الفصل الثالث 

الاستثمار في التعليم

مدخل لدعم عملية التنمية الشاملة المستدامة

 

  هدى زوير الدعمي*

* تدريسي / كلية الإدارة والاقتصاد / جامعة كربلاء

تمهيد

 

 إنّ من أبرز مظاهر التخلف الاقتصادي والاجتماعي هو ضعف الإمكانات المادية وانخفاض مستوى الإمكانات البشرية الضرورية لإحداث التنمية، ويعد الاستثمار في التعليم المطلب الأساسي لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وان الاهتمام بتكوين القدرات البشرية عن طريق التعليم والتدريب بهدف اكتسابها المهارات والقدرات اللازمة للمشاركة في العملية التنموية والتي من خلالها يستمد النمو الاقتصادي مادته ويخفض مستوى الفقر، إذ يمكن تحقيق النمو الاقتصادي وتخفيف حدة الفقر من خلال التنمية والتي لا يمكن تحقيقها(التنمية) إلا من خلال الاهتمام بالتدريب والتعليم بكافة مراحله، فالشخصية المتعلمة لابد من أن تكون منتجة وتساهم في عملية التنمية، كما أن التعليم يتأثر بسياسات التنمية وبأولويات الاستثمار في مجال التنمية البشرية.

مقـــدمة

انطلاقاً من أهمية التعليم في صنع الحضارة وبناء الإنسان لابد من أن يحظي قطاع التعليم باهتمام كبير وان تكون النقلة كبيرة في مسيرة التعليم من حيث وضع أسس انطلاقة النهضة التعليمية بمعطياتها ونتائجها سواء من حيث التوسع النوعي والكمي أومن حيث تفاعل نشاطات مؤسسات التعليم النظامي وغير النظامي مع متطلبات التنمية الاجتماعية والاقتصادية.

مما لاشك فيه أن الرقي بمستوى التعليم وفي كيفية استيعاب مخرجات التعليم والعديد من الجوانب الأخرى التي تهتم بهذا القطاع اهتماما بالغاً سواء بالتعليم أو التدريب بشتى مراحله وتخصصاته، هو من منطلق الحرص على تنمية وتطوير الموارد البشرية التي هي أساس التنمية الشاملة.

لقد شكل التعليم محورا رئيسيا لكافة خطط التنمية كما انه ركيزة أساسية من مرتكزات الرؤية المستقبلية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية،  هذا بالإضافة إلى المهام الرئيسة الأخرى المرتبطة بالنواحي الاجتماعية والثقافية وحتى السياسية.

وتبرز أهمية التكنولوجيا كأحد عناصر الإنتاج فضلا عن دورها في تسريع عملية التنمية الاقتصادية، ودورها في زيادة فعالية عناصر الإنتاج، وأهمية القطاع الخاص في تحفيز وتسريع وتيرة النمو، و في تبني المعرفة والتكنولوجيا وتوفير مقومات التعليم لها عن طريق التعليم الخاص، وتبرز أهمية التعليم من خلال تطوير الكوادر البشرية لتحقيق التنمية الشاملة، وان النمو الاقتصادي لا غنى عنه من أجل تحقيق الأهداف التنموية وخاصة القضاء على الفقر والبطالة والأمية والتي تنتج عن قصور في امتلاك رأس المال المالي، وعن سوء استغلال رأس المال المادي، وضعف ورداءة كفاءة رأس المال البشرى، وتعاني العديد من البلدان وبالأخص النامية منها مشاكل في مجال الرقي بمستوى التعليم(كما ونوعا) وفي كيفية الاستثمار في التعليم والتدريب.

وفي ضوء ما تقدم يبرز هدف البحث في بيان دور الاستثمار في التعليم وتكوين رأس المال البشري، فضلاً عن دراسة توليفة  (الاستثمار في التعليم، تحقيق النمو الاقتصادي وتخفيف الفقر، التنمية الشاملة)، والتعرف على علاقة القطاع الخاص و التعليم من خلال رؤية خاصة، مع استعراض لإستراتيجية التعليم في العراق وسبل تحقيق التنمية الشاملة المستدامة وصولا إلى الاستنتاجات والمقترحات، وبناء على ما سبق فان فرضية البحث مفادها إن للتعليم دور رئيس في صنع الحضارة وبناء الإنسان وتنمية الموارد البشرية التي هي أساس التنمية الشاملة و إن قلة التحصيل التعليمي، ورداءة نوعيته يؤدي إلى التخلف الاقتصادي والاجتماعي.

 

 

ðأولاً: الاستثمار في التعليم وتكوين رأس المال البشري

نذكر بداية أن مفهوم الاستثمار في التعليم إذا ما تم تعريفة بطريقة أو بأخرى فهو يلعب دور مهم وحيوي في التنمية الشاملة وهو من أولويات وأساسيات التنمية الشاملة المستدامة الصحيحة.

إن مشاريع الاستثمار في التعليم النظامي والذي يشمل(التعليم الابتدائي الأساسي، الثانوي، العالي) والتعليم الغير نظامي (التدريب ومحو الأمية) لا يمكن أن تنجح إلا إذا توفرت لها البيئة الملائمة  والمحفزة  إلى زيادة  التعليم كالاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.

إن الاستثمار في الموارد البشرية من خلال التعليم هو للقضاء على الفقر وتحقيق النمو الاقتصادي وعلى أساس  أن التعليم جزء لا يتجزأ من تنمية الموارد البشرية  والذي يتمثل في بناء قدرات ومهارات بشرية فعّالة في المجتمع.

ويمثل الحرمان من التعليم، أول مراحل الحكم على البشر بالفقر، ويميل هذا الحرمان ليكون أقسى في حالة النساء والأطفال، ومن المؤكد أن قلة التحصيل التعليمي، ورداءة نوعيته، ترتبط بقوة بالفقر.

ويرجح تحليل خصائص الأسر الفقيرة من حيث أن معاملي الارتباط الرئيسيين للفقر هما الموقع الريفي وانعدام التعليم، ويرتبط الفقر بصفة عامة بانعدام التعليم وللظاهرة الريفية بصفة أساسية،  حيث يبلغ (الفقر) أعلى مستوى بين الأفراد الذين حصلوا على تعليم ضئيل أو لم يحصلوا على تعليم على الإطلاق وينخفض بصورة حادة مع ارتفاع مستويات التعليم التي يحققها الأفراد (1).

والوضع أسوأ في المناطق الريفية إذ ينخفض معدل الالتحاق بالتعليم وأضف إلى ذلك انخفاض نسبة التحاق الإناث مقارنة بالذكور وإدراكا لأهمية تحقيق التحاق شامل، والذي يتمثل التحدي الحقيقي المتعلق بتحقيق التعليم للجميع في أن يشمل التعليم الأطفال من مستويات فقيرة اجتماعيا واقتصاديا ومن كلا الجنسين، إذ تبين المؤشرات الاجتماعية أو مؤشرات التنمية البشرية بالنسبة لمؤشرات التعليم مثل إلمام البالغين بالقراءة والكتابة والالتحاق الصافي بالمدارس الابتدائية، ما يعكس في أكثر الجوانب نقصا في مجال التعليم، غير أن مما تجدر ملاحظته أن الفجوة بين الجنسين في المؤشرات الاجتماعية كبيرة جداً.

ويركز قطاع التعليم في تكوين رأس المال البشري والاجتماعي اللازم للنمو الاقتصادي والإنماء الاجتماعي، من خلال الدعم التحليلي ودعم المشروعات وعن طريق تقديم الخبرة الدولية والممارسة الجيدة على أساس خاص بكل بلد، ومهمة الدولة هي الاستكمال الشامل للتعليم الإجباري الجيد النوعية و فعالية النظام التعليمي في تكوين رأس المال البشري والذي ينشئ تلاحما اجتماعيا لدعم تنمية مجتمعات أساسها المعرفة ويجب أن يكون هناك  أنفاق مالي كافي للتعليم، وان يكون الالتحاق الشامل لتوفير التعليم الأساسي لكل الأطفال.

إن هناك علاقة تبادل منفعة بين المجتمع والمؤسسات التعليمية و تتضافر المؤسسات التعليمية في كافة مراحلها على تحقيق التنمية البشرية في المجتمعات على نحو يصبح الفرد وسيلة وهدف التنمية في الوقت نفسه.

وأنه لا يمكن تحقيق تنمية اقتصادية ناجحة ما لم تصحبها تنمية للموارد البشرية، والتي تتولى مهمتها عملية التربية والتعليم، وهذه لا يمكن النظر إليها على أنها خدمة استهلاكية بقدر ما هي عملية توظيف واستثمار مثمر لرؤوس الأموال تحقق للمجتمع عائدا يفوق أضعافا مضاعفة حجم الإنفاق عليها.

 والحقيقة أن واقع الحال يقول إن الصلة بين الخطة التربوية والخطة الاقتصادية تكاد تكون مقطوعة، نظرا لضعف خيوط النسيج التي تصل بين حاجات التربية وحاجات التنمية الاقتصادية، فهناك تباعد كبير بين التربية القائمة وبين التربية التي تؤدي إلى التنمية البشرية والاقتصادية، وهي بمواصفاتها الحالية عاجزة عن ربط المدرسة بسوق العمل، حتى مدارس التعليم الفني القائمة لم تستطع تلبية احتياجات سوق العمل، وذلك لضعف المستوى العملي لخريجيها، وهو ما يجعل المدرسة بواقعها الحالي عاجزة عن إعداد الناشئة إعدادا جيدا لسوق العمل(3).

