا الاتجاه سبقا لأي حادث كارثوي.
وعلى الرغم
من إن أي هجوم من هذا النوع يحرِّمه القانون الدولي حسب المادة
التي اشرنا إليها آنفا، وان إدانة دولية صدرت بحق الكيان
الصهيوني الذي سجل سابقة سيئة بهذا الخصوص، عندما أقدم على عمل
من النوع الذي تطرقنا إليه، إلا إن العالم كان يرى في الغطرسة
الأمريكية والانفلات اللامسيطر عليه في تصرفاتها الاستعلائية،
احتمالات قائمة للأقدام على جرائم مشابهة، الأمر الذي وجدت
(الجمعية العامة) معه ضرورة إصدار قرار يتضمن تحذيرا لأمريكا
من الإقدام على ضرب وتدمير إي مفاعل نووي، او أية أبنية تحوي
موادا خطرة خلال العمليات التي أناطت (الأمم المتحدة)
بالولايات المتحدة تنفيذها ضد (العراق)، فصدر القرار في الرابع
من كانون الأول/ ديسمبر 1990 بموافقة شبه اجماعية، فقد حصل على
144 صوتا موافقا مقابل صوت معارض واحد هو الصوت الأمريكي الذي
اثبت خروجه على الإجماع الدولي في قضايا تخص سلامة البيئة
والبشرية.
وتحديا لإرادة
المجتمع البشري الذي قال (لا) لضرب المنشآت النووية، كونه
عملاً خطيراً حرّمته المواثيق والمعاهدات الدولية التي تشكل
مرجعيات القانون الدولي، فقد وجد الرئيس الأمريكي الأسبق (جورج
بوش-الاب) في نفسه الجرأة لان يصرح صبيحة اليوم التالي للحرب،
بان (الطائرات الأمريكية هاجمت مواقع إنتاج الأسلحة النووية
والكيماوية العراقية)، ونشر التصريح في اليوم نفسه على الصفحة
الأولى لجريدة (نيويورك تايمز) على الرغم من علمه الأكيد
ودرايته التامة ان هذا الفعل هو (جريمة حرب) يحرّمه القانون
الدولي ويعاقب عليه كونه اعتداءا صارخا على البيئة، وهو مخالفة
خطيرة لقرارات (الأمم المتحدة) بهذا الشأن وهي القرارات التي
تعكز عليها هو إدارته في ضرب (العراق).
ولقد اكد الجنرال
(كولن باول) رئيس هيئة الأركان الأمريكية المشتركة (وزير
الخارجية لاحقاً) ما أعلن عنه رئيسه عندما وقف أمام مؤتمر صحفي
في 23 كانون الثاني/ يناير 1991 ليعلن متفاخرا عن قيام قواته
بتدمير مفاعلين نووين تدميرا تاما، وعلى النهج ذاته سار
الجنرال (نورمان شوارسكوفت) عندما أعلن في الثلاثين من الشهر
ذاته عن تحقق مهاجمة (18) منشأة كيمياوية رئيسة و(10) منشآت
بايولوجية وثلاث منشآت نووية([222]).
لقد انبعثت غازات
كيمياوية خطيرة من احد المستودعات الكيمياوية المستهدفة بالقصف
الامريكي وذلكم هو مستودع (الخميسية) الذي يعلم الامريكان علم
اليقين ان موادا كيمياوية خطيرة نقلت اليه في نهاية شهر كانون
الثاني (حسب الصور الملتقطة من الاقمار الاصطناعية)([223])،
وان الامم المتحدة كانت تقوم بمتابعة مسار وحركة الاعتدة
الكيمياوية العراقية خلال الحرب خشية من استهدافها امريكيا ،
وان تقارير المتابعة تلك كانت وبلا شك توضع بتصرف القوات
الامريكية لتتحاشى استهدافها الا انها وعلى الرغم من ذلك كله
استهدفت تلك المستودعات التي تخزن فيها تلك المواد الخطرة مع
علمها بتحريم القانون الدولي لهذا الفعل وانها كانت على دراية
تامة باضراره البيئية والبشرية العظمى.
فالموقف المتغطرس
الأمريكي، موقف مستخف ومستهين بالإرادة الدولية والشرعية التي
تذرعت بها (الولايات المتحدة)عندما أقدمت على ضرب ومهاجمة
(العراق). وهو خروج على الإجماع الدولي وانتهاك صارخ للقوانين
والاتفاقات الدولية وقرارات الامم المتحدة، إلا إن أحدا لم
ينبس ببنت شفة وهو يسمع التصريحات الأمريكية تطلق بأعلى
المستويات وهي تعترف رسميا وصراحة بارتكابها جرائم حرب، ولأول
مرة يفخر قادة دولة رسميون بأنهم ارتكبوا جرائم حرب يحرِّمها
ويدينها القانون الدولي، لا بل كرر الامريكان وحلفاؤهم (قوات
حلف شمال الاطلسي) ضرب المنشآت الخطرة عندما حاربوا في
(البلقان) حيث ضربوا المصانع الكيمياوية مثل مصنع (بانسيفو)
الذي يرى الجنرال الفرنسي (بيير غالوا)([224])
في ضربه (خرقا متعمدا لقانون الحرب وازدراءا لاتفاقيات
جنيف)([225]).
فما الضير إذن من إقدام (الإدارة الأمريكية) على استخدام اعتدة
اليورانيوم المنضب الذي لم يكن احد ممن يقضي أوقات فراغه
القاتلة بهز أردافه على الكراسي الدوارة للامم المتحدة في
المبنى الفخم للمنظمة الدولية المسؤولة عن الأمن والسلام
العالمي، قد عرف مدى خطورة وكارثية استخدام اعتدة من هذا
النوع؟.
