الحرب النووية الثانية قصة الاستخدام الأمريكي لاعتدة اليورانيوم المنضب

في الحرب على العراق

تقديــم: الفريق الركن طارق محمود شكري

 عندما قدم لي الأخ العميد الركن حسن عبيد عيسى بحثه الموسوم (الحرب النووية الثانية: قصة الاستخدام الأمريكي لاعتدة اليورانيوم المنضب في الحرب على العراق) تساءلت مع نفسي لأول وهلة، ما الجديد الذي يمكن أن يأتي به ضابط حول هذا الموضوع بعد أن أشبعه الاختصاصيون دراسة وتحليلا، من الناحية العلمية، وتأثيراته البيئية والصحية، واستخداماته العسكرية ، وما ينطوي عليه من عدوان على البشرية، وما يقوله القانون بوصفه عملا إجراميا، وأخيرا وليس آخرا، ما قالته وسائل الإعلام المختلفة بشأنه. فقد كتب الباحثون عنه بمختلف اللغات، وكان للباحثين العرب عامة والعراقيين خاصة باعا طويلا في هذا المجال، إذ تناولوا في بحوثهم الجوانب المختلفة المتعلقة باليورانيوم المنضب، كانوا أفضل من غيرهم لأنهم أصحاب القضية، مكنهم إثباتها والدلالة عليها ميدانيا وبين أيديهم أدلة دامغة متمثلة بالبشر والأرض والحيوان والنبات والمياه. فان كان غيرهم قد كتب نظريا أو نقلا فهم بحثوا في الكارثة مستندين إلى عناصرها المادية في الميدان حيث لا مجال للشك.

بعد أن قرأت البحث، وجدت إن الباحث قد أحاط بالموضوع من جميع جوانبه، ولم يترك شاردة ولا واردة إلا وتطرق إليها. فإن كان من سبقه قد كتب في مجال معين من مجالات اليورانيوم المنضب، فانه قد عالج كل ما يمكن أن يقال عنه من النواحي العلمية والبيئية والإنسانية والقانونية والعسكرية. فأصبح بحق بحثا شاملا يفيد جميع الاختصاصات، ويشفي غليل كل سائل أو طالب معرفة تتعلق بالموضوع. موثقا كل ما ورد في ثنايا البحث بالمصادر التي لا يرقى إليها شك،  فكان البحث موسوعيا مستندا إلى الوثائق الرسمية الصادرة من المراجع وتلك البحثية والشخصية.فضلا عن تحليلات معمقة،  ومعلومات ضمّنها في الهوامش، تغني القارئ عن البحث والاستفسار، لا بل تزيل أي غموض أوشك يساوره.

 إنني اقدر المعاناة التي واجهها الباحث في إعداد بحثه هذا، فقد غاص في بطون العشرات من المصادر، ولا شك انه عانى كثيرا - سعيا وراء الحقيقة- في الحصول عليها، فهي موزعة على أماكن مختلفة متباعدة،  لقد استخلص من بعضها عبارات محدودة، ولكنه بكل تأكيد أضطر إلى قراءتها كاملة ليجتزئ منها ما يفيده، وتلك بحد ذاتها تنم عن مقدار المعرفة الشاملة والإلمام الواسع بتفاصيل الموضوع الذي بحث فيه،  فكلها مصادر متخصصة كتبها باحثون متميزون أصحاب اختصاص، إلا انه استطاع بحسه البحثي أن ينتقي منها ما يعتبر سندا للقضية ويظهر الحقيقة الإجرامية للإدارة الأمريكية باستخدام اليورانيوم المنضب المحرم دوليا في عدوانها على العراق 1991.

كما كشف ما هو أدهى وأمر من ذلك كله، انه إخفاء تلك الإدارة لحقيقة الأمر عن جنودها، فتسببت لهم في كوارث إنسانية وصحية. لقد اجتهد وله الأجر مرة، ثم أصاب فيما اجتهد فله الأجر مرة أخرى.

 لا يسعني إلا أن أهنئ الباحث على بحثه الغزير الغني بالمعلومات، وتحاليله المنطقية الرصينة،  فهو يقدم بذلك مرجعا شاملا لا يستغني عنه مثقف، ويفيد كل الاختصاصات بدلا من السعي وراء المصادر المتعددة. ويعتبر هذا البحث – بكل المقاييس – جدير بالقراءة والدرس، وكلي ثقة إن من سينتهي من قراءته سيجد نفسه قد أحاط بأطراف موضوع حيوي(اليورانيوم المنضب) ما كان له إن يلم به الإلمام الشامل لولا هذا البحث وما حواه في ثنايا صفحاته.