إن الإنفاق على التعليم له خاصيتان فهو: أما يعتبر إنفاق استهلاكي حيث يتمثل تأثيره في المنافع غير المحسوسة عند وجود الفرد في المدرسة وتلقيه العلم وتزيد أيضا من قدرته على جعل حياته المستقبلية أكثر فائدة، أما الجانب الآخر فهو إنفاق  استثماري ويمثل تأثيره في العوائد الخاصة والخارجية على كل من الفرد والمجتمع.

 ومن المتوقع أن يكون لهذا التأثير التعليمي نتائج اقتصادية واجتماعية على المدى الطويل وهذا الأمر قد ثبت من خلال الدراسات والأبحاث  السابقة، حيث تم التأكيد على العلاقة الايجابية  بين التعليم والنمو.

وفي نتائج لـ(56) دراسة لأنماط معدل العائد على التعليم في الستينات والسبعينات  من القرن العشرين لـ(45) دولة من دول العالم  تبين أن معدلات العائد من الاستثمار في التعليم هي فوق10% كمعيار مشترك للفرصة البديلة  لرأس المال  وهي في الدول النامية  أعلى بالنسبة إلى العوائد المشابهة في أكثر الدول المتقدمة(4)، انظر جدول (1).

 

 

/

 

جدول (1)

عوائد التعليم بالنسبة للمناطق والبلدان

العوائد الاجتماعية%

العوائد الخاصة%

عدد الدراسات

المنطقة أو البلد

التعليم العالي

المرحلة الثانوية

المرحلة الأساسية

التعليم العالي

المرحلة الثانوية

المرحلة الأساسية

12

17

29

32

22

29

9

إفريقيا

11

12

16

19

17

32

8

آسيا

18

17

44

23

20

24

5

أمريكا اللاتينية

13

16

27

24

19

29

22

البلدان

المصدر:           Psacharopoulos، George(1981)Returns to education:an updated international comparison.Comparative Education، p.329.

 

إلا إن صعوبات تطوير البحث العلمي والتقاني متنوعة ومن هذه الصعوبات  بدرجة أولى عدم الاهتمام الكافي  به لعدم  اتضاح مردودة على الرغم من أن إسهام الإنتاج المرتكز على العلم ازداد بشكل شديد، فهو اليوم يشكل حوالي(80 الى90) بالمائة من الناتج القومي المحلي لمعظم البلدان الأوربية، ومعنى ذلك أن البلدان التي لم تدخل علوم التقانة على اقتصادها وثقافتها تكون وضعت نفسها على هامش الاقتصاد العالمي الجديد(5).

إن استكمال وتطوير البنى التحتية والمؤسسية للنظام التعليمي ليزداد مردوده الاقتصادي والاجتماعي والثقافي ويصبح قادرا على الاستجابة بكفاءة وفعالية لتحديات الحاضر ومشكلاته،  ويواجه تحولات المستقبل ومحاذيره ويتكيف مع التغير واتجاهات التطور محليا وإقليميا وعالميا، وان زيادة حجم المشاركة المجتمعية في تخطيط وتمويل وإدارة التعليم تحقيقا لمبدأ التعليم حق للجميع وان التعليم شأن مجتمعي، وكذلك فان تحقيق التكامل بين حلقات التعليم: العام والفني والجامعي والتقني، وعلى جميع المستويات، وإصلاح أي خلل هيكلي يوجد في أي حلقة من حلقات التعليم، وتحسين عناصر الجودة النوعية في النظام التعليمي، والاهتمام بمدخلاتها وعملياتها (الأهداف، المناهج والمواد التعليمية، المعلم وكفاياته التدريسية، منهجيات وأساليب وأدوات التقويم)، هو من أجل إعداد جيل من المبدعين القادرين على الإبداع والابتكار(6).

ومن هنا، يصبح من الضروري أن يكون هناك تكامل بين أنظمة التعليم وأنظمة التدريب، لأنهما وجهان لعملة واحدة، بل انه أحيانا من مشكلات التدريب وجود أسبابها في نظام ومستوى التعليم، وأحيانا بعض السياسات في التعليم عندما يكون لديك خريجون في تخصصات لا تحتاجها تضطر إلى إعادة تدريبهم، بمعنى آخر إن المجتمع يتحمل تكاليف مزدوجة أو مضاعفة لكنه تعليم لا يؤدي إلى نتائج ايجابية وهو يفضي إلى البطالة، مما يضطر هذا المجتمع إلى أن يصرف نفقات إضافية على إعادة تأهيل هؤلاء الأشخاص من خلال برامج جديدة.ولكل شيء مزايا وعيوب، ولكني أعتقد إن التدريب لا يمكن النظر إليه بمعزل عن قضايا القوى العاملة الأخرى وقضايا التعليم(7).

وان التعليم المهني للكبار هو ذلك الطراز من التعليم المؤسس على العلاقة بين الإنسان والعمل مع اخذ كلمة العمل بمعناها الواسع الذي يربط تنمية الفرد العامل بالتنمية الشاملة للمجتمع والذي يوفق بين مصلحة الفرد من ناحية ومصالح المجتمع من ناحية أخرى  وانه ذلك الطراز من التعليم الذي يساعد على إعداد الفرد القادر على خلق الثروة المادية والمعنوية وتمكين الفرد وتوسيع خياراته مما يشكل مجالا هاما من مجالات تعليم الكبار المفضي إلى التنمية البشرية، وخاصة في المجتمعات المستحدثة التي تتفشى فيها الأمية على الشكل الذي يعوق التنمية(8).

إذ تشكل الأمية عقبة تعترض سبيل تنمية المجتمعات  والنهوض بها اقتصاديا واجتماعيا وبشريا ...فمحو الأمية  يتبعه تحسين أداء العمل الذي  يؤدي إلى ارتفاع الطاقة الإنتاجية وهذا بدوره سيتبعه نمو الإنتاج وبالتالي  زيادة الدخل، وكذا ارتفاع مستوى المعيشة وهكذا تتحقق التنمية  البشرية المؤدية إلى التنمية الشاملة(9).

ونرى إن الإنتاجية في البلدان النامية متواضعة للغاية بالمقارنة مع الإنتاجية في الدول المتقدمة ويمثل احد الأسباب الهامة لبطء عملية التنمية الاقتصادية،  ويرجع الانخفاض الهائل للإنتاجية في البلدان النامية إلى الأسباب الاتية:

1- انخفاض مستوى التعليم بدرجة هائلة.

2- انخفاض نسبة الإنفاق على التعليم.

3- انخفاض القيمة الحقيقية لمرتبات التدريسيين والأساتذة

4- بطء تزايد عدد المؤسسات التعليمية للمراحل المختلفة مقابل تزايد سريع للأعداد الجديدة التي تلتحق سنوياَ بالمدارس كنتيجة طبيعية للنمو السكاني مما يؤدي إلى تكديس التلاميذ في المدارس وهذا يزيد من رداءة مستوى التعليم(10).

يعد الاستثمار في التدريب المهني أحد أهم مجالات التعاون التنموي ولتعزيز البنية التحتية من خلال الدعم المباشر لإنشاء وتجهيز مراكز تدريب مهنية، لا تقتصر على مجرد الإنشاء والتجهيز وإرساء أسس لتطوير المناهج والمواد التعليمية فحسب بل التركيز وبشكل كبير على تأهيل كوادر إدارية وفنية، فقد كان "بناء الإنسان" القادر على مواصلة عملية البناء والتطوير هو القاعدة التي انطلقت منها والتي تعود إليها النهضة التي تشهدها دولة صناعية عملاقة كألمانيا،  الفقيرة في الثروات الطبيعية الغنية بالقوى البشرية المؤهلة،  وهذا ما نشهده اليوم حيث نجد أن تلك الكوادر التي أهلت خلال تلك الفترة منتشرة في العديد من المواقع كمدراء أو مدربين أو موجهين أو في مواقع عمل وإنتاج وغيرها لتؤدي دورها في عملية البناء(11).

ويزيد التعليم الرديء النوعية والتدريب غير الملائم من صعوبة حصول الوافدين  الجدد على عمل منتج ونتيجة لذلك يسجل فائض في المعروض من المتعلمين الباحثين عن عمل المفتقرين للخبرة وفائض في الطلب على العمل ذو الخبرة العالية،  ويمثل هذا الاتجاه تحديا هيكليا خطير للحكومة والقطاع الخاص ومع إن حكومات عديدة بادرت إلى الالتزام بتحسين التدريب الفني والمهني ولا تزال الحاجة قائمة لتكثيف العمل من اجل تحسين نوعية التعليم وتزويد الطلاب بالمزيد من المهارات والمؤهلات الفنية ولاسيما تكنولوجيا المعلومات(12).