لقد اشرنا في موضع سابق من الفصل الأول إلى إن ثمة إحصائيات
تقدر وجود (50) موقعا تتناثر على صفحة خارطة (الولايات
المتحدة) تحولت جراء تداول اليورانيوم المنضب إلى مصادر تلويث
خطير للبيئة. وبالتأكيد التام فان بيئة المجتمعات الأخرى ليست
أكثر أهمية لدى الإدارة الأمريكية من بيئة المجتمع الأمريكي
ذاته، وهذا أمر لا يتطلب إن يكلف أي باحث نفسه عناء تأكيده
والبرهنة عليه.
ولان قوات (الولايات
المتحدة) التي هاجمت (العراق) بتفويض من (الأمم المتحدة) أطلقت
من طائراتها ودباباتها قذائف اليورانيوم المنضب بما مقداره
(300-350) طنا من هذه المادة الخطيرة حسب التقديرات الأمريكية
(تقدر مؤسسة كالا الكمية المستخدمة بحوالي800 طن)([226]).
بينما شاركت القوات الاﻨﮕﻠﻴﺯية باطلاق (100) قذيفة دبابة
(يخفضها البعض إلى 88 قذيفة). فقد تسبب ذلك في تلويث مساحات
شاسعة في عدة دول. وكان أكثر الناس تضررا وقت إطلاق تلك
الاعتدة، المقاتلون في مسرح الحرب والمدنيون الذين تساقطت على
أطراف ومراكز مدنهم الاعتدة الفتاكة.
ولقد بدأت بعض
المؤشرات على خطورة الوضع تظهر حال توقف القتال، فهناك ما يزيد
على (170) جنديا جرحوا بشظايا قنابل مصنوعة من اليورانيوم
المنضب، وان (35) جنديا آخرين قتلوا متأثرين بإصابات من هذا
النوع. الملفت للانتباه في تلك الإصابات هو إن الأطباء يتحاشون
بل يهربون من واجبهم الإنساني الذي يلزمهم بمعالجة هؤلاء كما
مربنا.
وكانت سرية الإنقاذ
144التابعة للحرس الوطني (معسكرها الدائمي في هامنتون بولاية
نيوجرسي) مسؤولة عن جمع وإخلاء المعدات المعطوبة وتحضيرها
للنقل إلى المعسكرات الدائمية داخل أراضي (الولايات المتحدة)([227]).
ولقد عمل جنود السرية عدة أسابيع من اجل إنقاذ (29)عجلة
أمريكية مصابة إلى نقطة إلارجاع([228])التي
تديرها السرية المذكورة في مدينة الملك (خالد) العسكرية في
(السعودية).
لم يكن جنود تلك
السرية يعرفون بموضوع التلوث بغبار وأشعة اليورانيوم المنضب([229])أسوة
بعموم جنود الحملة. وكان صدور أمر لهؤلاء الجنود بطمر ست من
عجلات القتال نوع (برادلي) في تلك المدينة مفاجأة لهؤلاء
الجنود كونه لا يتفق مع السياقات التي تعلموها (يشترط مركز
سلامة البيئة العسكري الأمريكي طمر المواد والتجهيزات الملوثة
في موقع مجاز، وطبعا لم يكن الجنود كما أوضحنا يعرفون سبب
الطمر لأنهم لا يعرفون بموضوع التلوث)، زاد من دهشة واستغراب
جنود السرية المذكورة إن قوائم الإخلاء والشحن لتسع من هذا
النوع من العجلات و(14) دبابة نوع (أبرامز) معنونة إلى جهة
ليست معنية بالتصليح، وإنما هي جهة اختصاص بالتطهير وإزالة
التلوث هي (منشأة الدفاع المتحدة DFC)([230])في
مدينة (سينلنغ) في ولاية (ساوث كارولاينا)([231]).
وما فاقم دهشة جنود
السرية وبلوغها حد الانبهار إن أمرا صدر إليهم بلف المدرعات
المقرر إخلائها إلى منشأة الدفاع المتحدة بقماش سميك، ونفذ
اللف فريق لم يكن احد من عناصر السرية يعرف واجبه (تُلَفُّ
التجهيزات الملوثة لمنع انتشار التلوث اثناء عمليات النقل إلى
اماكن التطهير)، وعلموا فيما بعد ان الفريق يعرف بالاسم
التعريفي (فريق تقويم اليورانيوم) والذي يبدو انه أرسل إلى
ميدان المعركة لواجب محدد يخص دراسة ما يكتنف الاستخدام الأول
لهذا العتاد الخطير. قدَّم جنود السرية المساعدة لهؤلاء
الاشخاص، وكان العمل بمجمله غير مفهوم من قبل أفراد السرية.
وسجل المتابعون لحركة
تلك المدرعات انها ما ان وصلت إلى المنشأة المعنية حتى اخضعت
لعملية معقدة بهدف تطهيرها وازالة التلوث عنها. لقد خصص لواجب
التطهير وازالة التلوث مبلغ اربعة ملايين دولار(المعروف ان 219
عجلة امريكية مختلفة لوثت بدقائق اليورانيوم المنضب واشعاعاته،
وان 21مدرعة دمرت بقذائف اليورانيوم المنضب خطأ خلال القتال
مما ادى إلى مقتل طواقمها داخلها).
