الفصل الأول


مؤشرات التنمية الاقتصادية والاجتماعية في دول النمور الآسيوية


(ماليزيا وكوريا الجنوبية نموذجاً مع الإشارة إلى العراق )




د.حاكم محسن محمد *

* عميد كلية الإدارة والاقتصاد / جامعة كربلاء
تمهيد
تعد التنمية هدفاً تسعى إليه جميع الدول التي لم تصل إلى مرحلة التنمية وبمعنى آخر التنمية هدف الدول المتخلفة سعياً للوصول إلى مراحل متقدمة، وقد اختلفت الدول الآسيوية في مستوى الوصول إلى التنمية، فالبعض منها تجاوز مرحلة التنمية وأصبحت دولاً تعد بالمقياس المعتدل دولاً متقدمة وقد ساعدت على ذلك عدة عوامل سهلت الوصول إلى هذا المستوى، ومن بين هذه الدول دول جنوب شرقي آسيا، التي أطلق عليها مصطلح (النمور) للقفزات التنموية التي وصلت إليها، وبما إن الاستفادة من التجارب التنموية لبعض الدول هي حق مشروع وهي تعبير عن سعة الأفق الفكري والذهني لمتخذي القرارات على رأس هذه السلطة بعدها صاحبة القرارات الفاعلة في ميدان التنمية، وفقاً لذلك فأنه من المفيد استعراض هذه التجارب التنموية لدول النمور الآسيوية التي نعمت باستقرار سياسي وحققت تقدماً اقتصادياً أصبح موضع اهتمام العالم حتى أصبح يطلق عليها (النمور) ومدى إمكانية الاستفادة منها في وضع صورة لهذا التطور التنموي للاقتصاد العراقي الذي تعرض لحروب عدة وآخرها الاحتلال الأمريكي البريطاني الذي حطم الهياكل الارتكازية للبلد وأصبحت الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا دولتين محتلتين للعراق أساءتا استخدام القوة ضد شعب اعزل وسيطرت على موارده النفطية، وقد جاء هذا البحث ليستعرض تجربة دولتين من دول النمور هما: (ماليزيا وكوريا الجنوبية) موضحاً مؤشرات التنمية الاقتصادية والاجتماعية في هاتين الدولتين والمقومات التي ساعدت في وصولهما إلى مستوى متقدم من التنمية، وخلص البحث إلى مجموعة من الاستنتاجات والتوصيات.
أولاً:
أ- مشكلة البحث :
يعد العراق واحداً من الدول الغنية بالنفط إضافة إلى كونه بلداً زراعياً وفيه نهران تميز عن دول العالم في ذلك، ولكن فقدان مقومات التنمية جعلته بلداً يعد ضمن إحصائيات الأمم المتحدة من الدول الفقيرة إضافة إلى سوء إدارة الأموال والاستثمارات وغياب الديمقراطية خلال المدة السابقة مما جعل القرار السياسي قراراً منفرداً واثر ذلك بشكل سلبي على القرارات الاقتصادية.
ب- هدف البحث :
يسعى البحث إلى إبراز أهم مؤشرات التنمية في دولتين من دول النمور الآسيوية والتعرف على المقومات التي ساعدت هذه الدول للوصول إلى مستوى متقدم من التنمية وإمكانية الاستفادة منها في صياغة سياسة اقتصادية ذات أثار ايجابية على المجتمع العراقي.