إذ يسهم نمو القطاع التعليمي وتطوره إلى حد كبير في تحسين الدخول وبالتالي تحقيق مستويات أفضل للمعيشة من خلال تأثيراته التوسعية التراكمية والتي تساعد على اكتساب الخبرة والمهارة لزيادة الإنتاجية وبالتالي حجم الإنتاج وتامين مستلزمات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وزيادة فرص الحصول على عمل وزيادة الناتج الحقيقي للفرد ونظرا لان هيكل القطاع التعليمي مازال يتسم بالتخلف وضعف شديدين وخاصة في البلدان النامية من حيث  النوع و الكم  فان الارتقاء بالجانب النوعي والكمي للمؤسسات التعليمية والمتعلمين وتطور المناهج وتوسيع أنشطتها وإمكانياتها يمكن أن يتحقق من خلال منهجين:

الأول هو ضرورة الاهتمام بالمؤسسات التعليمية وتطويرها وتوسيعها  لسد حاجة سوق العمل وثانيها ضرورة الاهتمام بنوعية المناهج وتحسينها  وبما يعود بالفائدة على المجتمع كله ولتحقيق التنمية الشاملة، وان دور  التعليم يكون أكثر تأثيراً في تحقيق غايات التنمية الشاملة المتمثلة  في زيادة الدخول وتقليص مستوى الفقر.

 

جدول (2)

المؤشرات التعليمية في الدول المنخفضة والمتوسطة وعالية الدخل

 

الإنفاق العام

على التعليم % من GNP1997

معدل القيد الصافي % 1997    للمراحل

معدل الأمية % من 15 فما فوق 1998

ابتدائي

ثانوي

ذكور

إناث

الدول عالية الدخل

5.4

87

96

-

-

الدول المتوسطة

4.8

97

71

10

20

المصدر:

World Bank ,world Development Report, 2000/2001, Warld Bank, Washington D.C.

 

 

 

 

ومن الجدول أعلاه تظهر لنا أن هناك علاقة بين مستوى الدخل والمؤشرات التعليمية فالدول منخفضة الدخل يكون التعليم منخفضة مقارنة بالدول متوسطة وعالية الدخل فالإنفاق العام على التعليم كنسبة مئوية من الناتج القومي الإجمالي يقدر ب3.3 مقارنة ب 4.8 و5.4 على التعاقب وهكذا بالنسبة للمؤشرات الأخرى انظر جدول(2).

ويوضح الجدول أيضا ثلاث من الدول على سبيل المثال لا الحصر، الولايات المتحدة الأمريكية باعتبارها من الدول عالية الدخل ومصر  متوسطة الدخل وبنين منخفضة الدخل، ويتبين إن هناك فرق في المؤشرات في معدلات القيد الصافي للمرحلة الابتدائية بين أمريكا ومصر وبنين 100% و95%و68% على التعاقب وكذا الفرق في المرحلة الثانوية ومعدل الأمية والإنفاق العام  وكما موضح في الجدول(2).

وهناك عدم رغبة في التعليم  بسبب البطالة التي يعاني منها الكثير من حملة الشهادات وهي بطالة تزداد يوما بعد يوم ونتيجة لهذا الوضع يشعر الآباء بان تعليم أبنائهم غير مضمون النتائج وتظهر الدراسات الصلة الوثيقة بين التحصيل التعليمي المنخفض والأمية والفقر، مما ينبغي إعادة النظر في نظم ومناهج التعليم والتدريب الحكومي والخاص وإزالة الفروق الجنسية في التعليم، وضرورة الارتباط بين النظام التعليمي والتنمية وذلك عن طريق تطوير مناهج التعليم بالصورة التي تخدم العملية التنموية والتي تربط الاستثمار في التعليم  بالقطاعات الأخرى.

إذن فالتعليم هو حق من حقوق الإنسان الأساسية، كما أن الاقتصاد اليوم يقوم على أساس البحث والتطور، وهما يتطلبان تعليما عاما وتقنيا ذا كفاءة عالية، كما أن عملية التنمية تتطلب كفاءات علمية متنوعة، وان محدودية الموارد الاقتصادية الأخرى تؤكد على أهمية وضرورة التعليم والمعرفة وان أفضل استثمار يجب أن يوجه للاستثمار في إعداد الإنسان من خلال التعليم والتدريب.

 

ðثانياً : توليفة (( الاستثمار  في التعليم، تحقيق النمو الاقتصادي وتخفيف الفقر، التنمية الشاملة ))

يعد الاستثمار في التعليم في كافة مراحله هو شرط ضروري ووسيلة لتحقيق النمو الاقتصادي المستديم القادر على تحسين ورفع مستوى المعيشة من خلال التنمية الشاملة المستدامة وهناك علاقة بين الاستثمار في التعليم  وتحقيق النمو الاقتصادي  والقضاء على الفقر وصولا إلى التنمية الشاملة، ولانطلاقة تنموية فعالة لابد من أن تستند إلى تفعيل دور الاستثمار في التعليم في النشاط الاقتصادي  وتحسين نوعه وكمه  والتأكيد على النوعية.

 وتتعامل أدبيات التنمية البشرية مع التعليم من ثلاث زوايا هي :

1- الاهتمام بتوفيره كأداة لاكتساب التقانة.

2- ربط التعليم باحتياجات سوق العمل.

3-عد التعليم حقا إنسانيا يهدف إلى تحسين وضع الأفراد والمجتمعات(13).

ويقول آندرو ناتسيوس، مدير الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، إنه لا يمكن لأي دولة أن تحقق إمكانياتها كما لا يمكن لشعبها أن يحقق مستوى معيشة لائق بدون تحسين مستويات الصحة العامة والتعليم فيها، ويظهر ناتسيوس أنه من غير المرجح أن تكتشف الحكومات ما للتعليم من تأثير مضاعِف على النمو الاقتصادي والديمقراطية والحكم، والانطلاق منه(التعليم) لزيادة الإنتاجية والنمو الاقتصادي، ويعد التعليم ذا أهمية خاصة بسبب تأثيره المضاعِف الذي يتخطى معرفة القراءة والكتابة على النمو الاقتصادي والديمقراطية والحكم الرشيد. ويساعد التعليم الناس على الإدلاء بأصواتهم على أساس مستنير(14).

إن أهمية التعليم  بوصفة احد العوامل المؤثر بالنمو الاقتصادي وهذا ما أكده  عدد من الاقتصاديين أمثال (شولتز،  دينسون،  سولو) لما يولد  لدى الناس من معرفة ورفع مستوى الأداء وبذلك فهو يعد الوقود المحرك للتنمية بكافة أبعادها لاسيما زيادة الإنتاج والدخل وإزالة الفقر.

 وينعكس الارتفاع في الإنتاجية على نصيب الفرد من الناتج المحلي  والذي يعد مؤشر على مدى مساهمة  التعليم في توليد الدخل الفردي فهو يحد بصورة غير مباشرة  من تداعيات ظاهرة الفقر وذلك عن طريق تمويل مشاريع التنمية وزيادة حجم التشغيل أما عن طريق البحث والتطوير واستخدام التكنولوجيا  أو من خلال توفير الخدمات الأساسية وهو ما يودي إلى تحسين مستوى المعيشة فعن طريق الاستثمار في التعليم مع تحسين النوعية للمساهمة في الحد من ظاهرتي الفقر والبطالة،  وكذلك تحقيق نمو اجتماعي  بالإضافة إلى  النمو الاقتصادي.

إن الاستثمار أو إنفاق الأموال على البرامج الاجتماعية- كالتعليم أكثر أهمية بكثير بالنسبة للتنمية الاقتصادية مما قد يبدو لأول وهلة، إن الإصلاحات السياسية والاقتصادية هي ما يتطلبه الأمر قبل أن يمكن لدولة ما أن تنطلق وتبلغ مستوىً جديدا من النمو، وبتقليص الفقر عن طريق تحقيق زيادة كبيرة في مسار النمو الاقتصادي وهذا يتطلب بالتأكيد  الاستثمار في التعليم الذي يزيد من إمكانيات ومستوى الإنتاج ولا يمكن للتنمية أن تتحقق بدون نمو اقتصادي.

وتؤكد العديد من الدراسات على أهمية التقدم التكنولوجي  وما أحدثته الثورة المعلوماتية من زيادة في الإنتاجية وزيادة مستوى النمو الاقتصادي.

وفي وقت تشتد المنافسة في التكنولوجيا لأن الرهان ليس فقط علي الناحية الاقتصادية ولكنه أيضا سياسيا واستراتيجيا وبدأ يبرز نظام دولي جديد في العلم والتكنولوجيا من شأنه إعادة تقسيم كعكة الاقتصاد العالمي وبمقتضاه صار الاختراع والابتكار والإبداع اهم الأسلحة الرئيسة للريادة الاقتصادية، وصارت المعرفة هي التي تحرك الاقتصاد وليس الاقتصاد هو الذي يحرك المعرفة، ولا يتأتي ذلك إلا من خلال "بنية إلكترونية" للدولة وهي نظام الاتصالات والمعلومات الذي يربط أجهزتها ومؤسساتها المختلفة كما يربطها بالعالم الخارجي وبنوك المعلومات الدولية، وهو ما أصطلح على تسميته "بالطرق السريعة الفائقة" حيث تقوم شبكة الاتصالات والمعلومات بأي دولة بقيام شبكات الطرق السريعة في عصر الثورة الصناعية وتمثل بالتالي "الجهاز العصبي الإلكتروني" لاقتصاد القرن القرن الواحد والعشرين(15).