ولما كان طمر
المدرعات يختلف عن طمر النفايات بسبب حجمها الكبير، وان كلفة
الطمر تحسب على اساس الحجم مما يعني ارتفاع كبير في تكاليف طمر
المدرعات في المواقع المجازة لطمر النفايات ذات الاشعاع الواطئ
شريطة وضع الشظايا والعتاد المنوي طمره في علب صغيرة سعة (30)
غالون ثم تعبأ داخل حاويات حمولة (55) طن وتدفن بعد استحصال
اذن قانوني بذلك.وعوضا عن كل هذا المسلسل الطويل والمعقد من
الإجراءات وما يتطلب القيام به من تكاليف مالية كبيرة ، فقد
استسهل المسؤولون الأمريكيون طمر الأجزاء الأكثر والأشد تلوثا
في تلك المدينة السعودية ، بينما جرى استصحاب المدرعات (الأقل
إشعاعا بعد نزع الأجزاء الأكثر خطورة) وشحنها إلى (الولايات
المتحدة) لغرض إجراء الدراسات والتصليح.
إن إقدام القوات
الأمريكية على تلويث مساحات شاسعة من أراضي دول المنطقة يعني
لزوم قيام (الإدارة الأمريكية) بمعالجة هذا التلوث وتنظيف
وتطهير الأراضي الموبوءة باليورانيوم المنضب، خصوصا وان
للأمريكان من الخبرة العميقة في هذا المجال ما لايملك غيرهم
مثله، فمثلا عندما تم تنظيف البقعة الصغيرة الملوثة حول معمل
(ستارميت) في مدينة (كونكورد) بولاية (ماساشوتس) والتي كان ذلك
المعمل قد لوثها بسبب قيامه بإنتاج اعتدة اليورانيوم المنضب،
فقد تطلب الأمر إزالة (78) ألف متر مكعب من التربة وذلك في
تشرين الثاني/ نوفمبر 1997، وكلفت تلك العملية مبلغ (5، 6)
مليون دولار.
أما كلفة إزالة
التلوث من ميدان رمي وتجارب (جيفر سون) بولاية (أنديانا)
لمساحة (500) ايكر لوثت بانفجارات (70) طنا من اعتدة
اليورانيوم المنضب، فقد بلغت (4-5) مليار دولار، مع وقت طويل
جدا استغرقته عملية التطهير.
وبحساب بسيط نجد فيه
إن تنظيف (500) ايكر لوثت بسبعين طنا من اليورانيوم المنضب وهي
منطقة محصورة ومختارة بعناية شديدة (فهي ميدان رمي تخصصي لهذا
النوع من الاعتدة) كلفت كل تلك المبالغ الباهظة مع زمن طويل
صرف لإنجاز العمل المظني، فكيف لو أريد تنظيف المساحات
المترامية الأطراف من الاراضي الصحراوية التي صارت بدورها
وسيلة تلويث هائلة بسبب ماتدره من رمال مشبعة بذرات أوكسيد
اليورانيوم إلى الاراضي الابعد بواسطة الرياح ؟. فلقد حسب
الاختصاصيون كلفة تنظيف وازالة التلوث من البيئة في (العراق)
فوجد انها تبلغ 300-372مليار دولار، خصوصا وان تنظيف ساحات
القتال والمناطق الملوثة الاخرى خارجها يتصف بصعوبة بسبب تأكسد
اليورانيوم المستعمل في الاعتدة وبعثرته في الرمال والهواء
والمياه اضافة إلى ما يسببه وجود اعتدة مدفونة (غير منفلقة).
اذ ان المعروف هو قيام وحدات هندسية عسكرية بتفجير القنابل غير
المنفلقة(الاعتيادية) موقعيا، وهو امر يتعذر اتباعه مع قنابل
اليورانيوم المنضب بسبب نشرها للتلوث عقب تفجيرها موقعيا
وبعيدا عن المنطقة. مما يتطلب التعامل معها بوصفها نفايات
نووية وهذا خارج الامكانات الفنية لتلك الجهات هنا.
اما اذا اضفنا إلى
تلك المساحات، مساحات اضافية حملت اليها الصواريخ البعيدة
المدى كميات اخرى من اليورانيوم المنضب وخاصة يومي
17/1/1991و3/9/1996داخل المدن والتجمعات السكانية([232])
زائدا ضرب القوافل المخصصة لاغراض الاغاثة على طريق (عمان-
بغداد) وكذلك قصف مدن (السلمان والنخيب) وان طائرات A10 هاجمت
قواعد الصواريخ المتحركة ومواقع الرادارات والصواريخ أرض- جو
والعجلات المدرعة حيثما اكتشفتها ضمن مدى عملها خارج ساحة
المعركة، وساهمت طائراتA7-B8 التابعة للبحرية بواجبات مشابهة([233]).
وان (شط العرب) لم يسلم هو الاخر من التعرض لليورانيوم المنضب
حيث تم التأكد من وجود تلوث اشعاعي باليورانيوم المنضب الذي
اصاب الغوارق البحرية الغاطسة والعائمة فيه وكذلك في موانئ (ام
قصر) و(المعقل) و(خور الزبير) والأرصفة العشرة([234])،
فسيتوضح ان نتيجة الحساب تظهر ان حجم التلوث قد تجاوز خط
الكارثة، أليس هذا مبررا كافيا للتكتم الشديد الذي تفرضه
الإدارة الأمريكية على هذا الاستخدام الأخرق لليورانيوم المنضب
وما أعقبه من تضليل وكذب وافتراءات وتنصل من مسؤولية هذا
الاستخدام الاجرامي؟
وبقصد الإطلاع على
مدى تأثير هذه الاعتدة على المناطق خارج مسرح العمليات
وتلويثها الواسع الانتشار لتلك المناطق نستحضر فقرة من تقرير
(سكوت بيترسون) الموسوم (الاستخدامات العسكرية لليورانيوم
المنضب وتأثيراتها على تردي الوضع الصحي والبيئي في العراق)
والمنشور في صحيفة (كريستيان ساينز مونيتر) بعدديها
ليومي29و30نيسان/ ابريل 1999ورد فيها: (لاحظ البدو المتواجدون
قرب ساحات المعارك في الكويت التي استخدمتها القوات الأمريكية
لأغراض التدريب، ان مئات الإبل والأغنام والطيور ماتت في
الصحراء. وبينت نتائج الفحوص التي قام بها احد الخبراء
البيطريين الأمريكان المتخصصين بالأمراض المعدية، ان موت تلك
الحيوانات لم يكن بسبب رصاص البنادق أو أمراض الحيوانات
المعروفة حتى الان، كانت بعض الجثث مغطاة بحشرات ماتت بدورها)([235]).