 أتمنى للباحث العميد الركن حسن عبيد عيسى كل التوفيق، وأملي ان أرى له بحوثا حيوية أخرى، تكشف الحقيقة وتزيل الحجب عما هو غامض، يجول في الرحاب الواسعة للعلم والمعرفة – وهي مجال اهتمامه – فلا يزال هناك المزيد من الآفاق الرحبة، التي تستحق البحث والتقصي، وكما يقول المتنبي:

  على قدر أهل العزم تأتي العزائم

 وتأتي على قدر الكرام المكارم 

        ومن الله العون والتوفيق.     

   

 المقدمة

 لقد مارسـت أمريكا حربين نوويتين، الأولى ضـد اليابان عام 1945 والثانية ضـد العراق عام 1991 .في الحـرب النووية الأولى فجرت قنبلة بلوتونيوم وأخرى مـن اليورانيوم  بينما استخدمت في الحرب النووية الثانية أسلحة اليورانيـوم   المنضب ولم يكن ثمة حاجة إلى تفجير نووي.

                                                                                                 دهيلين كالديكوت([1])

                                                      فيزيائة استرالية ناشطة في مجال الطاقة

 في مقالي (الأدب وجرائم أمريكا) المنشور في الصفحة الثقافية لجريدة (الجمهورية) البغدادية (الملغاة) ضمن احد أعداد تموز/ يوليو 2000،  تطرقتُ إلى قيام (الولايات المتحدة) بتفجير عدد من القنابل الهيدروجينية في جزر (مارشال) في(المحيط الهادي) في مطلع عقد الخمسينات من القرن المنصرم، وكانت تستهدف من بين أمور كثر، دراسة تأثيرات الأشعة المصاحبة للانفجار والمنبعثة منه، على السكان الغافلين، وأوضحتُ في المقال ذاته ان أديبا استراليا هو(نيفيل شوت) إنبرى لفضح جريمة (الإدارة الأمريكية)، وتعرية فعلها البشع وذلك من خلال قيامه بكتابة رواية نشرها عام 1954 بعنوان (على الشاطئ)، صارت من شوامخ الأدب العالمي، وعجبت في المقال، من إننا أصحاب قضية مماثلة،  ولم يوفق أي من أدبائنا لما يضاهي ذاك الانتاج،  والان أطرح عجيبا آخرا هو انه وعلى الرغم من إننا تعرضنا لعدوان نووي ألقت علينا (أمريكا) خلاله ما يعدل حجم قنبلتين نوويتين، وان تأثيرات العدوان النووي ظهرت بشكل مؤثر على مجريات حياتنا جراء الاستخدام الواسع لاعتدة اليورانيوم المنضب ضمن هذا العدوان وما ظهر على المستوى الصحي والتدهور البيئي من أضرار ولم يرشح عن كتّابنا ومؤلفينا حتى هذه الساعة كتاب عالج الامر سوى بحوث محدودة نشرت في صحف ومجلات وترجم لهذا الامر ثلاثة كتب وعقدت ندوتان ومؤتمر علمي (كان هذا كله قبل الاحتلال الامريكي)فبلادنا الآن، يفترض إنها تحولت إلى مركز خبرة ودرس في هذا المجال، ولعل أول عمل يمكن ان يسجل كخطوة واثقة على طريق الصواب في هذا الاتجاه هو ان تبادر المؤسسات البحثية العربية إلى تأسيس مركز دراسات متخصص بهذا الامر، خصوصا وان وزارة (التعليم العالي والبحث العلمي) التي الغتها سلطات الاحتلال ثم عادت إلى تشكيلها،  دأبت دأبا تحمد عليه من خلال عقدها مؤتمرا علميا لهذا الغرض وروّجت ما نوقش في المؤتمر على شكل كتاب نافع، وإنها بادرت إلى إصدار كتاب يجمع كل ما نشر من أبحاث حول هذا الخطر من خلال وسائل النشر المحلية، كل ذلك كان قبل الغزو الامريكي للعراق.     