ويبين شكل رقم(1) توليفة العلاقة بين الاستثمار في التعليم  وتحقيق النمو الاقتصادي والتخلص من أغلال الفقر وصولا إلى تحقيق أهداف التنمية الشاملة من خلال التوليفة التي  تضم أربعة أجزاء وهذه الأجزاء هي:       

شكل (1)

 

  

 

 


 

1- المدخلات: الاستثمار في التعليم  وهي العناصر التي تكون  الأساس لبدء بناء القاعدة وبمثابة المادة الأساسية التي تغذي النظام سواء كانت ملموسة  أو غير ملموسة.

2- العمليات: وهي مجموعة من الإجراءات والفعاليات المعتمدة داخل التوليفة أو النظام للتعامل مع مدخلات الاستثمار في الموارد البشرية  تجاه تحويلها إلى شكل آخر يتوافق مع أهداف التنمية من خلال وتوفير فرص العمل وتحقيق النمو الاقتصادي والقضاء على الفقر.

3- المخرجات: وهي النتائج التي تفرزها التوليفة وبما يتفق مع أهداف المجتمع و النظام في تحقيق التنمية الشاملة.

4- التغذية العكسية: وهي المخرجات المسترجعة من ناتج التوليفة ولغرض تقييمها ومطابقتها مع الأهداف الموضوعة وهي خلق مجتمع متقدم ومتعلم من خلال  قيد جميع الأطفال في المدارس الابتدائية وإزالة الفوارق الجنسية في التعليم وتطوير وتوسيع المؤسسات التعليمية وعلاقتها بالمجتمع والمؤسسات الإنتاجية.

أن النمو الاقتصادي المتسارع والتنمية المستمرة هما شرطان أساسيان للقضاء على الفقر، فالتنمية الاجتماعية يجب أن تأخذ في الاعتبار أهداف تلبية الاحتياجات وهدف استمرارية النمو، أي الخطة التي تحدث التوازن الصعب بين العناصر الثلاث، الاستثمار في التعليم والنمو والقضاء على الفقر، من خلال التحسينات في قطاعات مهمة مثل التعليم والصحة والتنمية الريفية وعلى أساس أن التنمية الاقتصادية تتحدد أساسا ببلوغ عدد من المعطيات مثل زيادة الإنتاجية وتحقيق قدر من المساواة الاقتصادية والاجتماعية ونشر المعرفة الحديثة وتطوير المؤسسات التعليمية، ومحاولة إحداث معدلات عالية من النمو دون معدلات مرتفعة من التضخم، وبمجموعة من الأهداف الثانوية الأخرى.

ويكثر في عالم اليوم من يفتقر إلى التعليم الضروري والتدريب اللازم للحصول على وظائف جيدة ومنتجة، كما تكثر الوظائف غير المنتجة ومنخفضة الأجر، والتعليم يبدأ بتعلم القراءة والكتابة وعلى الرغم من وجود تحسينات كبرى يستمر وجود هوة ضخمة في مجال معرفة القراءة والكتابة، وفي كثير من البلدان لا يزال التدريب بعيدا عن احتياجات سوق العمل، وكثيرا ما يفتقر الشباب إلى إمكانية الوصول إلى خدمات سوق العمل والدعم اللازم لمساعدتهم على الحصول على عمل لائق منتج، وقد حان الوقت لكسر الدائرة المغلقة التي يؤدي فيها ضعف التعليم والتدريب إلى ضعف الوظائف وإلى الفقر، ويتعين على جميع البلدان أن تعيد النظر والتفكير والتوجيه فيما يتعلق بسياساتها الخاصة بالتعليم والتدريب المهني وسوق العمل بغية تيسير الانتقال من المدرسة إلى العمل وإعطاء الشباب،  وخصوصا من يتعرض منهم للحرمان بسبب العجز أو الذين يواجهون التمييز بسبب العرق أو الدين أو الإثنية، المجال للدخول إلى حياة عاملة، وينبغي لكل بلد أن يضع مجموعة من المقاصد والأهداف تستند إلى أفضل الممارسات وأفضل الأداء للاستثمار في التعليم والتدريب وغير ذلك من تدابير تعزيز إمكانية العمالة مما يؤدي إلى حصول الشباب على الوظائف وعلى العدالة الاجتماعية(16).

وترتبط كفاية التعليم الابتدائي ارتباطا وثيقا بإمكانية الهروب من الفقر، و تشكل البنات أغلبية الذين لم يتح أمامهم أي فرصة للحصول على تعليم نظامي، ومع ذلك فإن تعليم البنات يعد بغير جدال أحد المفاتيح التي تفضي إلى الحد من الفقر، وقد دعمت اليونيسيف التعليم الأساسي بالتركيز على تعزيز الجوانب المعرفية والسيكواجتماعية لرعاية الطفولة المبكرة، ويشمل ذلك الترويج لإتاحة الفرص الشاملة لتعليم أساسي جيد مع استكمال هذا التعليم بما في ذلك تهيئة بيئة تعلّم صحية وفعالة وحمائية، ومن الجوانب المهمة للدعم تعزيز مشاركة المجتمع المحلي والوالدين في أمور المدارس(17).

إن القدرة على القراءة والكتابة حاسمة الأهمية بالنسبة للتنمية، وتسمح للعمال بممارسة أعمال تدر دخلاً أكبر، وتمكّن الناس من التعلم عن الأخطار الصحية وفرص المشاريع التجارية من خلال قراءة الصحف والنشرات، وتنفق بعض الدول المحدودة الدخل الكثير من الأموال على التعليم، ولكن الكثير من تلك الأموال ينفق على إرسال أبناء النخبة إلى الجامعات مجانا بدلا من تأمين التعليم الابتدائي للجميع، كما إن اعتماد الأموال من النسبة المئوية التي يشكلها  الإنفاق على التعليم  الابتدائي الحكومي من الناتج المحلي الإجمالي للتعليم الابتدائي، حتى في حال حدوثه، قد لا يضمن بحد ذاته خلق مجموعة سكانية متعلمة، فقد يترك الفساد والمستوى الضعيف للتعليم وعمالة الأطفال ومنع البنات من الذهاب إلى المدارس أو التعليم الديني أطفالا كثيرين بمستوى تعليمي من الضعف بحيث أنه يحول دون مشاركتهم في التنمية، ولذلك يكون معدل إكمال التعليم الابتدائي عاملا مهما لتحقيق زيادة الإنتاجية والنمو الاقتصادي(18).

كما يعد الاستثمار في التعليم العالي، وضمن البعد الاقتصادي كعائد لتراكم رأس المال البشري ودفع عجلة النمو الاقتصادي وتوفير العملات الصعبة، إضافة إلى توفير فرص عمل لأعداد كبيرة من الإداريين والأكاديميين، ناهيك عن تلبية رغبة الطلبة في الدراسة الجامعية وتوفيرها في الدولة بدلا من الاغتراب، وغني عن الذكر دور الجامعات في المساهمة في جعل البلاد مركز جذب إقليميا للتعليم العالي، إضافة إلى الرسالة التربوية والاجتماعية والاقتصادية الهامة التي تؤديها للمجتمع، ويعد التركيز على نوعية التعليم الجامعي الخاص ومستوى الخريجين فيها من أفضل الوسائل التي يمكن للجامعات إثبات وجودها، فالنوعية هي الرد المناسب على أي انتقاد قد تتعرض له الجامعات بشكل عام(19).

إن التنمية الاقتصادية والاجتماعية أساس النمو الاقتصادي، والتعليم  لا يمكن الاستفادة منه  دون حسن توجهه، وان أهمية رأس المال البشري تكمن في تنفيذ خطط التنمية من خلال  تفعيل دور التعليم في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، و تمثل تلك العلاقة عن ارتباط التعليم مع احتياجات المجتمع اللذين يعتبران شرطين ضروريين لنجاح العملية التنموية في أي مجتمع.

ð        ثالثا: القطاع الخاص والتعليم (رؤية خاصة )

إن النظرة إلى التعليم الخاص، على الرغم من نمو القطاع الخاص نموا مطردا ومتسارعا ومساهمته بشكل فاعل ومؤثر في العملية التربوية،  إلا إن هناك الكثير من يشكك في إن التعليم الخاص ليست لديه أهداف تربوية أي أن أهدافه ربحية فقط وليس له أي أهمية في بناء المجتمع والتنمية، إلا إن التعليم الخاص يحظى باهتمام المسؤولين نظرا لدوره الهام والحقيقي في البناء التعليمي وفي استكمال البنية التحتية اللازمة للانطلاق نحو تحقيق التنمية الشاملة من خلال  تعاظم دور القطاع الخاص ولأهمية مشاركته في العملية التنموية وللنهوض بالاقتصاد ولم يقتصر دور القطاع الخاص في بناء المؤسسة الاقتصادية بل تعدى ذلك إلى المشاركة في بناء وتأهيل المؤسسة الأكاديمية حيث أصبح من الواضح إن هناك ترابطا كبيرا بين المؤسستين وان إخفاق أو نجاح أي منهما يؤثر سلبا أو إيجابا على المؤسسة الأخرى، وان أهمية هذا القطاع وأهمية الوظيفة التي يقوم بها قطاع التعليم الخاص لخدمة التنمية الشاملة ومن اجل تحقيق التوازن بين مدخلات ومخرجات البناء التنموي، ولن يتسنى تحقيق ذلك دون أن يسايره نمو في القطاع الخاص المحلي الذي يشكل القاطرة الرئيسية للنمو الاقتصادي ولتوليد فرص العمل، إذن لابد من فتح الباب أمام القطاع الخاص ليساهم بدوره المهم، وإن ضعف وتراجع دوره هو ما يعكس ضعف المستوى الحالي للتعليم واقتصاد المعرفة في بعض البلدان.