إن من المسلم به تأثر
الحيوانات سواء عن طريق الاستنشاق لغبار اليورانيوم المنضب أو
شرب المياه الملوثة والتي تحتوي على دقائقه، أسوة بالإنسان وقد
تبتلعه عندما تنظف نفسها. ولم تسلم النباتات من هذه الكارثة
فهي تمتص ما يستقر عليها أو يتراكم في جذورها([236])،
خصوصا وان تراكم جسيمات اليورانيوم المنضب على الجذور يجعلها
قابلة للامتصاص والتغلغل إلى بقية أجزاء النبتة وخاصة الأوراق
والثمار.
لقد ثبت (وجود
مستويات مرتفعة من سلسلة اليورانيوم 238 في الأنسجة النباتية
والحيوانية المأخوذة من المنطقة الجنوبية([237])
كما اكدت الابحاث في هذا المجال حيث إن النتيجة النهائية لتلوث
الهواء والماء هو تلوث التربة ما لم تجر إزالته كما يقول (موفق
يحيى عثمان) مما يؤدي إلى تشعيع العناصر المغذية للنباتات
لتتراكم(من خلال امتصاص هذه العناصر عبر جذور النباتات
المزروعة في الأجزاء الخضرية أو الثمار وهذا يعني تلوث من
يقتات عليها سواء كان إنسانا أو حيوانا)([238]).
لهذا السبب فقد عمدت القوات الأمريكية إلى جريمة إضافية عندما
أطعمت الأسرى العراقيين نباتات من المنطقة التي دارت فيها
المعارك وتعرضت إلى القصف باعتدة اليورانيوم المنضب كما مر بنا
في الفصل السابق.
لقد زادت شهية
التدمير لدى القادة العسكريين الأمريكان الذين يعملون بوحي من
عدوانية وسادية قادتهم في النسق الأعلى (الإدارة الأمريكية)
مما جعلهم يواصلون القصف لأهداف مختلفة داخل (العراق)عقب إنجاز
القوات العراقية انسحابها من (الكويت) مما يعري حقيقة ونوازع
العدوان لدى الإدارة الأمريكية التي لاتشكل قرارات (الأمم
المتحدة) بالنسبة لها غير ستار وتبرير فارتكبت بموجبه جرائم
حرب فظيعة، ومن صور القصف الذي استمر، ماجرى لحقلي (الرميلة)
وجبل (سنام) و(صفوان)، لابل استمر إطلاق الصواريخ والقنابل من
الطائرات الأمريكية ومن بينها كميات من اعتدة اليورانيوم
المنضب حتى بعد وضع قرار إطلاق النار موضع التنفيذ يوم 28
شباط/ فبراير1991([239])
. وامتد القصف الأمريكي بهذه الأسلحة طيلة الأيام
1و2و3آذار/مارس1991مما تسبب في إحداث تأثيرات خطيرة وكبيرة على
الواقع الصحي والبيئي في (العراق)([240]).
وبسبب تركز القصف العدواني باعتدة اليورانيوم المنضب للمحافظات
الجنوبية من (العراق) وتحديدا محافظات (البصرة وذي قار
والمثنى)، فقد كانت بيئة تلك المحافظات الأكثر تضررا من عموم
البيئة العراقية.فبعد ان توصل العلماء إلى أول دليل على
استخدام اليورانيوم المنضب في قصف أهداف داخل (العراق) وتحديدا
في منطقة تلك المحافظات عام1993عندما وجدوا ان قيمة الإشعاع في
دبابة مقصوفة باطلاقة اليورانيوم المنضب بلغ (12) ضعف الحد
الطبيعي أو ما يعادل 84 جزء/ مليون من الرونغن ساعة مما أقام
الدليل الأول على هذا الاستخدام المحرم في أثناء تلك العمليات.
ولقد توصل فريق بحثي
آخر عام 1996 إلى إثبات وجود تلوث إشعاعي ناجم عن اليورانيوم
المنضب في التربة والهواء في مناطق متفرقة في الجنوب كما سجل
وجود آثار هذا التلوث في المياه السطحية والجوفية والترسبات
العائدة لتلك المناطق.وعند قياس نسبة الإشعاع في تربة محافظة
(المثنى) تبين إنها كانت تساوي (15.55ppm) وفي تربة محافظة (ذي
قار) بلغت (29.42ppm) مع ان التركيز الطبيعي لا يتجاوز
(6.73ppm) 0في حين اثبت الدكتور (بهاء الدين حسين معروف) خلال
بحثه المقدم إلى الندوة العلمية التي عقدتها (اللجنة المركزية
لآثار التلوث بالقصف العدواني) ان النشاط الإشعاعي لنماذج
منتخبة من التربة (محافظة البصرة عينة لهذا التلوث) قد اظهر
تشخيص (وجود تراكيز عالية جدا تجاوزت في بعض النماذج 3000بكريل
للكيلوغرام، ويعد هذا المقدار من التلوث تلوثاً إشعاعياً
عالياً جداً وذلك بسبب خطورته هو ونواتج انحلاله على الصحة
وخصوصا عن طريق الاستنشاق، وذلك بسبب استخدام القذائف الحاوية
على اليورانيوم المنضب التي تطلق تلوثاً بيئياً واسع النطاق)([241]).