ج- فرضية البحث :
يقوم البحث على فرضية أساسية مفادها (يعد توفر مقومات التنمية الاقتصادية والاجتماعية الفاعلة، إضافة إلى الموارد الاقتصادية،من ابرز عوامل النجاح للتنمية).
ثانياً: مفهوم التنمية الاقتصادية ونظرياتها
أ- مفهوم التنمية الاقتصادية :
تعرف التنمية الاقتصادية بأنها الانتقال من وضع اقتصادي معين إلى آخر أفضل من سابقه وتجعل اقتصاد الدولة قادراً على التحرك والنمو والتطور ومواجهة تحديات العولمة وأنشطة الشركات متعددة الجنسية (بينايون، 2002، ص125-129).
وتتضمن التنمية الاقتصادية تغيرات أساسية في الهيكل الاقتصادي إضافة إلى ارتفاع نصيب الفرد من الدخل واهم متغيرين أساسيين في الهيكل الاقتصادي هما ارتفاع مساهمة القطاع الصناعي من الناتج يقابله انخفاض في مساهمة القطاع الزراعي وتزايد نسبة سكان المدن قياساً بسكان الريف والعنصر الثالث هو أن يكون لسكان الدول المساهمة الأكبر في عملية التنمية الاقتصادية ومقابل هذه المساهمة التمتع من قبل السكان بمنافع التنمية ولا تقف التنمية عند ارتفاع دخل الفرد وإنما يتطلع الناس في أي دولة تنهج التنمية إلى تحسين أحوالهم الصحية والتعليمية والتمتع بكافة أنواع الخدمات ( رومير وجراس، 1995،ص31-36).
ونعتقد أن تصور المساهمة على القطاع الصناعي في التنمية تصور في تعريف ومفهوم التنمية إذ إن المساهمة للقطاعين الصناعي والزراعي معاً في التنمية الاقتصادية والاجتماعية دليل على التنمية المتوازنة الصحيحة لاسيما إن نوع القوى العاملة في القطاعين تختلف من حيث المهارات والقدرات وبالتالي ما يحتاجه القطاع الصناعي من مهارة تختلف عن ما يتطلبه القطاع الزراعي، وتحتاج التنمية الاقتصادية إلى استقلال سياسي واقتصادي للدولة وفك ارتباطها بدول قد تعمل على تسيير حكومات هذه الدول وتحتاج إلى دعم حكومي وشعبي يسهل تحقيق مقاصدها التنموية.
ب- نظريات التنمية
عرض الاقتصاديون عدة نظريات وابرز هذه النظريات:
1- نظرية الدفعة القوية (Theory of the Big Push)
جاءت هذه النظرية ردا على الأسلوب التدرجي في التنمية بعده أسلوبا غير مضمون النجاح ويبرر مؤيدو هذه النظرية تمسكهم بالنظرية ذات الدفعة القوية بعدم قابلية دوال الإنتاج والطلب والادخار والجهد الإنمائي للتجزئة إضافة إلى عدم إمكانية التخصيص في دالة الهدف حتى على مستوى نظرية التوازن الساكن ولذلك يتطلب تحليل نظرية الدفعة القوية تحليل الركائز التالية للنظرية:
1) الحد الأدنى من الاستثمار تحليلا ضمن إطار عدم قابلية عرض الادخارات للتجزئة0
2) معدل النمو الاقتصادي متغير تابع لمتغير الناتج وبالتالي فهو متغير تابع لرأس المال ومعامل رأس المال والذي بدوره يؤشر مستوى الإنتاجية0
2- نظرية النمو المتوازن والنمو اللامتوزان :
(The theory of Bul and un Balandced Growth)
أن النمو المتوازن يركز على توجيه الاستثمار إلى جبهة عريضة من الصناعات المتكاملة بينما يرى النمو غير المتوازن إن تركيز الاستثمار في عدد محدود من النقاط الأساسية أو الارتكازية في الاقتصاد القومي ورغم ما يشاع عن انفصال وتناقض النظريتين إلا إن فيهما كثير من السمات والعناصر المشتركة، إذ تستخدم كل منهما الموفورات الخارجية وقد نادى كثير من الاقتصاديين بضرورة سيادة التخطيط كإطار للتنمية وان فعالية هاتين النظريتين لا تتم إلا إذا ساد التخطيط كأسلوب للتنمية0
3- نظرية أقطاب (مراكز) النمو Theory of Grouth Poles تركز هذه النظرية على قطب أو مركز (صناعة) معين بعد هذه الصناعة رائجة ولها سوق رائج وتتمتع بقدرة وسيطرة متميزة وان مركز النمو لا يتحدد بالصناعة المحركة وإنما يجب عليه أن يلعب دور المسيطر على المجال المحيط به ولذلك فان كلمة مركز النمو تدخل بشكل عام على مجال واسع أو ضيق ويجب كذلك أن يكون مركز النمو باستطاعته إحداث تغيرات هيكلية في مختلف القطاعات الأخرى وذلك من خلال التأثير على الإنتاجية لهذا القطاع وإنما اختياره يتأثر بالثروات الطبيعية في البلد وحجم الوحدات المنتجة والطلب الداخلي والخارجي على حد سواء0
4- نظرية التغيرات الهيكلية (ructural Change theory)
تركز نظرية التغيرات الهيكلية على الآلية التي بواسطتها تستطيع الاقتصاديات المتخلفة نقل هياكلها الاقتصادية الداخلية من هياكل تعتمد بشدة على الزراعة التقليدية عند مستوى الكفاف إلى اقتصاد أكثر حداثة وتحضر وأكثر تنوع ولاسيما باعتماد الصناعات التحويلية والخدمات وتستخدم هذه النظرية أدوات النظرية الكلاسيكية المخزنة كالسعر وتخصيص الموارد وكذلك تستخدم القياس الاقتصادي الحديث لعرض الكيفية التي تتخذ عملية التحول موقعها وهناك أسلوبان هما نموذج الاقتصادي لويس والموسوم قطاعان بفيض عمل والتحليل التجريبي أنماط التنمية (النجار وشلاس،8991 ص203-271)0
ثالثاً: الموارد الاقتصادية Economic Resourceses
تعتمد بعض الدول في جنوب شرقي آسيا باستقرار سياسي وحققت تقدماً اقتصادياً أصبح موضع اهتمام دول العالم حتى أطلق عليها اسم النمور، وشاع استخدام هذا المصطلح وتعني كلمة النمور معدلات غير مألوفة تصل فيها إلى 10% في السنة وهذا يعني إن هذه الدول حققت نقله نوعية يشار إليها (المياح، 1999، ص48).
رغم إن مواردها الاقتصادية لا تصل إلى ما لدى العراق من موارد بالمقارنة الاعتيادية.
أ- ماليزيا :
يبلغ عدد سكان ماليزيا (22.63) مليون نسمة ومساحتها (239.744)كم2 وتقع في قلب جنوب شرق آسيا شمال خط الاستواء وتتكون من جزأين، الجزء الشرقي ويضم جزيرتي صاح وسارواك والجزء الغربي هو شبه جزيرة الملايو ويطل الجزءان على بحر الصين الجنوبي، كما يحيط بالجزء الغربي مضيق ملقا من الغرب ولها حدود مع ثلاث دول يحد الجزء الغربي من الشمال تايلند ومن الجنوب سنغافورة، أما الجزء الشرقي فيحده من الجنوب اندونيسيا، أما أهم منتجاتها الزراعية (المطاط والزيوت والأخشاب والكاكاو والتوابل والرز) وشملت منتجاتها الصناعية (الصلب، تجميع وسائط النقل، السلع المطاطية والأسمدة) أما الموارد الطبيعية فهي القصدير في المقدمة والنفط بالدرجة الثانية ثم النحاس والأخشاب والمطاط الطبيعي وابرز صادراتها المطاط والقصدير والأخشاب والزيوت والمكائن ومعدات النقل أما الاستيرادات فهي تشمل المكائن ومعدات النقل والمواد الكيمياوية والسلع المصنعة والمواد الغذائية، لها علاقات دولية مع مختلف دول العالم وتستورد النفط من السعودية وإيران ومن الكويت ولغاية 1988 لم تتجاوز قوتها العسكرية (110) ألف فرد منها (90)ألف قوة برية و(9) ألف قوة بحرية وقواتها الجوية (11)ألف لديها حوالي (70) طائرة مقاتلة.
ب- كوريا الجنوبية
تبلغ مساحة كوريا الجنوبية (98.859) كم2 وعدد سكانها (47.34) مليون نسمة، وتقع في شمال قارة آسيا وتشكل الجزء الجنوبي من شبة جزيرة كوريا، وتطل على البحر الأصفر من الغرب وبحر اليابان من الشرق شمال خط الاستواء ولها حدود مع دولة واحدة هي كوريا الشمالية، واهم منتجاتها الزراعية هي الرز والقمح والشعير والتبغ والخضروات، أما المنتجات الصناعية فهي تشمل المنسوجات، الألبسة، مواد غذائية مصنعة، أسمدة كيماوية، المواد الكيماوية والخشب المضغوط والفحم ومواد الأجهزة الاليكترونية والفولاذ وأخيرا السيارات وابرز موادها الطبيعية هي التنجستون والفلورايت والكرافيت وابرز صادراتها السيارات والسفن والمنسوجات والمكائن والمعدات الكهربائية والأخشاب والصناعات الجلدية واهم الاستيرادات هي النفط والحديد والأخشاب والمواد الغذائية والكيمياويات والمعادن أما قدراتها العسكرية، فان عدد قواتها العسكرية يتجاوز (601.000)ألف فرد منها (520)ألف قوات برية و(25) ألف بحرية وقواتها الجوية يتجاوز (35) ألف فرد ولديها ما يقارب (500) طائرة حربية ومعظم سلاحها من الولايات المتحدة الأمريكية ولديها مفاعلات نووية تتجاوز 7 مفاعلات لغاية عام 1986 والسبب في ذلك خلافها مع كوريا الشمالية ذات النظام الماركسي.
ج- العراق :
تبلغ مساحة العراق ما يقارب (443.000) ألف كم2 وهي ضعف مساحة ماليزيا تقريباً وتتجاوز أربعة أضعاف مساحة كوريا الجنوبية ويقع العراق في الجزء الشمالي الشرقي للوطن العربي وله حدود مع تركيا شمالاً والسعودية والخليج العربي جنوباً وإيران شرقاً وسوريا والأردن غرباً واهم المنتجات الزراعية هي الحبوب والخضروات والفاكهة وأبرزها النخيل والقطن والتبغ والتنباك ويوجد في العراق (48) مليون دونم صالحة للزراعة فضلا عن الثروة الحيوانية التي تشتمل على الماشية والأغنام والدواجن وخلايا النحل وتربية الأسماك، أما الثروة المعدنية، فان النفط يعد من ابرز الثروات المعدنية والغاز الطبيعي والكبريت فضلا عن المعادن الأخرى ويعد العراق مالك ثاني اكبر احتياطي للنفط في العالم وربما سيكون الأول إذا ما أضيفت إليه اكتشافات جديدة لم يتم البدء بتنفيذها بسبب إخفاقات الحكومة السابقة في إدارة اقتصاديات البلاد وانشغالها في حروب أنهكت البلد وقوضت معالم التنمية فيه وأعاده الاحتلال إلى عشرات السنين الغابرة ولكن الموارد متوفرة إذا ما توفرت له حكومة وطنية مخلصة تدعم مسار التنمية الوطنية في مجالاتها المختلفة (المتوازنة) والمستديمة.