إن الحرمان من التعليم ومن الرعاية الصحية، الجيدان، أول مراحل الحكم على البشر بالفقر، ويميل هذا الحرمان ليكون أقسى في حالة النساء، ومن المؤكد أن قلة التحصيل التعليمي، ورداءة نوعيته، ترتبط بقوة بالفقر، ويلاحظ أن كل ذلك يقع في سياق ضعف شبكات الحماية الاجتماعية، وعلى تناقص مقدرة الأسر الفقيرة على تحمل تكلفة التعليم والرعاية الصحية الأساسيين، مع اتساع الاعتماد على القطاع الخاص في تقديم الخدمات، واستشراء الفقر، فلا مناص من أن تتآكل قدرة الفقراء على تحمل هذه التكاليف(20).

إلا إن عدداً من الأكاديميين أجمع على إن فكرة دخول القطاع الخاص في مجال الاستثمار في التعليم العالي جاءت نتيجة الطلب الاجتماعي المتزايد على الالتحاق بالجامعات، وعدم قدرة الجامعات الحكومية على استيعاب الأعداد المتزايدة من خريجي الثانوية العامة الراغبين بالالتحاق بالتعليم العالي، وان الأمر لا يتعلق بعدم المقدرة على الإيفاء بمتطلبات السوق بل ينبع من سياسة المشاركة الفاعلة للقطاع الخاص في قطاع التعليم العالي بما ينعكس إيجابا على خطط التنمية، و إن الجامعات الخاصة تساهم في دعم الاقتصاد الوطني بعدة طرق، أهمها تشغيل أعداد كبيرة من العاملين سواء من الأكاديميين أو الإداريين، و إذا أضفنا إلى ذلك كلفة الدراسة المرتفعة في الخارج وارتفاع معدل النمو السكاني أدركنا ضرورة تأسيس المزيد من الجامعات بدل التوجه إلى الخارج، وإن اكبر تحد يواجه القائمين على تأسيس وإدارة الجامعات الخاصة هو التوفيق والمواءمة بين تحقيق الربح المادي وتوفير تعليم جامعي متميز يلبي احتياجات المجتمع ويواكب مستجدات العصر ومتطلباته، إن تحقيق هذا الشرط كفيل بازدياد الطلب على الالتحاق بهذه الجامعة دون غيرها، فضلا عن توفير العناصر الكفيلة بنجاح العملية التعليمية من تأهيل لأعضاء هيئة التدريس وكفاءاتهم وتوفير المكتبات والمراجع ووسائل الاتصالات العالمية بمصادر المعلومات وغير ذلك من وسائل واحتياجات.

إن دخول القطاع الخاص في إطار منظم ونوعي مراقب هو الفرصة التي يجب أن تشجعها الحكومة، وانه يجب أن ينظر إلى الربح في أي مؤسسة خاصة كمسألة مشروعة وضرورية للاستمرار، فلا يمكن لأي مؤسسة خاصة إن تستمر وتتوسع وترتقي كميا ونوعيا دون تحقيق أرباح معقولة ومقبولة تساعدها على الاستمرار والاستثمار في متطلبات التوسع المستقبلي، ولكن هناك فرق كبير بين الربح الذي تقتضيه طبيعة خدمة رأس المال المستثمر وبين التجارة في مرفق العلم دون الاهتمام بنوعية التعليم والضوابط التعليمية (21) من قبل القطاع الخاص والعام نظراً للفائدة الكبيرة التي يأتي بها من خلال تحسين نوعية التعليم والتدريب وتعزيز فرص الحصول على فرص عمل بعد التخرج.

وانه مهما أمكن للدولة من توفير مؤسسات التعليم العالي الحكومية،  ومهما كانت سعة استيعاب هذه المؤسسات فان الأعداد المتزايدة من خريجي الثانوية العامة تجعل عدم إمكانية الاستيعاب ظاهرة شبه عالمية، لذلك فان التوجه العالمي صار ينحو نحو تحريك القطاع الخاص للقيام بدور في العملية التعليمية في ظل السياسات العالمية لجعل القطاع الخاص المحرك الأساسي للاقتصاد القومي ولعملية الاستثمار.

وبالعمل على دعوة القطاع الخاص للاستثمار في هذا المجال وذلك بإنشاء كليات وجامعات خاصة، والى تقديم الدعم والتسهيلات اللازمة لذلك..

وهنا يجب أن يكون التعاون جليا بين الحكومة والقطاع الخاص والمواطنين لوضع السياسات والوسائل وتنفيذها بهدف الاستفادة القصوى من مخرجات الثانوية العامة بتأهيلهم تأهيلا عاليا متجاوبا مع احتياجات السوق النوعية والكمية، ولكي يتحقق فيما بعد التوظيف الذي تدعو إليه عملية التنمية فان وضع خطة لتوفير المهن ومن ثم فإن على هذه المؤسسات أن توجه جهودا أساسية ووثابة للبحث العلمي الجاد الهادف إلى مواجهة المشاكل المعاصرة في المجتمع لان أهداف التعليم أسمى من قصرها على الوقوف مع مرحلة الثانوية العامة ولكي تتمكن المؤسسات الحكومية من تخفيف حالة اضطراب الأسرة وقلقها على أبنائها الذين قد لا تتوافر لهم فرص التعليم العالي الذي يوفر لهم فرصا أعلى للعمل فالثانوية العامة لم تعد تقنع المؤسسات المعاصرة لاجتذاب مؤهليها للعمل في عصر تتزايد فيه الحاجة إلى الكوادر المؤهلة فنيا وتقنيا(22).

وبما أن مقاصد التعليم العالي مركزة في ثلاثة أشياء وهي نشر المعرفة وإجراء البحوث وخدمة المجتمع وعليه ينبغي التركيز على وضع ثمرات العلم في خدمة المؤسسات الإنتاجية وقطاعات المجتمع بشكل عام فان العلاقة بين القطاع الخاص ومؤسسات التعليم العالي علاقة قوية إذ لا غنى لإحداها عن الآخر فالقطاع الخاص محتاج إلى إمكانيات المؤسسات التعليمية لتزويده بالموارد البشرية المدربة والكفوءة ومؤسسات التعليم العالي بحاجة إلى فهم حاجات هذه القطاعات بصورة اكبر لتتمكن من تحقيق الأهداف المنوطة بتلك القطاعات والموائمة بين المقتضى الأكاديمي (العلم من اجل العلم) والمقتضى الذرائعي (العلم لخدمة أهداف تجارية وصناعية مرئية)...

وانطلاقا من مفهوم إذا كان القرن العشرون هو قرن الشهادات فان القرن الحادي والعشرين هو قرن الكفاءات فقد أصحبت الشركات والمؤسسات تعطي قدرا اكبر من الاهتمام للكفاءة والخبرة لدى منتسبيها، وعليه فان الممارسة والمهارة والخبرة العملية تعد اليوم أساسا لتقييم العاملين هذه العقلية المتغيرة والمتطورة التي يفكر بها القطاع الخاص هي التي حتمتها في الواقع ظروف ومتغيرات السوق والعولمة والتنافس والحاجة إلى البقاء(23).

فللقطاع الخاص وقطاع الأعمال بشكل عام نظرته إلى قضية مخرجات التعليم وحاجة سوق العمل من الأيدي العاملة الماهرة والمدربة، لاسيما وقد تردد أن رجال الأعمال يشكون من عدم توفر الأيدي العاملة الماهرة،  ومن أن مناهج التعليم لا تلبي احتياجات الأسواق من الأيدي العاملة(24).

وعليه فأن وزارة التربية والتعليم لا تستطيع وحدها تحقيق معادلة ربط التعليم بسوق العمل، فلابد من إشراك كافة شرائح المجتمع في العملية، لأن مؤسسات المجتمع وعالم العمل شركاء أساسيون في أداء مهمة التربية والتعليم، وعليهم جميعا التعاون وتنسيق الجهود في إعداد الأجيال لمختلف الأدوار والأعمال التي تتطلبها عملية التنمية بكافة جوانبها وأبعادها المختلفة... بغية تحقيق تنمية اقتصادية وبشرية شاملة وناجحة.

ولابد من تغيير مناهج وبرامج التعليم والتدريب، والتركيز على تكنولوجيا المعلومات كأساس، بحيث تتماشى مع المتغيرات العالمية والثورة التكنولوجية التي نواجهها في القرن الحادي والعشرين، وتتلاءم مع احتياجات سوق العمل من المهن والتخصصات العلمية المختلفة(25).