وبهدف توضيح نقطة
مهمة تجعل القارئ الكريم أمام الصورة الحقيقية للدمار البيئي
في محافظة البصرة ، نقول نقلا عن الباحث نفسه في بحث آخر ان
(السبب في زيادة معدل التعرض في محافظة نينوى وجود تركيز عال
من السيزيوم-137 في نماذج تربتها يتجاوز 70 بكريل/ كغم بسبب
حادثة تشيرنوبيل)([242]).
فكيف إذا كان التركيز (3000) بكريل/كغم في محافظة (البصرة)؟.
وبطريقة مختلفة قام
خبير اﻨﮕﻠﻴﺯي هو الدكتور (كريس باسبي) بقياس عينات الهواء،
وخرج باستنتاج يفند الادعاءات الأمريكية التي تقول إن الغبار
الناشط إشعاعيا يتبدد بسرعة وينخفض نشاطه المشع إلى مستويات
آمنة يمكن إهمالها، فقد اكتشف ان مستويات الجسيمات المعالجة
بالطاقة والموجودة في الهواء ضمن المناطق الخاضعة للقياس أزيد
بعشر مرات عنها في مدينة (البصرة) وعشرين مرة في (بغداد)([243]).
ما يزيد من خطورة
الأمر ويفاقمها، هو إن الضرر الناجم عن استخدام اليورانيوم
المنضب يستمر لفترات طويلة جدا من الزمن بسبب قدرة ذرات دقائق
الغبار المتطاير عقب الانفجار على المكوث في الأرض، مما يعني
لزوم تدخل الإنسان لإزالته، فالجزيئات المكونة لهذا الغبار ذات
طبيعة بلورية غير قابلة للذوبان في الطبيعة وتستطيع التداخل
والاختلاط مع حبات الرمل والتراب والبقاء على الحالة نفسها أو
التطاير مع ذرات الرمال التي تنقلها الرياح حيث تشاء، خصوصا في
حالة العواصف الترابية وما يسمى في بعض مناطق (العراق) وبقية
أقطار الخليج (الطوز) وفي (مصر) يسمى (الخماسين)، وقد اشرنا
باختصار إلى ذلك في الفصل الثالث عند ذكرنا للغيمة
النووية.ينبغي التذكير هنا إن بعض العواصف الترابية تحمل ذرات
الرمل الملوثة بعيدا، حيث لها القدرة على نقل آلاف الأطنان من
الأتربة لآلاف الكيلومترات (سجل ولأكثر من مرة انتقال أتربة
وغبار صحارى أفريقيا إلى ايطاليا وسوريا).
بقي أن نؤكد على ان
انتقال الجزيئات البلورية لاكاسيد اليورانيوم مع حبات الرمال
بواسطة الرياح لايعني إطلاقا تخلص المنطقة منها ونظافتها من
التلوث، فمن بين طرق انتشارها المياه مما ينشر التلوث أكثر
مساحة تصلها هذه الجزيئات.ففي البادية الجنوبية من (العراق)
تتجمع مياه الأمطار في الوديان وتنطلق على شكل سيول في شتى
الاتجاهات حيث بلغ مجموع مياه الأمطار التي تسقط عليها حوالي
(50) مليون متر مكعب([244])مما
يشكل عاملا آخرا لانتقال التلوث على مسار السيول الجارفة بينما
تشكل المياه الجوفية الوسيلة الوحيدة للحصول على مياه الشرب
والاستعمالات الأخرى في عموم المنطقة حيث توجد حوالي أربعة
آلاف بئر عاملة لهذا الغرض([245]).
إن عملية التنظيف
وإزالة التلوث ليست بالسهولة التي يمكن أن ينصرف إليها
التفكير، لذا فهي مكلفة جدا وتزداد كلفتها ومشاقها كلما زادت
سعة المنطقة واحتوت على تعقيدات إضافية، وعموما فلا بد من رفع
الشظايا ونثار الأسلحة (مع وجود معضلة الاعتدة التي لم تنفلق
كما أسلفنا) ثم تقشط الطبقة السطحية بعد التأكد من عدم تغلغل
بعض المقذوفات والشظايا في عمق التربة، ينبغي جمع الشظايا
والنثار الملوث ودفنها في مواقع محددة ومخصصة لهذا الغرض على
أن يجري تأشيرها لضمان عدم التصرف بها لاحقا.
ولما كان التلوث
بالسموم والإشعاع لا يعرف حدودا وله القدرة على العمل المؤذي
في الأوساط البيئية كافة، فان تلوث مياه الخليج العربي وهو بحر
شبه مغلق أصبح أمرا مؤكدا سواء بتسرب كميات من الغبار والاعتدة
والشظايا التي ألقت بها الطائرات أو رمتها السفن بدءا من (شط
العرب)، أو جراء إلقاء كميات ضخمة من الأنقاض الملوثة
والنفايات (مخلفات حريق معسكر الدوحة في 11تموز/ يوليو1991حيث
يقع المعسكر على شاطئ الخليج مباشرة) وغيره، ولا يسعنا هنا إلا
إن نذكر بان تسرب كمية من النفط الخام على شكل بقعة خلال 1983
استدعى اجتماعا طارئا للمنظمة الإقليمية للبيئة البحرية وأعلنت
حالة الطوارئ في كل دول المنطقة استعدادا لمواجهة خطر تلك
البقعة النفطية التي لا تتعذر السيطرة عليها في وقت جرى فيه
التعتيم الشديد على اخطر أنواع التلوث التي تعرض لها الخليج
والذي ظل صامتا طيلة عقد من الزمان ثم رفض الصمت فاضطر إلى أن
يلفظ آلاف الأطنان من ثروته السمكية والكائنات البحرية التي
تعيش في قعره والتي نفقت جراء ذلك التلوث نهاية العام 2001.