رابعاً : المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية
1- الدخل القومي الإجمالي (Gross National Income )
يعد الدخل القومي الإجمالي واحداً من ابرز المؤشرات المعبرة عن التنمية الاقتصادية والاجتماعية رغم إن هذا المؤشر لا يعبر بشكل سليم عن العدالة الاجتماعية للتوزيع وذلك لاختلاف نصيب الأفراد من هذا الدخل، إذ يرتفع هذا المستوى لدى بعض الأفراد والفئات الاجتماعية وينخفض لأخرى ولكنه معبر عن مستوى الدولة ويكشف الجدول رقم (1) إن متوسط الدخل خلال مدة البحث البالغة أربعة عشر سنة بلغ (200.855) مليار دولار ولكن أعلى مستوى بلغ سنة 2000 إذ كان (313.248) مليار دولار في حين انخفض سنة 2001 إلى (308.966) مليار دولار لدولة ماليزيا وبلغ معدل النمو 10.49% وهو معدل جيد وقبول ورغم ذلك فان هذا المعدل يقل عن معدل النمو في جمهورية كوريا الجنوبية إذ كان 16.49% وبمتوسط دخل للمدة (338.546) مليار دولار وأعلى مستوى كان سنة 2001 وأدنى مستوى سنة 1988 في حين كانت أعلى نسبة نمو في كوريا الجنوبية سنة 1992 وبلغت (29.1% ) في حين كانت أعلى نسبة نمو لماليزيا سنة 1993 وكانت (14.9% ) ويعبر ذلك عن مستوى الانتعاش الاقتصادي لهاتين الدولتين في السنوات الأدنى من التسعينات.
جدول رقم(1)
الدخل القومي الإجمالي (GNI)
للسنوات 1988-2001 ( مليار دولار )
السنة ماليزيا نسبة النمو% كوريا الجنوبية نسبة النمو %
1988 87.286 14.7 131.061 19.6
1989 99.330 13.7 147.770 12.7
1990 112.017 14.8 178.628 20.9
1991 128.324 12.5 216.303 21.1
1992 142.676 11.2 245.388 29.1
1993 163.928 14.9 277.108 12.9
1994 186.049 13.5 322.812 16.5
1995 212.095 14.0 376.316 16.6
1996 241.931 14،1 417.108 10.8
1997 266.699 10،2 450.853 33.7
1998 267.922 4،6 436.598 14.2
1999 279.878 4،4 476.598 9.2
2000 313.248 11،9 519.227 8.9
2001 308.966 1،40 543.875 4.6
المتوسط 200.855 10،94 338.546 16.49
International financial statistics ,Your book Washinting ton ,USA , 2002
• لكن الشائع بين الاقتصاديين إن هذا المؤشر اقل المؤشرات والمعايير الإحصائية قبولاً سواء كان للمقارنة بين مستوى النمو الاقتصادي داخل البلد أم للمقارنة بين مستويات الدخول في دول مختلفة، إذ تعد الدول الأكبر في مستوى أو معدل النمو متقدمة قياساً بقريناتها (التجار وشلاش،1991، ص93).
2- معدل دخل الفرد :
يعرض الجدول رقم (2) معدل دخل الفرد في كل من دولتي ماليزيا وكوريا الجنوبية ففي سنة 1988 بلغ دخل الفرد الماليزي (5.153) ألف دولار آخذاً بالارتفاع إلى أن وصل أعلى مستوياته لعام 2001 إذ بلغ (13.653) ألف دولار وبمتوسط نمو 7.9% للمدة في حين بلغ أعلى نسبة نمو (11.9%) لسنة 1988 عن سنة 1987 وذلك لانخفاض دخل الفرد في هذه السنة أما دخل الفرد في كوريا الجنوبية فقد بلغ (3.118) ألف دولار لسنة 1988 ثم اخذ بالارتفاع حتى وصل أعلى مستوياته سنة 2001 أيضاً إذ كان (11.489) ألف دولار وبمتوسط نمو (11.9%) وكانت أعلى نسبة نمو بلغت (15.4%) سنة 1995، وتعد هذه المعدلات جيدة إذا ما قيست بمعدلات دخل الفرد في الدول العربية وبعض الدول الآسيوية الأخرى عدا الدول النفطية التي يعد النفط المصدر الرئيسي للثروة فيها، وقد جاء هذا التحسن بفضل النمو الاقتصادي وهو المؤشر الذي ركزت عليه كثير من الأنشطة الإنمائية الوطنية وبما ينسجم مع توجهات السياسيين والاقتصاديين الأمر الذي أدى إلى تجاهل الجانب البشري للتنمية ولذلك اخذ هذا الاتجاه في السنوات الأخيرة بالاهتمام،(يوسف،2000،ص70-71) ويعود سبب انخفاض معدل دخل الفرد في كوريا الجنوبية إلى زيادة عدد سكانها .
جدول رقم(2)
معدل دخل الفرد(ألف دولار)
للسنوات 1988-2001
السنة ماليزيا نسبة النمو% كوريا الجنوبية نسبة النمو %
1988 5.153 11.9 3.118 18.4
1989 5.625 9.2 3.481 11.6
1990 6.299 12.00 4.167 19.7
1991 6.918 9.8 4.995 19.9
1992 7.493 8.3 5.609 12.3
1993 8.381 11.9 6.271 11.8
1994 9.252 10.4 7.231 15.3
1995 10.261 10.9 8.346 15.4
1996 11.428 11.4 9.159 9.7
1997 12.313 7.7 9.803 7.0
1998 12.079 1.9 9.404 4.1
1999 12.324 2.00 10.171 8.2
2000 13.461 9.2 10.984 8.0
2001 13.653 1.4 11.489 4.6
المتوسط 9.617 7.9 7.445 11.9
المصدر: إعداد الباحث بالاعتماد على الجدول(1)
3- الناتج المحلي الإجمالي (GDP ) :
الناتج المحلي الإجمالي (GDP) لأي دولة يعبر في مستواه عن درجة التقدم الاقتصادي الذي وصلت إليه تلك الدولة ولتحقيق مستوى معين من الإنتاج بدءً لا بد من مقومات لهذا الإنتاج وبمعنى آخر توفر عوامل الإنتاج وابرز هذه العوامل رأس المال هذا العامل الذي يتسم بالقدرة في الدول النامية عموماً عدا بعضها التي تعتمد على النفط كمورد رئيسي للمال، ومن العوامل الأخرى هي الأرض، العمل، الإدارة الكفوءة، وبوجود هذه العوامل يمكن أن يكون هناك إنتاج زراعي أو صناعي بعد توفر الخبرة أو الاستعانة بالغير وفي حدود سيادة البلد ومن خلال ما يكشف عنه الجدول رقم (3) يتضح إن متوسط الإنتاج المحلي الإجمالي بلغ للمدة 1988-2001 ما مقداره(154.778) مليار دولار لدولة ماليزيا وتجاوز ضعف هذا المتوسط لكوريا الجنوبية إذ بلغ (356.985) مليار دولار رغم إن معدل النمو للإنتاج في ماليزيا بلغ (8.22%) في حين كان في كوريا الجنوبية ( 6.44) وكلا المعدلين مقبولين لهاتين الدولتين الآسيويتين. وكان لذلك مقومات ساعدت على بلوغ هذا المستوى من النمو رغم بعض المشاكل والسلبيات التي سيتم التطرق إليها في نهاية البحث وكانت نسب النمو على مستوى السنوات متفاوتة وكانت أعلى نسبة نمو حققتها ماليزيا بلغت هي (10%) سنة 1996 في حين بلغت أعلى نسبة نمو للإنتاج الكوري الجنوبي (10.89%) لسنة 1999.
جدول رقم(3)
الناتج المحلي الإجمالي (GDP)
للسنوات 1988-2001 (مليار دولار )
السنة ماليزيا نسبة النمو% كوريا الجنوبية نسبة النمو %
1988 89.143 9.94 227،864 10،46
1989 97.218 9.10 241،726 6،08
1990 105.977 9.01 263،431 8،98
1991 116.093 9،55 287،738 9،23
1992 126.408 8،89 303،384 5،44
1993 138.916 9،89 320،044 5،49
1994 151.713 9،21 346،448 8،25
1995 166.625 9،83 377،350 8،92
1996 183.292 10،00 402،821 6،75
1997 196.714 7،32 423،007 5،01
1998 182.221 7،37 394،710 6،69
1999 192.794 5،80 437،709 10،89
2000 209.269 8،56 478،533 9،33
2001 210.480 0،57 493،026 3،03
المتوسط 154.778 8،22 356،985 6،44
International financial statistics ,Your book Washinting ton ,USA , 2002