 

ð         رابعاً : إستراتيجية التعليم في العراق وسبل تحقيق التنمية الشاملة المستدامة

إن واقع التعليم في العراق بمؤسساته التعليمية المختلفة و بإيجابياته وسلبياته يتطلب الارتقاء بـ(التعليم والتدريب)، بما يمكنه من خدمه المجتمع وتقدم البلد ومواكبة مسيرة التطور في العالم المتقدم بعد سنوات من العزلة.

إن تجديد النظام التعليمي أمر لا غنى عنه لجعل العراق بلدًا مزدهرًا وناجحًا ومسالمًا، وظهور عراق من هذا النوع سيسهم بصورة نشطة في ميادين العلوم والتكنولوجيا والاتصال والثقافة وسيعود بالخير على المنطقة ككل وعلى العالم بأسره، فالعراق يملك إمكانات ضخمة وموارد طبيعية هائلة يمكن أن تستثمر في التعليم والعلوم والثقافة،  وستؤتي مردودها في إثراء ثروة العراق المتمثلة في موارده البشرية(26).

إن العراق الذي كان سابقا يقدم لمواطنيه تعليما ابتدائيا شاملا أصبح يفتقر حتى لأساسيات العملية التعليمية، وأصبح  الأطفال يتركون المدارس بأعداد كبيرة من اجل العمل وكسب أموال تساعد أسرهم التي تعاني تحت وطأة عقوبات اقتصادية صارمة فرضتها الأمم المتحدة بسبب الغزو العراقي للكويت في العام 1990. وأصبح 67 في المائة فقط من أطفال العراق في سن السادسة يلتحق بالمدارس... وهذا يعني أن كل ثلاثة أطفال في سن السادسة في العراق يذهب اثنان فقط إلى المدرسة بعد أن كان أكثر من 90 في المائة من أطفال العراق يلتحقون بالمدارس عند الوصول لسن السادسة أواخر العام 1990 قبل فرض العقوبات(27).

جدول (3)

المؤشرات التعليمية في العراق

 

معدل الأمية % من15 فما فوق

معدل القيد الإجمالي للمراحل 1980

معدل القيد الإجمالي للمراحل 2001

1990

2002

الابتدائية

الثانوية

العليا

الابتدائية

الثانوية

العليا

ذكور

43

34

119.1

75.6

11.6

ð              *

111.4

ð              *

47.1

ð              *

17.5

إناث

67

76

107.4

37.7

5.6

ð              *

91.3

ð              *

29.1

ð              *

9.5

³

1.56

2.24

 

 

 

 

 

 

ª

 

 

0.90

0.82

0.50

0.62

0.48

0.52

مربع نص: ð    البيانات لعام 2000   
³   دليل المساواة بين الجنسين في الأمية
ª   دليل المساواة بين الجنسين في التعليم
 

 

 

 

              

المصدر: صندوق النقد الدولي، التقرير الاقتصادي العربي الموحد2004، أبو ظبي، أيلول، 2004، ص ص253-257.

ويقدر معدل الأمية من عمر15سنة فأكثر بـ %43 بين الذكور و67% بين الإناث عام 1990 أما في عام 2002 فقد انخفض المعدل للذكور إلى 34% وارتفع إلى 76% بين الإناث أما بالنسبة لدليل المساواة بين الجنسين في الأمية الذي يقيس معدل الأمية بين الإناث إلى معدل الأمية بين الذكور ويتضح فرق النسبة ففي عام 1990كان 1.56 بينما ارتفع إلى 2.24 عام 2002، لاحظ جدول (3)(28).

أما معدلات القيد الإجمالي للمراحل الثلاثة  فقد تراجعت عدا المرحلة العليا ونلاحظ الفرق بين الجنسين  حيث إن معدلات القيد الإجمالية للذكور هي أعلى من الإناث بصورة عامة،  ويبدو إن فجوة النوع الاجتماعي في مرحلة التعليم الابتدائي والثانوي قد انخفضت من0.90 و0.50 إلى 0.62 و0.48 على عكس المرحلة (الثالثة) العليا، أما دليل المساواة بين الجنسين في التعليم الذي يقيس القيد الإجمالي للإناث إلى معدل القيد الإجمالي للذكور عموما فهو يقدر بأكثر من 0.50 عدا مرحلة الثانوية عام 2001 فيقدر بـ 0.48 وكما هو موضح في جدول (3).

وبعد أن كان النظام التعليمي في العراق من أكثر النظم تقدمًا في العالم العربي قبل عام 1990، بيد أن هذا النظام تدهور تدهورًا كبيرًا نتيجة الحروب التي تورط فيها النظام السابق وما أعقبها من فرض عقوبات دولية على البلاد مما أدخلها في دائرة الإهمال والانعزال وأورث مشكلات ضخمة ما زالت البلاد تعانيها في الوقت الحالي، وقد تفاقمت الأوضاع نتيجة أعمال التدمير والنهب والتعطيل لمؤسسات الدولة، والتي وقعت منذ شهر مارس 2003م في أعقاب سقوط العاصمة بغداد وانهيار النظام السياسي ودخول القوات الأمريكية والبريطانية للبلاد.

وسنعرض النظام التعليمي القائم حتى الآن في العراق ـ والذي يشابه كثيرًا مثيله في معظم الدول العربية ـ والذي نتوقع أن لا يتغير في هيكله العام في المدى القريب لاستقراره منذ زمن طويل ومسايرته مع برامج التعليم العالمية التي تدعو لزيادة مرحلة التعليم الأساسي الإلزامي لأطول مدة ممكنة وتناغمه مع برامج «التعليم للجميع» التي تتخذها منظمة اليونيسكو شعارًا عالميًا لها(29)، فمباني المدارس العراقية تحتاج لإصلاحات عاجلة، وأن نحو55% من المدارس لا تستطيع تقديم خدمة تعليمية جيدة بسبب الحالة المتداعية للمباني، وتظهر تقديرات وزارة التعليم العراقية إن ثمانية آلاف مدرسة تحتاج إصلاحات إنشائية وان هناك حاجة لبناء خمسة آلاف مدرسة جديدة.

وتعمل بعض المدارس وقتين أو ثلاث أوقات يوميا لاستيعاب التلاميذ،  و إن نقص المياه وسوء حالة الصرف الصحي وعدم توفر معدات مناسبة وقلة عدد المدرسين كلها عوامل تساهم في تزايد معدلات التسرب من التعليم، وتتراجع كفاءة التدريس بسبب تكدس الفصول وغياب صيانة ونقص الكتب المدرسية وأدوات الكتابة والورق، وان هناك حاجة أيضا لأموال لتمويل أغراض مثل تدريب المدرسين، وينفق صندوق الأمم المتحدة للطفولة بعضا من أمواله الخاصة لسد بعض العجز، وتحاول اليونيسيف مع منظمات إغاثة أخرى الحد من تسرب التلاميذ من التعليم والمساعدة في تمويل إصلاح المباني المتداعية وتوفير مستلزمات وكتب دراسية جديدة(30).

بالنسبة لهيكل النظام التعليمي فتمتد الدورة التعليمية الرسمية في العراق إلى12 سنة منها 6 سنوات إلزامية لمرحلة التعليم الابتدائي، الذي يبدأ من عمر ست سنوات، يتبعها 3 سنوات للمرحلة المتوسطة، ثم 3 سنوات لمرحلة التعليم الثانوي، الذي ينقسم إلى ثانوي عام علمي أو أدبي وثانوي مهني صناعي أو زراعي أو تجاري، وهناك أيضًا معهد المعلمين ومدة الدراسة فيه 5 سنوات بعد التعليم المتوسط.

 ويمكن للطلاب الذين ينهون المرحلة الثانوية ويحصلون على مؤهلات الحد الأدنى للمتابعة أن ينضموا مباشرة إلى الجامعات أو المعاهد الفنية التي تمتد الدراسة فيها لمدة أربع سنوات كحد أدنى، ويستطيع طلاب معهد المعلمين وكذلك طلاب الثانوي المهني بأنواعه الذين يحصلون على درجات ممتازة في الامتحانات النهائية أن يلتحقوا بالكليات والجامعات لمتابعة تعليمهم العالي.

أما التعليم غير الرسمي فيشمل مراكز محو الأمية، وقد أطلقت الدولة عام 1978م حملة شاملة للقضاء الإجباري على الأمية،  حيث توجب على كل مواطن في الفئة العمرية ما بين15سنة إلى45 سنة أن يلتحق بمراكز محو الأمية لإنهاء الصف الرابع من تعلم القراءة والكتابة والحساب.

 وكان نتيجة هذه الحملة أن انخفضت نسبة الأمية في الفئة العمرية من 15 سنة إلى45سنة من48% عام1978م إلى 9.19% في عام 1987م، وبسبب فعالية هذه الحملة منحت اليونيسكو خمس جوائز للعراق، وفي الوقت الحاضر،  تصل نسبة الذين يعرفون القراءة والكتابة من الرجال 71% ومن النساء 45%(31).