وعلى الرغم من صحوة
كادت أن تحصل في الضمير العالمي والمحلي عقب تلك الثورة التي
نفذها الخليج الهادر، إلا إن ضرورات الأمن التي تهتم بها
الإدارة الأمريكية أعادت الموضوع إلى الملفات السرية وانزل
ستار كثيف من الكتمان لحجبها. فحتى لو تمت عملية تنظيف وإزالة
التلوث لجميع الأراضي والمدن والمنشآت الملوثة، وذاك أمر يناظر
المستحيل في امكان حصوله، فهل سيتم تنظيف مياه وشواطئ وأعماق
الخليج؟.
وتواصل الإدارة
الأمريكية التضليل والخداع والكذب للتنصل من كل مسؤولية تترتب
على هذا التلوث والضرر الخطير الذي لحق بالبيئة في المنطقة،
أملا في التنصل من أية مسؤولية قد تلحقها في هذا الشأن، ويقدم
(مركز سلامة البيئة العسكري) الأمريكي مشورة مضللة إلى (مجلس
النواب) تنص على انه (لا يوجد قانون دولي أو معاهدة أو نص
كمرﮔﻰ يلزم الولايات المتحدة بتنظيف ساحات معارك حرب الخليج)([246]).
وبذا أثبتت السياسة الأمريكية إنها سياسة لا مكان للأخلاق
والشرف في قاموسها، وإنها غير معنية بالمشاركة الفاعلة
والمسؤولية الإنسانية في الحفاظ على المركب الذي نبحر جميعا
على متنه، وان اهتمامها بالقانون الدولي والاتفاقيات المنظمة
لشؤون الحرب محض كذب وافتراء، فهي لم تستحضر بنود ذلك القانون
وتلك الاتفاقات عندما خططت لاستخدام أسلحة يحرمها القانون
الدولي الذي تتذرع ببنوده في هذه المشورة السخيفة.
أما (الاﻨﮕﻠﻴﺯ) فقد
اضطروا إلى الاعتراف بجنوحهم مع الأمريكان لهذا الاستخدام
المخطوء الذي شعروا انه (مشكلة كبرى) ممثلة بما سببت مشاركتهم
الأمريكان في استخدام اليورانيوم المنضب في الحرب. ففي وقت
سابق لذلك الاعتراف، كانت (وكالة الطاقة الذرية) الاﻨﮕﻠﻴﺯية قد
اعترفت في تقرير سريع لها إن مالا يقل عن مليون عراقي في
منطقة(البصرة) أصيبوا جراء الدمار البيئي الذي سببه استخدام
(40)طنا([247])
من اليورانيوم المنضب. الا إن تلك الوكالة لم تجرؤ على رفع
مستوى تقديراتها لعدد المصابين بعد أن صححت (الإدارة
الأمريكية) الرقم الخاص بكمية اليورانيوم المنضب المستعمل من
(40) طنا إلى (300) طنا.
وعندما وجه النائب
الاﻨﮕﻠﻴﺯي (ديفيد ساتيل) رسالة إلى وزير دفاع بلاده السابق
(ديفيد ويفكند) مستفسرا عن حقائق استخدام قواته لقذائف
اليورانيوم المنضب ضد (العراق)، اعترف الوزير برسالته التي
تحمل تاريخ 6 كانون الثاني /يناير1994 بان القوات البريطانية
استخدمت اليورانيوم المنضب لتحسين قدراتها في مواجهة الدروع
العراقية([248])
وان القوات الأمريكية استخدمت هذا العتاد بكميات تفوق كثيرا ما
استخدمته القوات البريطانية. وتضمنت الرسالة اعترافا صريحا بان
اصطدام القذائف التي من هذا النوع ينتج عنه مواد سامة وإشعاعات
تشكل خطرا على الصحة العامة([249]).
وبالنبرة ذاتها أجاب
وزير الخارجية الاﻨﮕﻠﻴﺯي السابق (روبرت كوك) عام1998على رسالة
(مؤسسة الإغاثة الإنسانية) التي تتخذ من (براد فورد) مقرا لها
بقوله(إن القوات الاﻨﮕﻠﻴﺯية أطلقت 100 قذيفة يورانيوم منضب على
العراق، ولكن القوات الأمريكية أطلقت أكثر من ذلك بكثير)([250]).
وتشاع بين اونة واخرى
معرفة بعض التفاصيل والاعترافات للجمهور عن طريق الصحافة
ووسائل الاعلام الاخرى القادرة على الوصول إلى المعلومات (ولو
كانت مخففة) ربما لأغراض قطع الطريق على الباحثين عن الحقائق
عن طريق إعطائهم جرعات بسيطة ومسيطر عليها من المعلومات،
تجعلهم ينشغلون بها وقد تتسبب في عدم اندفاعهم نحو معلومات
اعمق، اذ ينقل (عبد الكاظم العبودي) معلومات ذات قيمة كانت قد
نشرتها جريدة (اﻠﮕﺍرديان) تضمنت اعترافاً حصلت عليه الجريدة من
مصادر مطلعة لم تحدد هويتها، تفيد انه (لم تجر معالجة مخلفات
اليورانيوم المنضب الناتجة عن القذائف التي استخدمتها الولايات
المتحدة وبريطانيا في حربهما ضد العراق والتي تصل إلى أربعة
آلاف قذيفة على الرغم من المخاطر الواسعة لذلك على البيئة
والمياه والتي تؤدي إلى الإصابة بأمراض خطيرة)([251]).