4- نصيب الفرد الواحد من الناتج القومي الإجمالي:
يوضح الجدول رقم (4) نصيب الفرد الواحد من الناتج القومي الإجمالي، إذ يتضح إن هذا المؤشر في تطور مستمر وبمتوسط نمو للمدة بلغ (4،8%) لماليزيا و(5،6%) لكوريا الجنوبية وبمتوسط (7،798) و
(7،932) ألف دولار على التوالي، ويعد هذا المؤشر واحداً من ابرز المؤشرات المعبرة عن النمو الاقتصادي في هاتين الدولتين بعدها نموذجاً في دول النمور الآسيوية التي حققت نمواً ملحوظاً كان مثار إعجاب الآخرين ويرجع ذلك إلى بعض المقومات السياسية والاقتصادية التي ساعدت هذه الدول على تحقيق قفزات تنموية استحقت أن تسمى النمور الآسيوية وجدير بالإشارة إلى إن كوريا الجنوبية التي استمتعت بمعدل مرتفع للنمو الاقتصادي الأمر الذي أدى إلى تخفيض الفقر وإشباع الحاجات الأساسية وكان النمو الكوري الجنوبي على درجة عالية من العدالة قياساً ببقية الدول النامية، إذ لم تتركز الثروة في أيدي القلة (رومر وجراس،1995،ص155).