ويستأثر التعليم في العراق باهتمام كافة الطبقات على حد سواء لما يشكله من مصدر اطمئنان على مستقبل الأبناء وارتقاء بعقليتهم العلمية،  وهناك إقبال شديد على التعليم العالي من قبل الشباب الطموح، إلا إن هناك كارثة تنتظر التعليم الجامعي في بلاد الرافدين، وبسبب ازدياد أعداد الطلبة في الجامعات العراقية وبطريقة غير مدروسة فقد حدثت مشكلة عدم قدرة الدوائر الحكومية من استيعاب أعداد المتخرجين فضلا عن عدم وجود مشاريع اقتصادية يمكن أن تسهم في استيعاب الأعداد الهائلة من الخرجين الشباب وقد أدى ذلك إلى بلورة جديدة لصورة العمل،  حيث تقدمت بعض المهن والأعمال سلم الدرجات المهنية،  بينما تراجع البعض الآخر مما أدى إلى حدوث انفصال في بعض الأحيان، بين العمل المنتج، والحصول على الثروة بينما حدث العكس مع أشكال أخرى للعمل غير المنتج وغير الشريف وحدوث الصراع بين قيم العلم والثقافة والقيم المادية التي راحت تتفشى وتفرض نفسها لتحدد علاقة الفرد بالعمل،  ولعل أهم ما أفرزته هذه النقاط هو الصورة السلبية للتعليم والمهن التعليمية التي تحتل الأماكن الأخيرة في سلم اهتمامات الشباب بسبب المردودات الاقتصادية الضعيفة التي يحصلون عليها فيما بعد ولم يقتصر ذلك على الطلبة الجدد الذين يدخلون الجامعات اليوم بل تعدته لأساتذة الجامعات الذين خرجوا من العراق بعد أن وجدوا أنفسهم أمام خيارات ترك المهنة التعليمية والعمل في مهن لا تناسب وضعهم الاجتماعي والأخلاقي، أو السفر والتغريب عن الوطن والأهل(32)، وتتضمن المشكلات والقضايا الكبرى لمؤسسات التعليم العالي ما يلي(33):

à   عدم كفاية البنية التحتية والتسهيلات، كالمختبرات والمكتبات.

à   عدم كفاية المعدات، في كليات الهندسة والعلوم والمعاهد الفنية.

à   الحاجة إلى إنشاء قنوات اتصال بين الكليات في العراق والجامعات  الأجنبية.

à   ضعف العلاقة بين التعليم العالي وخريجيه وسوق العمل.

à   الحاجة إلى مراجعة شاملة لأنظمة الإدارة للتعليم العالي،  بما في ذلك تكييف المناهج ومحتويات الفصول الدراسية لمواكبة تغيرات الحالة الاجتماعية والاقتصادية في البلاد، ويجب وضع خطة إستراتيجية للتأكد من أن الجامعات ستؤدي دور الوسيط في عملية التحول الديمقراطي، وضمان وصول الجميع إلى مواقعهم حسب جدارتهم،  ووفق أسس مهنية وليس أسس سياسية.

à   تخفيض الدعم الحكومي للطلبة، وتشجيع القطاعين العام والخاص على الاضطلاع بدورهم في دعم التعليم العالي، والتعجيل بإجراء مشروعات وإصلاحيات اقتصادية لتخفيف الضغوط التي يعيشها المجتمع وتؤثر في تطوره العلمي.

ولابد من تبني إستراتيجية جديدة لتنمية القوى البشرية تقوم على تطوير مؤسسات التعليم والتدريب وعلى التزام قوي بالاستثمار الكافي والمستدام في تنمية الموارد البشرية،  ولا شك أن هناك حاجة ماسة الآن لبرنامج تأهيل وإعادة بناء للمعاهد والمرافق اللازمة لتقديم التعليم غير الرسمي وتشجيع الأميين على الانخراط في برامج معرفة القراءة والكتابة خاصة وقد فات البلاد الكثير بسبب الظروف التي مرت بها،  حتى إن الأمية أصبحت منتشرة لا بين الكبار ولكن بين من هم في سن التعلم والدراسة بسبب ارتفاع نسب التسرب من التعليم وتدهور الظروف الاقتصادية بسبب الحروب المتكررة التي ضيعت ثروات البلاد(34).

ولابد من تحقيق الموازنة بين مخرجات التعليم والاحتياجات الفعلية للاقتصاد مع إعطاء دور اكبر للقطاع الخاص للمشاركة في البرامج التعليمية والتدريبية التأهيلية للموارد البشرية، وان الإستراتيجية الجديدة بالتأكيد ستواجه تحديًا كبيرًا وصعوبات في تطوير مؤسسات ومناهج التعليم والتي تسهم بشكل كبير في تمكين القوى البشرية وتحقيق تنمية شاملة مستدامة في العراق.

 

ð         خامساً: الاستنتاجات والمقترحات

الاستنتاجات

1- إن التعليم وارتفاع المستوى التعليمي للسكان يساعد على توسيع الخيارات والقدرات التي تمكن الإنسان من ممارسة حقوقه الاقتصادية والاجتماعية إذ يمثل التعليم الأساس في التنمية الاجتماعية والاقتصادية .

2- إن ضعف الاستثمار في التعليم والتدريب وانخفاض نسبة الإنفاق على التعليم من الناتج المحلي الإجمالي وبطء تزايد عدد المؤسسات التعليمية والتدريبية يؤدي إلى انخفاض مستوى التعليم ورداءته وبالتالي انخفاض الإنتاجية وتزايد الفقر وضعف معدلات النمو الاقتصادي، فهو استثمار (التعليم)  له عائد اقتصادي واجتماعي وثقافي وسياسي.

3-وبناء على ما سبق فان ما يزيد من تحديات العملية التنموية هو تسرب الأطفال من المدارس وتفشي الأمية بين الكبار أضف إلى ذلك التفرقة بين الجنسين (النوع الاجتماعي) في التعليم.

4-إن نمو القطاع الخاص  يشكل القاطرة الرئيسية للنمو الاقتصادي ولتوليد فرص العمل،  و للوصول إلى التنمية الشاملة وان ضعف وتراجع قطاع التعليم الخاص هو ما يعكس ضعف اقتصاد المعرفة وعدم القدرة على استخدام التكنولوجيا الحديثة وبالتالي عدم قدرة البلد على المنافسة الاقتصادية.

5- إن ضعف الصلة بين المؤسسات التعليمية والمؤسسات المجتمعية وكذلك عدم ارتباط  التعليم والتدريب باحتياجات سوق العمل،  تؤدي إلى ضعف التنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة.

6- إن مؤسسات التعليم والتدريب في العراق  تتطلب الارتقاء فهي من الضعف بما لا يمكن أن يخدم المرحلة الحالية ويواكب التحولات والتغيرات السياسية والاقتصادي والاجتماعية الجديدة، ولا يوازي ما يملك من إمكانات ضخمة وموارد طبيعية هائلة يمكن أن تستثمر في مجال العلوم والثقافة، نتيجة ضعف مخرجات التعليم (النوعية والكمية) وعدم الموائمة مع احتياجات سوق العمل وضعف دور القطاع الخاص في البرامج التعليمية والتدريبية التأهيلية للموارد البشرية والاقتصادية.

المقترحات

1- بما إن أهمية التعليم  وخطورته تزايدت مع التقدم الحاصل في اقتصاد المعرفة لذلك لابد من اتخاذ إجراءات فورية وفاعلة لرفع كفاءة مؤسسات التعليم والمتعلمين ولابد من تعزيز قدرات البحث والتطوير في مجال التكنولوجيا لدعم قدرة البلاد على المنافسة والتوجه نحو اعتماد  الموارد البشرية المدربة والمؤهلة بعّدها ركيزة أساسية في عملية التنمية والعمل على تطويرها بهدف تلبية احتياجات القطاعات التنموية وتخطيط الاستثمار في التعليم على نحو متكامل لكافة مراحل التعليم والتدريب وعلى أن تتضمن عمليات التخطيط اعتبارات التنمية القائمة على مبدأ الاستدامة.

2- تكثيف الجهود لرفع معدلات النمو الاقتصادي واستخدام التكنولوجيا والارتقاء بمستوى التعليم حتى يتحقق النمو والتنمية الشاملة، وإطلاق طاقات المجتمع وتوظيفها في خدمة النمو والتنمية من خلال  إعادة النظر في  تنمية الموارد البشرية  ومؤسسات ومناهج التعليم وتشجيع القطاع الخاص على الاستثمار بقطاع التعليم، الأمر الذي سيؤثر إيجابا على النمو والازدهار و تعزيز القوه الاقتصادية حيث إن  تدهور مستوى التعليم يعدّ من الأسباب الرئيسة لفشل تحقيق التنمية المستدامة.

3- التركيز على جودة مخرجات مؤسسات التعليم والتدريب (النوعية والكمية) من خلال رفع مستوى الأداء والانجاز وتحديث مؤسسات  التعليم وتطوير البنى التحتية والمؤسسية للنظام التعليمي والاستمرار في تنمية الموارد البشرية وعلى أن يكون الهدف من العملية التعليمية هو تنمية الإنسان وتوسيع خياراته أولاً.

4- تبني إستراتيجية لتنمية مستدامة تهدف إلى توسيع قاعدة المتعلمين وتحقيق أعلى نسبة ممكنة من خلال  ضمان إلزامية التعليم ما قبل التعليم الجامعي لجميع من هم في سن التعليم و ضمان مجانيته،  وتمكين الأولاد والبنات من الالتحاق بجميع مستويات التعليم دون تمييز الذكور على الإناث.