وعلى الرغم من طبيعة الإعلام الأمريكي الذي فضح (دوﮔﻼس كيلنر)
في كتابه (الحرب التلفزيونية) خضوعه لإرادة (الإدارة
الأمريكية) ووصفه بكتابه ذاك بأنه إعلام مهيمن، فان تقارير
صحفية منصفة فرضت نفسها على هذا الإعلام لتحطم المزاعم
والادعاءات الرسمية الظالمة. ففي جريدة (نيويورك تايمز)
الصادرة في 21 كانون الثاني1993نشرت ظنون الكثيرين من خبراء
الصحة من إن (تزايد حالات الإصابة بالسرطان وانتفاخ البطن
الغامض بين الأطفال يرجع في احد جوانبه على الأقل إلى القذائف
المشعة، وان موظفي الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة شاهدوا
أطفالا يلهون بقذائف فارغة وأسلحة مهجورة في الدبابات المدمرة،
وفي البصرة شاهد أجنبي طفلا يستخدم قذائف اليورانيوم المستنفذ([252])
كدمى يدوية)([253]).
ولاشك فان التقرير يقصد بالطبيب الأجنبي (الدكتور سينوارث
هورست غونتر) الألماني الذي اشرنا إلى نشاطه الإنساني في الفصل
الاول.
المسؤولية إذن جد
خطيرة، والاتهام يوجه إلى (الإدارة الأمريكية) التي عليها أن
تتحمل إضافة إلى ذلك، مسؤولية إزالة التلوث الذي تتنصل منه
وترفضه مع وجود نصوص في تقارير الجيش الأمريكي (قبل الاستخدام
الفعلي في جنوب العراق) تعترف صراحة (إن المخاطر الصحية
والبيئية تتطلب بعض الأشكال من تنظيف تلوث ساحات المعركة في
الخليج بعد حصول النزاع)([254]).
ولكن استمرار التنصل من المسؤولية ضمن محاولات (الإدارة
الأمريكية) جعل مسؤولي (البنتاﮔﻭن) يطلقون على دعاوى (العراق)
حول الأضرار الناجمة عن استخدام القوات الأمريكية لليورانيوم
المنضب بأنها (دعاية كاذبة)([255]).
فهؤلاء المسؤولون من أكثر الناس دراية وخبرة بضرر هذا العتاد
على البيئة والسكان ليس لان كوارث حقيقية حلت بالمواطنين في
المدن الأمريكية ذاتها بسبب انتشار مواقع تصنيعه واختباره بشكل
لااخلاقي وغير مسؤول فحسب، ولكن لان خبرتهم الطويلة الناجمة عن
التعامل التفصيلي مع هذا العتاد الخطير تجعلهم هكذا. فمثلا
نستحضر شهادة العقيد (برك داكسوت) خبير الأسلحة الكيمياوية
الذي يعترف فيها (إن أربعين سنة من البحث الطبي على اليورانيوم
المنضب أكسبتنا الخبرة اللازمة في تأثير اليورانيوم على
الصحة). بينما يقول المقدم (بارت هاورد) إن (الأسلحة المعاملة
باليورانيوم المنضب والتي استخدمت للمرة الأولى كانت فعالة
ومميتة جدا وقد أعدت للاستخدام ضد الدبابات بشكل صواريخ وقنابل
أو ألغام)([256]).
ولان صعود حقائق التدمير البيئي الذي مارسته (أمريكا) إلى
السطح سيدمغ الإدارة الأمريكية، لذا فانه ليست دعاوى (العراق)
دعاية كاذبة من وجهة نظر الادارة الامركية فحسب، وإنما كل صوت
شريف يلهج بالحقيقة سيكون كذلك.الم تبذل تلك الإدارة جهودا
حثيثة من اجل منع أو عرقلة زيارة فريق (منظمة الصحة العالمية)
إلى (العراق) على الرغم من إن (فْريد ايكهارد) الناطق الرسمي
باسم الأمم المتحدة كان قد أعلن إن (منظمة الصحة العالمية)
سترسل وفدا(لدراسة الآثار الصحية لليورانيوم المنضب الذي
استخدم في اعتدة الحرب قبل عقد)([257])،
ولا احد يشك في إن الهدف من منع سفر الوفد إلى (العراق) يتمثل
في عدم السماح لتلك الحقائق بالصعود إلى السطح خصوصا وان عددا
من المنظمات الأخرى أعربت عن رغبتها في زيارة (العراق) بهدف
دراسة تأثير استخدام اعتدة اليورانيوم المنضب على الإنسان
والبيئة، بينما ظهرت إلى الوجود منظمات غير حكومية أسست خصيصا
للمنافحة ضد هذا النوع من الابادة البشرية، ومنها منظمة (كادو)
التي اشرنا إليها سابقا والتي وضعت في مقدمة اهتماماتها الحصول
على معلومات من وزارة الدفاع البريطانية حول استخدام
اليورانيوم المنضب ضد (العراق) مع بذل الجهود للحصول على
معلومات عن الأضرار البيئية التي عمت (العراق) إضافة إلى
الكارثة التي حلت في (اسكتلندا) جراء اجراء تجارب على بعض
اعتدة اليورانيوم المنضب هناك والمتجسدة بإصابة العديد من
الأطفال بأمراض سرطانية مختلفة.