جدول رقم (4)
نصيب الفرد الواحد من الناتج المحلي الإجمالي
للسنوات 1988-2001(دولار)
السنة ماليزيا نسبة النمو% كوريا الجنوبية نسبة النمو %
1988 5،262 7،3 5،421 9،4
1989 5،505 4،6 5،694 5،0
1990 5،855 6،4 6،145 7،9
1991 6،259 6،9 6،645 8،1
1992 6،639 6،1 6،934 4،2
1993 7،102 7،0 7،242 4،4
1994 7،544 6،2 7،761 7،2
1995 8،061 6،9 8،369 7،8
1996 8،658 7،4 8،845 5،7
1997 9،082 4،9 9،616 8،7
1998 8،216 9،50 8،501 11،6
1999 8،489 3،3 9،341 9،9
2000 8،993 5،9 10،123 8،4
2001 9،301 3،4 10،415 2،9
المتوسط 7،798 4،8 7،932 5،6
المصدر: إعداد الباحث بالاعتماد على الجدول(3)

5- ميزان المدفوعات (Payment Balance )
يبين الجدول رقم (5) إن ميزان المدفوعات للدولتين (ماليزيا وكوريا الجنوبية) كان متأرجحاً خلال مدة البحث بين (سالب وموجب) ففي ماليزيا كانت السنوات 1990-1997 سالباً في حين كانت لسنة 1988 و1989 أفضل من السنوات التي تلتها واستمر بالسالب من عام 1990الى 1997 بينما كان هناك تحسن وذلك من سنة 1998 ولغاية 2000 إذ لم تتوفر إحصائية سنة 2001، أما كوريا الجنوبية فقد كان ميزان المدفوعات موجب لسنة 1988و1989 في حين كان سالباً للسنوات 1991-1993 ثم تحسن لعام 1994 بينما استمر بالسالب لغاية سنة 1998 إذ بدء بالتحسن موجباً ولغاية 2001 وربما يرجع هذا التحسن في بعض السنوات لميزان مدفوعات الدولتين إلى تدفق الاستثمارات الأجنبية، مما انعكس بآثار ايجابية على مستوى أداء الدولة ومما هو جدير بالإشارة إن زيادة الاستثمارات الأجنبية إذا كان استثماراً كفؤاً وفي حدود سيطرة الدولة يؤدي إلى أحداث تحسن في الإنتاج المحلي وزيادة الدخل أما إذا كانت الاستثمارات الأجنبية مستقلة تماماً وتعمل بحرية داخل البلد المضيف فقد تكون النتائج سلبية بشكل واضح وستنعكس بآثار سلبية على الناتج المحلي والدخل القومي تماماً.



جدول رقم (5)
ميزان المدفوعات ( مليار دولار )
للسنوات 1988-2001
السنة ماليزيا نسبة التغير% كوريا الجنوبية نسبة التغير%
1988 1،867 - 27،5 14،505 44،2
1989 315 - 83،1 5،360 - 63،05
1990 - 870 - 376،2 - 2،003 - 137،4
1991 - 4،183 - 99،5 - 8،317 315،2
1992 - 2،167 -0،52 - 3،944 - 52،3
1993 - 2،99 38 990 - 1251
1994 - 4،520 - 17،7 - 3،867 -100،4
1995 - 8،644 91،2 - 8،507 119،2
1996 - 4،462 - 48،4 - 23،006 170،4
1997 - 5،935 - 33 - 8،167 - 64،5
1998 9،529 - 260،7 40،365 - 594،2
1999 12،603 32،3 24،477 - 39،4
2000 8،409 -33،3 12،241 - 49،5
2001 ــــ ــــ 8،617 - 29،6
International financial statistics ,Your book Washinting ton ,USA , 2002


6- الميزان التجاري (Trade Balance)
1- ماليزيا : يبين الجدول (6) الميزان التجاري لدولة ماليزيا للمدة من 1988-2001 ويكشف إن الصادرات الماليزية فاقت الواردات لأغلب السنوات عدا السنوات 1991و1994و1995 و1997 محققاً متوسط نسبة نمو خلال مدة البحث بلغت 17،5% وفائضاً متوسطاً مقداره (19،499) مليار دولار وكان اعلى فائض للميزان التجاري لسنة 1999 إذ بلغ (75،348) مليار دولار و (68،474 ) مليار دولار لسنة 2000 و(61،491) مليار دولار لسنة 2001 وكان متوسط الفجوة لصالح الميزان التجاري (22،214%) أما نسبة نمو الواردات فقد بلغت (18،2%) خلال مدة البحث.
2- كوريا الجنوبية : أما كوريا الجنوبية فيوضح الجدول (7) الميزان التجاري لمدة البحث ومن خلال ملاحظة الجدول يتضح إن الفائض التجاري بلغ كمتوسط (6،543) مليون دولار وجاء هذا الفائض من السنوات 1999-2001 إذ حصل نمو في الصادرات تجاوزت الواردات ولذلك كان الفائض التجاري لصالحها إذ بلغ (59،817 ) مليون دولار لسنة 1998 و(33،1) مليون دولار لسنة 1999 ثم انخفض إلى (15،947) و(12،775) مليار دولار لسنتي 2000و2001 على التوالي.