5- ضرورة التفاعل بين مؤسسات التعليم والتدريب المختلفة والمؤسسات المجتمعية و القطاع الخاص بهدف رفع مستوى كفاءة المؤسسات التعليمة أولا وتلبية احتياجات القطاعات الأخرى من الكوادر البشرية والبحوث التطبيقية.

 

الهوامش والمصادر

1- البنك الدولي، الفقر، على موقع الانترنت http://www.albankaldawli.org                                   2- البنك الدولي، التعليم والتدريب، التعليم، على موقع الانترنت http://www.albankaldawli.org  \http://wbln0018.          worldbank.org                                                       3- القطاع الخاص له دور أساسي في :

الربط بين البرامج التربوية والاقتصادية لعلاج خلل تركيبة سوق العمل لتتماشى مع الثورة التكنولوجية  لا بديل عن تغيير مناهج التعليم ، صفحة من الانترنت بدون عنوان.

4- سالم توفيق النجفي، ابراهيم مراد الدعمة، التنمية البشرية والنمو الاقتصادي دراسة تحليلية، مجلة بحوث اقتصادية عربية، العدد26،  2001، ص73.

5- الطاهر لبيب، "التنمية الاجتماعية واتجاهات في البلدان العربية" مجلة المستقبل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية،  بيروت،  السنة 2000، 253 ، ص 47.

6- محمد مصطفى موسى، خطط تطوير التعليم حتى عام 2020 في دولة الامارات، جريدة البيان على موقع الانترنت http://www.alsaha.com

7- حمد الفحيلة، مخرجات التدريب لا نجد تفاعلا وظيفيا هل يمكن      تدريب الشباب إلى القطاع الخاص، جريدة الرياض، 26 ذو الحجة 1424 العدد 1304 السنة39، السعودية، على موقع الانترنت http://www.alriyadh.com

  8-  سوسن عثمان عبد اللطيف،  "التنمية المحلية،  القضايا الأساسية النماذج الحالات"، مكتبة عين الشمس، القاهرة، مصر، 1994، ص276.

 9- المصدر نفسه، ص274-275.

10-  لمزيد من التفاصيل انظر ، دغيم، احمد علي،  "الطريق إلى المعجزة الاقتصادية وتحول الدول النامية إلى دول متقدمة"، الشركة العربية للنشر والتوزيع، القاهرة، 1994، ص109-112.

 11- الشراكة مع القطاع الخاص محور مهم دعمه الألمان، 2005، عدد رقم1177،  صفحة من الانترنت بدون عنوان.

12- ألا سكوا، اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا، "آثار الفقر والبطالة على التنمية المستدامة في منطقة ألا سكوا" مؤتمر القمة العالمية للتنمية المستدامة، جوهانسبرغ، 26 أغسطس-4 سبتمبر، 2002،  18/2002// ESCWA /ENR E. الأمم المتحدة،  2002.

13- سالم توفيق النجفي، ابراهيم مراد الدعمة، مصدر سابق، ص73-74.

14- آندرو ناتسيوس، الصحة والتربية عنصران أساسيان في خطة المعونة الخارجية الجديدة، الوكالة الامريكية للتنمية الدولية، على موقع الانترنت                              http://www.usinfo.state.gov

15 – شريف دلاور، التحديات العشرة التي تواجه الاقتصاد المصري، على موقع الانترنت،                           http://www.cipe.org

16 ـ توصيات الفريق الرفيع المستوى التابع لشبكة عالمية الشباب، الشباب والبطالة، موقع الشبكة الفلسطينية لتشغيل الشباب، على موقع الانترنت                                   http://www.p-yen.net

17- تقرير الامين العام عن اعمال المنظمة 2003، الجمعية العامة، 26-اب-2003، على موقع الانترنت،           http://www.un.org

18- آندرو ناتسيوس،  مصدر سابق.

19- وفاء مطالقة،  التعليم العالي في الأردن انجازات وطموحات، ميدل ايست اونلاين، 14/3/2003، على موقع الانترنت http://www.middle-east-online.com                

20- نادر فرجاني،  رفعة العرب في صلاح الحكم في البلدان العربية،  مركز المشكاة، مصر، فبراير، 2000، على موقع الانترنت  http://www.almishkat.org

21- وفاء مطالقة،  مصدر سابق.

22- مصطفى المعمري، التعليم والتدريب أفضل استثمار عماني يجب ان يوجه في اعداد الانسان، ورقة عمل، غرفة تجارة وصناعة عمان، اويال، عمان، من الانترنت.

23- مصطفى المعمري، لابراز دور الحكومة في تحفيز القطاع الخاص للاستثمار في مجال التعليم العالي، راوية البوسعيدي ترعى افتتاح مشغل بعنوان (الشراكة والتعاون)، من الانترنت.

24- القطاع الخاص له دور أساسي ، مصدر سابق.

25- القطاع الخاص له دور أساسي، مصدر سابق.

26- احمد أبو زيد محمد،  التعليم في العراق،  المعرفة شهرية تربوية ثقافية، العدد 122 وجمادي الأولى 1426هـ على موقع الانترنت http://www.almarefah.com

27- اليونيسيف "انهيار نظام التعليم العراقي،  جريدة السفير، 15/6/2000 على موقع الانترنت         http://www.assafir.com

28- صندوق النقد الدولي، التقرير الاقتصادي العربي الموحد2004، ابو ظبي، أيلول، 2004.

29- احمد أبو زيد محمد،  مصدر سابق.

30 -اليونيسيف "انهيار نظام التعليم العراقي،  جريدة السفير، 15/6/2000 على موقع الانترنت         http://www.assafir.com

31- احمد أبو زيد محمد،  مصدر سابق. 

32-حسن السوداني، كي لاتتكر المأساة : ملاحظات عن التربية والتعليم في العراق على موقع الانترنت            http://www.inciraq.com

33- احمد أبو زيد محمد،  مصدر سابق. 

34- المصدر نفسه.

- Psacharopoulos George(1981)Returns to education:an updated international comparison.Comparative Education، p.329.

 World Bank،  world Development Report 2000/2001 world Bank، -

 Washington D.C.،  2000.

 

الموضـــــــــــــــــــــــــوع

رقم الصفحة

تقديم

5

الفصل الأول

 مؤشرات التنمية  الاقتصادية والاجتماعية في دول النمور الآسيوية

9

الفصل الثاني

البطالة في العراق :   الواقع  والانعكاسات

44

الفصل الثالث

الاستثمار في التعليم مدخل لدعم عملية التنمية الشاملة المستدامة

 

84

 

 

 

 

 

 

  

دعوة للمشاركة

 

 يسر مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية أن يعلن عن رغبته في التعاقد مع الباحثين من الأساتذة الأكاديميين وذوي الاختصاص وفقاً للآلية الآتية :

1.     يقدم الباحث طلباً لكتابة دراسة أو بحثاً في موضوع معين يتناسب وأهداف المركز مشفوعاً بملخص عن الموضوع .

2.     يلتزم المركز بالرد على الطلب خلال فترة أسبوعين من تاريخ تقديمه .

يتعهد المركز في حالة قبول طلب الباحث القيام بالأمور الآتية :

·         التعاقد مع الباحث بالشكل الذي يُتفق عليها لاحقاً .

·         يسعى المركز إلى تسهيل حصول الباحث على المصادر التي تعينه في كتابة بحثه مما يتوفر في مكتبة المركز أو على شبكة الانترنت .

3.     يلتزم الباحث بأتباع أساليب البحث المتفق عليه علمياً .

4.     بالنسبة إلى الدراسات المقدمة إلى المركز يجب أن لا تقل عدد صفحاتها عن (40) صفحة، أما البحوث فيجب أن لا تقل عن(15) صفحة وتكون مطبوعة بالكومبيوتر وترسل ثلاث نسخ بالإضافة إلى(CD) .

5.     تقدم الدراسة خلال مدة يُتفق عليها مع إدارة المركز لا تزيد بكل الأحوال عن ثلاثة أشهر، وشهرين بالنسبة للبحث.

6.     يُراعى في البحث أو الدراسة المقدمة الأمور الآتية:

·         أن لا تكون الدراسة أو البحث قد نشر سابقاً أو قدم للنشر في مكان آخر.

·         تكتب أسماء الباحثين وعناوين وظائفهم ودرجتهم العلمية.

·         يُقدم ملخص للبحث أو الدراسة باللغة العربية وباللغة الإنكليزية.

7.     يكون من حق المركز حصراً نشر وتوزيع البحث أو الدراسة وبكافة طبعاته.

8.     تقدم طلبات البحوث والدراسات في مقر المركز، أو للبريد الالكتروني للمركز أو البريد الخاص بمدير المركز.

9.      يؤّمن الباحث طريقة الاتصال المناسبة مع إدارة المركز.

 

طُبعت بمطبعة مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية

العنوان: العراق – كربلاء المقدسة- حي الضباط  مقابل جامعة كربلاء

هواتف مدير المركز

07702756305

07801021563

07903453517

www.fcdrs.com

ahmedbahid@yahoo.com

 

2006

 

| © جميع الحقوق محفوظة لمركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية1427هـ/ 2006م