تقديــم

 

 

الفريق الركن طارق محمود شكري

 

 عندما قدم لي الأخ العميد الركن حسن عبيد عيسى بحثه الموسوم (الحرب النووية الثانية: قصة الاستخدام الأمريكي لاعتدة اليورانيوم المنضب في الحرب على العراق) تساءلت مع نفسي لأول وهلة، ما الجديد الذي يمكن أن يأتي به ضابط حول هذا الموضوع بعد أن أشبعه الاختصاصيون دراسة وتحليلا، من الناحية العلمية، وتأثيراته البيئية والصحية، واستخداماته العسكرية ، وما ينطوي عليه من عدوان على البشرية، وما يقوله القانون بوصفه عملا إجراميا، وأخيرا وليس آخرا، ما قالته وسائل الإعلام المختلفة بشأنه. فقد كتب الباحثون عنه بمختلف اللغات، وكان للباحثين العرب عامة والعراقيين خاصة باعا طويلا في هذا المجال، إذ تناولوا في بحوثهم الجوانب المختلفة المتعلقة باليورانيوم المنضب، كانوا أفضل من غيرهم لأنهم أصحاب القضية، مكنهم إثباتها والدلالة عليها ميدانيا وبين أيديهم أدلة دامغة متمثلة بالبشر والأرض والحيوان والنبات والمياه. فان كان غيرهم قد كتب نظريا أو نقلا فهم بحثوا في الكارثة مستندين إلى عناصرها المادية في الميدان حيث لا مجال للشك.

بعد أن قرأت البحث، وجدت إن الباحث قد أحاط بالموضوع من جميع جوانبه، ولم يترك شاردة ولا واردة إلا وتطرق إليها. فإن كان من سبقه قد كتب في مجال معين من مجالات اليورانيوم المنضب، فانه قد عالج كل ما يمكن أن يقال عنه من النواحي العلمية والبيئية والإنسانية والقانونية والعسكرية. فأصبح بحق بحثا شاملا يفيد جميع الاختصاصات، ويشفي غليل كل سائل أو طالب معرفة تتعلق بالموضوع. موثقا كل ما ورد في ثنايا البحث بالمصادر التي لا يرقى إليها شك،  فكان البحث موسوعيا مستندا إلى الوثائق الرسمية الصادرة من المراجع وتلك البحثية والشخصية.فضلا عن تحليلات معمقة،  ومعلومات ضمّنها في الهوامش، تغني القارئ عن البحث والاستفسار، لا بل تزيل أي غموض أوشك يساوره.

 إنني اقدر المعاناة التي واجهها الباحث في إعداد بحثه هذا، فقد غاص في بطون العشرات من المصادر، ولا شك انه عانى كثيرا - سعيا وراء الحقيقة- في الحصول عليها، فهي موزعة على أماكن مختلفة متباعدة،  لقد استخلص من بعضها عبارات محدودة، ولكنه بكل تأكيد أضطر إلى قراءتها كاملة ليجتزئ منها ما يفيده، وتلك بحد ذاتها تنم عن مقدار المعرفة الشاملة والإلمام الواسع بتفاصيل الموضوع الذي بحث فيه،  فكلها مصادر متخصصة كتبها باحثون متميزون أصحاب اختصاص، إلا انه استطاع بحسه البحثي أن ينتقي منها ما يعتبر سندا للقضية ويظهر الحقيقة الإجرامية للإدارة الأمريكية باستخدام اليورانيوم المنضب المحرم دوليا في عدوانها على العراق 1991.

كما كشف ما هو أدهى وأمر من ذلك كله، انه إخفاء تلك الإدارة لحقيقة الأمر عن جنودها، فتسببت لهم في كوارث إنسانية وصحية. لقد اجتهد وله الأجر مرة، ثم أصاب فيما اجتهد فله الأجر مرة أخرى.

 لا يسعني إلا أن أهنئ الباحث على بحثه الغزير الغني بالمعلومات، وتحاليله المنطقية الرصينة،  فهو يقدم بذلك مرجعا شاملا لا يستغني عنه مثقف، ويفيد كل الاختصاصات بدلا من السعي وراء المصادر المتعددة. ويعتبر هذا البحث – بكل المقاييس – جدير بالقراءة والدرس، وكلي ثقة إن من سينتهي من قراءته سيجد نفسه قد أحاط بأطراف موضوع حيوي(اليورانيوم المنضب) ما كان له إن يلم به الإلمام الشامل لولا هذا البحث وما حواه في ثنايا صفحاته.

 أتمنى للباحث العميد الركن حسن عبيد عيسى كل التوفيق، وأملي ان أرى له بحوثا حيوية أخرى، تكشف الحقيقة وتزيل الحجب عما هو غامض، يجول في الرحاب الواسعة للعلم والمعرفة – وهي مجال اهتمامه – فلا يزال هناك المزيد من الآفاق الرحبة، التي تستحق البحث والتقصي، وكما يقول المتنبي:

  على قدر أهل العزم تأتي العزائم

 وتأتي على قدر الكرام المكارم 

        ومن الله العون والتوفيق. 

    

| © جميع الحقوق محفوظة لمركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية1427هـ/ 2006م