جدول رقم (6)
الميزان التجاري /الصادرات والواردات / ماليزيا
للسنوات 1988-2001( مليار دولار )
السنة الصادرات نسبة النمو % الواردات نسبة النمو % الفجوة
الصادرات-لواردات
1988 61،348 20،3 51،920 30،6 9،428
1989 75،112 21،9 68،730 32،4 6،382
1990 88،675 18،1 86،241 25،5 2،434
1991 105،161 18،6 110،107 27،7 -4،946
1992 114،494 8،87 112،450 2،1 2،044
1993 135،896 18،7 136،068 -21،0 0،172
1994 174،255 28،2 177،389 30،4 - 3،134
1995 209،323 20،1 218،077 22،9 -8،754
1996 232،359 -11،0 228،842 4،9 3،517
1997 262،885 13،1 260،310 13،8 - 2،575
1998 327،836 23،2 265،536 -2،00 62،3
1999 364،861 12،7 289،514 -9،00 75،347
2000 427،004 -17،00 358،530 23،8 68،474
2001 389،256 - 8،8 327،765 -8،6 61،491
المتوسط 211،748 17،5 192،249 18،2 22،241
International financial statistics ,Your book Washinting ton ,USA , 2002


جدول رقم (7)
الميزان التجاري /الصادرات والواردات / كوريا الجنوبية
للسنوات 1988-2001( مليار دولار )
السنة الصادرات نسبة النمو% الواردات نسبة النمو % الفجوة

1988 49،853 13،4 39،972 22،6 9،881
1989 47،556 -4،6 44،295 10،8 3،261
1990 52،020 9،8 54،101 22،1 -2،081
1991 59،226 13،9 65،741 21،5 -6،515
1992 67،942 14،7 71،600 8،9 -3،658
1993 76،423 12،5 76،278 6،5 0،145
1994 89،986 17،8 93،688 22،8 -3،702
1995 113،972 26،6 119،534 27،6 -5،562
1996 123،468 8،3 140،659 17،7 -17،191
1997 157،413 27،5 162،031 15،2 -4،614
1998 220،961 40،4 161،144 - 0،55 59،817
1999 204،378 -7،5 171،278 6،3 33،1
2000 233،792 14،4 217،845 26،9 15،947
2001 233،857 2،8 221،052 1،5 12،775
المتوسط 123،632 13،6 117،087 15 6،543
المصدر: إعداد الباحث بالاعتماد على الجدول(6)


7- إجمالي تكوين رأس المال الثابت
(Estae gross of fixed capital)
إن تكوين رأس المال الثابت لا يقتصر على قطاع دون آخر فمن حيث الملكية لا يقتصر على قطاع عام أو قطاع مختلط أو خاص وإنما هو مساهمات جميع هذه القطاعات وسواء كان ذلك في القطاع الصناعي أم الزراعي أم التجاري أم قطاع الإسكان.
وفي كل الأحوال يعد مساهمة جادة وحقيقية في مجال التنمية الاقتصادية والاجتماعية إذ تلعب الاستثمارات أهمية خاصة في تطوير بنية التكوين الرأسمالي(خوري،1999، ص262-265) وزيادة الإنتاجية لوحدة رأس المال وإنتاجية العمل ورفع مستوى الطاقات الإنتاجية لحجم الاستثمار.
وان الجزء المهم من رأس المال الثابت هو المتعلق بوسائل الإنتاج وهو الجزء الذي يعول عليه في زيادة قيمة الأشياء التي تدخل في الصناعة، وذلك بعد تحولها من حالتها الأولية إلى الحالة الجديدة التي تجعل منها سلعة جاهزة للاستخدام (ماركس،1867، ص282-283).
مما ينعكس بشكل ايجابي على الكفاية الإنتاجية للدولة، ويكشف الجدول رقم (7) رأس المال الثابت للدولتين، وكانت ماليزيا قد حققت أعلى مستوى لرأس المال الثابت في سنة 1997 إذ بلغ ( 121،494 ) مليار دولار بمتوسط مدة (70،127) مليار وأدنى مستوياته كان عام 1988 إذ بلغ (22،726) مليار وبلغ متوسط النمو (21،6%) وهو مؤشر لصالح دولة ماليزيا.
أما كوريا الجنوبية فقد بلغ أعلى مستوى لتكوين رأس المال الثابت سنة 2000 إذ بلغ (148،203 ) مليار دولار تلتها سنة 2001 حيث بلغ رأس المال الثابت (147،498) مليار دولار أما أدنى مستوى بلغ (39،451) مليار لسنة 1988 وبلغ متوسط النمو12،6% وكانت أعلى مستويات النمو لسنة 1990 إذ بلغ 39،9% وأدنى مستوياته سنة 2001 إذ كانت النسبة 4،8 وكما موضح في الجدول رقم (8).











جدول رقم (8)
السنة ماليزيا نسبة النمو% كوريا الجنوبية نسبة النمو %
1988 22،726 26،9 39،451 21،00
1989 30،599 34،6 47،673 20،8
1990 39،348 28،6 66،689 39،9
1991 49،126 24،9 84،507 26،7
1992 55،191 12،3 90،809 7،5
1993 66،936 21،3 100،354 10،5
1994 78،663 17،5 116،436 16،00
1995 96،967 23،3 138،439 18،9
1996 107،825 11،2 153،976 11،2
1997 121،494 12،7 159،110 3،3
1998 75،982 -37،5 132،308 -16،8
1999 65،841 -13،4 134،152 1،4 ذ
2000 87،729 33،2 148،203 10،4
2001 83،345 -5،00 147،498 4،8 ذ
المتوسط 70،127 21،6 111،400 12،5
رأس المال الثابت
للسنوات 1988-2001(مليار دولار)
International financial statistics ,Your book Washinting ton ,USA , 2002