لقد كانت أسباب
التدني الأخلاقي في هذا الاستخدام المدمر للبيئة وما أعقبه من
تنصل من المسؤولية هما بعض أو كل الدوافع التالية:
1-النزعة العدوانية التي تميل إلى التشفي والانتقام من خلال
ديمومة المعاناة والوضع
الكارثوي في المنطقة وهو ما يتلاءم مع الطبيعة الأمريكية والعقل
الأمريكي الـذي (توجهه ثقافة يعد العنف احد أنماطها المهمة)
كما بينا ذلك في الفصل الأول وما عبر عنه (ريتشارد أي فالك)
بان النزاعات العسكرية (تحاول جعل ظرف الحرب عصيـب بصورة اكبر
بكثير، وذلك بزيادة زخم التدمير الحاصل من استخدام أسلحة
وعقائد عسكرية من شأنها أن تنهي الجانب المقابل، وهـذا يعني إن
حجم التدمير سيكون كبيرا وهائلا ومتناميا خلال فترة قصيرة من
الزمن)([258]).
وان سوابق الإدارة الأمريكية المتعاقبة دليل على ذلك ، فقد عد
(تدمير السدود والخزانات الاروائية من بين الوسائل الأكثر
نجاحا في العمليات الجوية خلال الحرب الكورية)([259]).
وكررت الفعل ذاته في (فيتنام) التي زادت على هذا الأذى بان
سممت أجزاءها بالمركبات الكيمياوية.
2-التهرب مما قد يترتب على نتائج ذلك الفعل التدميري للبيئة من
دفع تعويضات ماليه
ضخمة إضافة إلى المبالغ الباهظة المترتبة على تنفيذ عمليات تنظيف
المسرح من التلف والتلوث. ان من شأن إنكار المسؤولية المترتبة
على تلك الأفعال، ضمان امن وسلامة خطط المستقبل الخاصة بالتوسع
في استخدام هذا العتاد وغيره مما تتفتق عنه العقليات العلمية
المسخرة لأغراض العدوان مع ما يترتب على ذلك مما يأتي:
أ- رواج تجارة اعتدة اليورانيوم المنضب وتصديره إلى عدد كبير من
الدول الدائرة في الفلك الأمريكي من دون حصول أية إثارة
لمخاوفها أو مخاوف أعدائها ممن يتوقع استخدام ذلك العتاد ضدهم
مستقبلا.
ب- مضاعفة قوة وفاعلية ومدى السلاح الأمريكي([260])،
مما يكسبه قوة تدميرية أعلى وابعد من أسلحة الخصم ، وان هذه هي
توجيهات (الإدارة الأمريكية) التي اشرنا إليها آنفا، ويعمل في
الوقت ذاته من خلال استثمار مايقدمه الاعلام المسخر من خدمات
على ترويج السلاح الأمريكي ورفع نسبة مبيعاته في الأسواق
العالمية من خلال إظهاره بأنه الأكثر تفوقا.
لقد كانت المخاوف
التي عششت في افكار الخيرين من المتبصرين في العالم والتي
سببها الافراط السادي في استخدام اعتدة اليورانيوم المنضب،
ولاتزال باقية حتى بعد نجاح الامريكان باحتلال (العراق)، ولما
كان اكثرهم شجاعة يجد ان السكوت غير مقبول وان الواجب الإنساني
يحتم التنبيه تجاه الثقب الذي أحدثته الإدارة الأمريكية
بالمركب الذي نسافر جميعاعلى متنه، فقد وجد هذا الفريق فرصة
ملائمة في غزو (العراق) لينبه إلى ما تجتاحه من مخاوف لم يعد
السكوت معها ممكنا. ففي 24 نيسان/ابريل2003ولما يمض على احتلال
(العراق) غير أسبوعين، حثت (هيئة الأمم المتحدة) ودعت الى
(تدخل عاجل لإنقاذ مستقبل البيئة في العراق، وقالت:هناك حاجة
لتعامل عاجل مع الازمة البيئية في العراق والتي ساءت بسبب
اضرار الحرب وارتفاع معدلات التلوث)([261]).
بينما قدمت دراسة قام
بها فريق من (برنامج البيئة للامم المتحدة)UNEP برئاسة الخبير
(بيكا هافستو) مراجعة عامة للوضع البيئي في (العراق) ورأت لزوم
استكمال ذلك باجراء استطلاع ميداني حديث، مقترحة قيام (علماء
وخبراء برنامج البيئة باجراء تقييم عاجل للاخطار الناجمة عن
قصف المواقع العراقية باليورانيوم المنضب). وبسبب الاطلاع
المفصل للفريق على الاوضاع البيئية الماساوية في (العراق) فقد
توصل إلى ان (المشاكل البيئية في العراق مقلقة إلى درجة تحتم
الحاجة إلى اجراء تقييم فوري وخطة للتنظيف)([262]).
وقد اكد ان الحرب التي حصلت في العام 2003 اضافت إلى المشاكل
البيئية الحادثة منذ حرب الخليج عام 1991مشاكل جديدة. وان
(لاستخدام اعتدة اليورانيوم المنضب من العواقب ربما سبب تلوثا
بيئيا غير معروف العواقب حتى الان، لذا يجب تقديم النصيحة إلى
العراقيين حول كيفية تجنب التعرض إلى اليورانيوم المنضب)([263])
فمن ذا ياترى سيقِّدم تلك النصيحة، خصوصا وان الاعداء الذين
استخدموا هذا العتاد ينكرون استخدامه، وان اقروا ذلك فهم
ينكرون شموله على اخطار تلحق بالانسان والبيئة.

المناطق التي استهدفت بشكل رئيسي باعتدة اليورانيوم المنضب مع
اتجاهات الريح السائدة والعواصف الرملية (الخريطة مرسومة من
عدة مصادر)
| أفضل مشاهدة 1024 × 768 |
| © جميع الحقوق محفوظة لمركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية1427هـ/ 2006م
|