إن جميع هذه المؤشرات الاقتصادية تحسب لهاتين الدولتين من دول النمور الآسيوية إلا إن انهيار العملة الآسيوية بسبب ما فعله تجار العملة لخفض عملات النمور الآسيوية أدى إلى الانهيار الاقتصادي وكان رد الآخرين من الخبراء الدوليين والوكالات غير الحكومية ووسائل الإعلام بان هذه الحكومات كانت سيئة السلوك وان النمو الاقتصادي المعجزة كان وهماً وإنهم طوال الوقت كانوا يسرقون الشعب ويسيؤن إدارة اقتصاديات بلدانهم، وان تجار العملة والمستثمرين في أسواق البورصة لم ينسحبوا إلا من اجل إنقاذ رأسمالهم الثمين ولكن رغم ذلك فان الحقائق على الأرض تقول غير ذلك نعم هناك نمو وتطور اقتصادي ملحوظ ( محاضر بن محمد،2002،ص75).
خامساً: واقع التنمية الاقتصادية والاجتماعية في العراق
إن غياب الديمقراطية في العراق طوال المدة التي سبقت سقوط النظام في نيسان 2003 أدى إلى اتخاذ الإدارة العراقية قرارات دكتاتورية فردية أوقعت العراق في متاهات حرجة ففي غياب الديمقراطية والانفراد بالقرار أدى إلى توقيع اتفاقية 1975 مع إيران دون استشارة احد ولم يعترض احد رغم إن هذه الاتفاقية كانت على حساب الحقوق العراقية في مياه شط العرب وألغيت هذه الاتفاقية وبدأت الحرب مع إيران سنة 1980 دون استشارة احد ولم يعترض احد ودخل الجيش العراقي إلى الكويت وخرج منها نتيجة حرب قادتها الولايات المتحدة الأمريكية عام 1991 ودمر كل شيء وكان قرار الدخول والخروج دون استشارة احد ودون أن يعترض احد، وبسبب ذلك عاش العراق للمدة من 1980 – 2003 في حروب لا طائلة منها وآخرها الحرب الأمريكية والبريطانية إذ تم احتلال العراق وتدمير بنيته الاقتصادية والعسكرية بكل جوانبها وبرزت قوى وحركات وتيارات عديدة في غياب قوة عسكرية تردع الأخطاء وتعزز ما هو صحيح فكانت قرارات المحتل تركز على هدم بنية العراق وإخراجه من الدائرة العربية وهذا ناتج عن سياسية النظام السابق التي لم تكن سياسة رشيدة وإنما كانت سياسة رعناء لم تحسب لمصلحة العراق في شيء0
ولذلك كان هناك تراجع في كل شيء نتيجة عسكرة البلد، إذ سيق الرجال إلى جبهات الحرب وأصبحت النساء هي القوى العاملة الأساسية طوال مدة الحرب، ففي عام 1987 ظهر ما سمي بالثورة الإدارية التي أدت إلى دمج المؤسسات وإلغاء بعضها وكان هناك ما سمي بالعمالة الفائضة وهي مجموع الموظفين والعمال الذين التحقوا بالحرب ثم حول العمال إلى موظفين بقرار رقم 150 لسنة 1987 الصادر عن مجلس قيادة الثورة المنحل وهي حالة فريدة، إن الأعداد الفائضة من العاملين والتي أصبحت كذلك نتيجة التحاقها بالحروب وتضررهم من هذه الحروب خسروا أعمالهم في دوائرهم التي كانوا فيها قبل التحاقهم بجبهات القتال بدلاً من تعويضهم عما لحق بهم من خسائر جسدية ونفسية وفي حقيقة الأمر ليسوا فائضين وإنما كان ذلك ناتج عن تراجع الاقتصاد العراقي لمختلف القطاعات فكانت خسائر العراق في الحرب العراقية – الإيرانية (509,5) مليار جنيه إسترليني هي نفقات هذه الحرب زيادة على الخسائر البشرية والاجتماعية إذ استشهد فيها أعداد كبيرة من خيرة شباب العراق اقترن ذلك بأعداد كبيرة من الأرامل والأمهات الثكلى والأطفال اليتامى والمعوقين الذين لم يحضوا بالرعاية المطلوبة لخلق أجواء عمل مناسبة لهم إذ خاضوا حرباً مجبرين عليها وغير مسؤولين عن قرار اتخاذها، ثم الخسائر التي لحقت بالعراق بعد الحرب 1991 والتعويضات التي فرضت على العراق والتي تجاوزت (350) مليار دولار وصفها احد الأساتذة الألمان بأنها رهن لأجيال لم تولد بعد أما المدة التي أعقبت سقوط النظام ولغاية المدة الحالية فقد كانت خسارة العراق كبيرة إذ انهارت مؤسساته بمختلف أنواعها وأبرزها نهب المتحف الوطني الذي يمثل حضارة تمتد لآلاف السنين هي حضارة وادي الرافدين ونهب المكتبة الوطنية على يد جنود الاحتلال ومن تعاون معهم من اللصوص والمخربين من دول الجوار ومن بعضها التي كانت في يوم من الأيام جزء من العراق، ونهب المصارف الحكومية والأهلية من قبل الأمريكان أنفسهم وغيرهم من اللصوص فكانت مليارات الدولارات العراقية بين النهب والسرقة والشعب يعاني من وطأة حصار شامل بفعل الإدارة الأمريكية التي أدت سياستها مع العراق إلى قتل مئات الآلاف من المرضى المحتاجين للأدوية التي منعتها عن العراق فضلا عن ما قتل من شنها للغارات الجوية على العراق طوال مدة الحصار فكيف يمكن للمرء أن يفسر إن أمريكا جاءت لتخليص الشعب العراقي من نظام هي سلطته على الشعب وهي التي ساعدته في خوض الحرب مع إيران، والدليل على ذلك زيارات رامسفيلد وزير الدفاع الأمريكي سنة 1983 إلى العراق ولقائه بقيادة النظام، إن مرور سنتين وزيادة على سقوط النظام وعدم وجود ما يلوح في الأفق من شيء يستحق الذكر، بل هناك انفلات امني وإرهاب وأزمات اقتصادية في كل شيء، فتارةً بالوقود بأنواعه المختلفة وأخرى بمفردات البطاقة التموينية وثالثة بالبطالة المتفاقمة والى جانب ذلك فساد إداري متفاقم ومتفشي في كل مكان نتيجة فقدان المصداقية وعدم الاستقرار للعاملين في القيادات الإدارية نتيجة القرارات التي تكاد أن تكون فردية هي الأخرى لأنها لم تكن قرارات آتية من سلطة مركزية وإنما قرارات من أحزاب وتيارات سلطت نفسها بقوة السلاح وأصبح القادة الإداريون متخوفين من فقدان مواقعهم وتبعا" لذلك أصبحوا حريصين على ضمان ذاتهم ومستقبلهم حتى لو كان ذلك بارتكاب الأخطاء.
إن السياسات السابقة أخرجت العراق من دائرة النمو إلى دائرة التخلف، حيث صنف العراق في إحصائيات الأمم المتحدة ضمن الدول المتخلفة والأكثر فقرا" رغم موارده الطبيعية فكان تسلسله يسبق اليمن الدولة الأكثر فقرا" وبلغت نسبة الفقر في العراق 45%هذا هو حال التنمية في العراق0
سادساً : الاستنتاجات والتوصيات

أ – الاستنتاجات :
من خلال ما تقدم تبين للباحث إن دول النمور الآسيوية رغم مواردها المحدودة حققت معدلات نمو اقتصادي أثارت إعجاب الاقتصاديين والماليين على السواء، تبين ذلك من خلال مؤشرات التنمية الاقتصادية والاجتماعية التي أشير إليها في متن البحث ولذلك لا حاجة لتكرارها، وكان ذلك ناتجاً عن مقومات ساعدت هذه الدول على تحقيق هذا المستوى من المعدلات وابرز هذه المقومات:
1- الاستقرار السياسي في دول النمور الآسيوية إذ قامت فيها أنظمة سياسية ذات قدر من الديمقراطية الذي يسمح للآخرين بالمشاركة باتخاذ القرارات سواء كان ذلك بشكل مباشر أم غير مباشر.

2- تسخير الحكومات الوطنية في هذه الدول لمواردها إمكانيتها المتوفرة لديها وما تحصل عليه من مساعدات لأغراض التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

3- عدم تورط هذه الدول بحروب عسكرية كما حصل للعراق الذي استمر في حالة حرب منذ الستينيات مرورا"بالسبعينيات الذي تمثل بحرب الشمال مرورا" بحربي الخليج الأولى والثانية، ثم الاحتلال للعراق.

4- هامش الحرية ورعاية الإبداع والمبادرة للمواطن دون كبت للحريات العامة0

5- السماح بالاستثمارات الأجنبية مما انعكس بشكل ايجابي على مسار التنمية ولكن هذه الاستثمارات لم تنظم بقوانين وتشريعات تقلل من أثار سحبها المفاجئ مما أدى إلى خفض العملة الآسيوية ولكن رغم ذلك فأن واقع الحال لا يمكن نكران النمو والتطور الذي حصل في هذه الدول، بل كان حقيقياً.

ب – التوصيات :
يوصي الباحث بالأتي:
1- تحتاج التنمية إلى استتباب الأمن والنظام وسيادة القانون ولذلك فأن هذه الأمور مرهونة بتشكيل الحكومة الوطنية المنتخبة وبالتالي لابد من تهيئة شروط ومستلزمات تدوير عملية الاقتصاد واستئناف العمل بجميع مؤسسات الدولة.

2- وضع برنامج استثماري وطني متوازن للقطاعات الاقتصادية المختلفة وخلق قاعدة اقتصادية متوازنة ومستديمة تستفيد منها الأجيال الحالية والمقبلة من خلال الاستفادة من اكبر مصدر للمال وهو النفط فهو ثروة يجب أن تستفيد منها الأجيال الحالية والمقبلة تعبئة الموارد المحلية والأجنبية لتمويل مشروعات التنمية الاقتصادية والاجتماعية وذلك باستخدام ما تقدمه الدول المانحة للعراق للمساعدات وتشجيع عودة رؤوس الأموال الوطنية وتقديم التسهيلات للعراقيين في الخارج الذين يرومون بالاستثمار داخل العراق.

3- تنظيم الاستثمارات الأجنبية في العراق بتشريعات تضمن للعراق حقوقه من هذه الاستثمارات دون الإخلال بسيادة البلد وبثرواته الطبيعية.
4- إتاحة الفرصة للكفاءات العلمية والتقنية والإدارية لأخذ مكانتها المناسبة في قيادة إدارة مشروعات التنمية من العناصر الوطنية المختلفة.

5- تطوير العاملين في أجهزة الدولة من خلال دورات تطويرية في الدول المتقدمة وان لا يكون مبعث الترشيح الاستفادة المادية والمحسوبية الاجتماعية والشخصية.

6- إتاحة الفرصة للإبداع والمبادرة من حيث سماعها وتشجيعها ومدى إمكانية الاستفادة منها.

7- تشكيل هيئة رقابية للإشراف على سير تنفيذ المشروعات المقترحة من المخلصين والذين يتسمون بالولاء للوطن والأمناء، على أن لا تكون للأحزاب والقيادات السياسية وغير السياسية تدخل في شؤون الإدارات، إذ إن السماح بذلك يؤدي إلى الفوضى والإرباك وتخبط بالتوجيهات.

المصـــــــــادر :
1- المياح، علي محمد، العراق ودول جنوب شرق آسيا، مجلة الحكمة، العدد (11) – بغداد 1999 .
2- النجار وشلاس،(دكتور)، يحيى غني، آمال شلاش، التنمية الاقتصادية نظريات، مشاكل، مبادئ وسياسات – الموصل، دار الكتب للطباعة والنشر، 1991 .
3- خوري،عصام، تطور البنية الهيكلية لتكوين رأس المال في ظل أنظمة تشجيع الاستثمار في سوريا ومنعكساته الاقتصادية والاجتماعية، بحوث الندوة الفكرية التي نظمها المركز الوطني للدراسات والتحاليل الخاصة بالتخطيط، الجزائر، إصدار مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت،1999.
4- بن محمد، محاضير (دكتور) رئيس وزراء ماليزيا، العولمة، الاستحواذ على ثروات العالم، مجلة الحكمة، العدد19، بغداد 2002.
5- رومر وجراس، مايكل / مالكولم جليز و دونالة، دوابت بيركنز، اقتصاديات تنمية، ترجمة د.طه عبد الله منصور و د. عبد العظيم مصطفى، الرياض،1995 .
6- ماركس، كارل، رأس المال، نقد الاقتصاد السياسي، الجزء الأول، لندن،1867، ترجمة محمد عتياني، عن الطبيعة الفرنسية لعام1950.
7- International monetary fund , International Financial statistics ,year Book ,Washington ,USA,2002 .
8- يوسف، باسيل، حقوق الإنسان كمرجعية مفاهيمية للتنمية البشرية، بحث منشور في دراسات في التنمية البشرية المستدامة في الوطن العربية في أعمال القدرة المنعقدة في بيت الحكمة، بغداد،2002.
9- دليل العالم الصادر عن وزارة الخارجية العراقية لسنة 1988.
10- بيتايون، ادريانو، العولمة نقيض التنمية، دور الشركات غير الوطنية في تهميش البلدان النامية من خلال الاستثمارات الأجنبية المباشرة، ترجمة علي حسين السوداني، مراجعة د. عمار عبد اللطيف سالم، بغداد،2002.
 

 

| © جميع الحقوق محفوظة لمركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية1427هـ/ 2006م