فموضوع استخدام اعتدة اليورانيوم المنضب موضوع ذو شجون، ولقد تابعته جدّياً منذ العام 1995 فهو بالنسبة لي قضية شخصية ووطنية،  فمنذ نهاية العام 1991 كنت اعاني من تعب شديد لم يجد الأطباء له تفسيرا، وكان احد أطباء المفاصل وهو من أقاربي يعزو ذلك عندما تنقصه الأجوبة الشافية، إلى إنني سبق وان اصبت بحمى (مالطا) وسأظل اعاني منها طويلا، ولم يتراجع عن تشخيصه الذي لااملك ماأرد عليه، حتى عندما كانت نتائج التحاليل سلبية.

عندها (اي منذ 1995)،  ولم اكن اربط بين التعب الذي كان يرهقني كثيرا وما تعرض له الوطن من هجوم نووي، لان احدا لم يكن يدري بما ارتكبت (امريكا) من جرائم في تلك الحرب،  شَرَعْتُ بتسجيل أمور تخدم البحث في هذا المجال، في وقت لم يكن قد صدر عن هذا الاستخدام التعسفي كتابٌ متخصص يمكن الاستفادة منه والاعتماد عليه، وتلك كانت البداية المتواضعة، وأظن ان ثمان سنوات من المتابعة والتربص كفيلة بان تهئ أمامي مستلزمات الشروع بإعداد بحث يخدم قضية الوطن، ومهما يكن فإنها محاولة لا يُرتجى منها إلا خدمة البحث والباحثين، فان أصبت فلي شرف الإصابة والاجتهاد،  وخلاف ذلك فان شرف الاجتهاد لوحده ذو قيمة عظمى.

 وعندما غادرت الخدمة في مطلع عام 2002 كنت في اشد حالات المرض حيث قررت البدء بتأليف هذا الكتاب. وعندما راجعت طبيب اختصاص في الغدد والطب الفيزياوي هو الصديق الدكتور (فاضل شريف العلوﭽﻰ) فقد سألني عن المناطق التي اشتغلت فيها خلال الحرب التي شنتها (امريكا) على (العراق) فاخبرته انني بحكم طبيعة منصبي زرت اكثر ساحات المعارك، وانني عملت خلال ماتبقى من عام1991وحتى شباط/ فبراير1992 في الشريط الحدودي مع (الكويت) و(السعودية) وقطعت مسافات طويلة على امتداد تلك الفترة اتفقد المخافر والمراكز والمواقع الحدودية التي كانت مدمرة وكان حطام الاسلحة من مخلفات الحرب، ماتزال مبعثرة في تلك البقاع، وامكث فيها بضعة ايام في كل جولة،  فطلب مني اجراء فحوصات وتحاليل، واخبرني اني لن اتمكن من اجرائها الا في (مستشفى الرشيد العسكري).

 وفي ذلك المستشفى، قام الاطباء بواجبهم خير قيام بعد ان افصح لهم الدكتور(العلوﭽﻰ) في الطلب الذي ارسله اليهم عن هواجسه، خصوصا وانه ممن ساهم في بحوث عن تفشي امراض ناجمة عن (اليورانيوم المنضب) ببحث عنوانه (سرطان الرئة وتأثير اليورانيوم المنضب) وكان وقتها يهئ نفسه لالقائه في المؤتمرالعلمي لوزارة (التعليم العالي والبحث العلمي ) في آذار/مارس2002. ولم تنجم رحلة التحاليل والفحوصات عن نتيجة بينة، لانني تمكنت من اجراء نوعين من التحاليل فقط،  وثمة تحليل ثالث وفحص آخر لم تكن مستلزماتهما متوفرة في (العراق) لذا تعذر اتمام الرحلة.

اذن فقد قررت في تلك الاثناء وعلى الرغم من تفاقم حالة الارهاق والتعب غير المفسر، المباشرة بتأليف هذا الكتاب، وخطّطت على ضوء المتيسر من المساعدات والمتحصل من المعلومات لان يكون البحث طاويا على خمسة فصول فيما يأتي إيجاز لها:

الفصل الأول: أسميته (مباغتة غير مبررة)، تتبعت فيه الإرهاصات المبكرة لفكرة تحويل كميات ضخمة من نفايات التخصيب النووي (اليورانيوم المنضب) إلى أعتدة للتخلص منها أولا,ولرخص الكلفة وصلابة المعدن وخاصية الاحتراق الشديد التي ستتولد عند ارتطام هذه الاعتدة بالهدف ثانيا. ان رحلة طويلة ومقززة من التجارب والاختبارات التي نفّذتها المؤسسات الأمريكية ذات العلاقة أضرّت بآلاف الناس الأبرياء من هنود حمر (في الولايات الغربية) وفي (كندا) وملونين وخاصة في (نيومكسيكو) تكللت بإنتاج كميات ضخمة من هذه الاعتدة (السرّية) استخدمت بشكل مفاجئ في الحرب التي خططت لها وقادتها (الإدارة الأمريكية) ضد (العراق) في مطلع العام 1991 إلى الحد الذي لم تُطْلع عليه القيادات العسكرية الأمريكية جنودها ليتفادوا الضررالناجم عن استخدامها،  لدواعي لم نغادرها دون مناقشة،  ثم ماشينا أوائل المعلومات التي بدأت تطفو عن هذه الاعتدة واستخدامها الآثم وصولا إلى الرفض العالمي لها.

الفصل الثاني: وحمل عنوان (الاستخدام الأول- التخطيط والتنفيذ)، وفيه بيّنت ان بعض ذوي الاهتمامات الإنسانية انتبهوا إلى خطورة الاستخدام المحتمل لهذا النوع من الاعتدة قبل زجه في الخدمة الفعلية، فبذلوا الجهود لكشف مخاطره على الناس والبيئة في وقت لا تعير (الإدارة الأمريكية) كبير اهتمام لما سيحل بجنودها عقب استخدام هذا العتاد الذي سيضرهم كما يضر جنود ومواطني الطرف الآخر، فللإدارة الأمريكية سوابق مشينة سمّمت خلالها الآلاف من جنودها بالمركّبات الكيمياوية بهدف تجريد غابات (فيتنام) من اوراقها الكثيفة، المهم ان سماسرة السلاح، وهم الطبقةالمتنفذة في الإدارة الأمريكية (مع تعاقب الإدارات المختلفة)، وجدوا فرصة للإعلان الرخيص عن قوة ومضاء الأسلحة الأمريكية المضادة للدبابات مما سيرفع مبيعات تلك الأسلحة في سوق تجارة السلاح العالمية، وجاءت حرب (البلقان)عام 1999لتكرّس هذا الاستخدام للعتاد الآثم الذي وجد فيه الإرهابيون الصهاينة مُنْيَتَهُم من أجل تحقيق ابادة غير مباشرة للفلسطينيين لاتلفت انتباه الضمير العالمي.

الفصل الثالث: وعنوانه (العقاب الدائم)، فلقد كان ضحايا هذا النوع من الحروب وخاصة ما ترتب على الاستخدام المسعور لاعتدة اليورانيوم المنضب كثر، فهم أعداد ضخمة من المواطنين الآمنين الذين تضمن الاتفاقيات الدولية حمايتهم، والجنود العراقيين الذين يتمتعون كأي جنود في العالم بحماية تلك الاتفاقيات من الأعمال السادية المنطوية على أذى لامبرر له. ولم يسلم جنود (أمريكا) وحلفائها أنفسهم من ذلك الضرر الفادح والأذى الحاقد،  فقد تفشت بينهم أمراض مستعصية هي في تزايد وتفاقم مستمرين مع مرور الزمن حتى بدا وكأن ما اصابهم من امراض والام واهات وعوق، عقابا دائما ليس له مايبرره، ولم يقف هذا العقاب عند الجيل الذي كُتب عليه التعرض له، وانما انتقل إلى الاجنة في بطون الامهات ثم إلى الاجيال اللاحقة عن طريق تخريب الجينات الوراثية، كل هذا وغيره،  و(الإدارة الأمريكية) تنكراستخدامها لهذا الصنف من الاعتدة الخطيرة، وعندما اضطرت للاعتراف بذلك الاستخدام، إدعت إن استخدام اعتدة اليورانيوم المنضب لا ينطوي على خطر كونه واطئ الإشعاع، وان ما يثار حول هذا هو مجرد دعاية.

الفصل الرابع: وهو الفصل الخاص بموضوع (تدمير البيئة) حيث ان (الادارة الامريكية) ضربت بقرار الجمعية العامة للامم المتحدة الصادر يوم 4/12/1990عرض الحائط وهاجمت وتفاخرت بضربها منشآت نووية وكيمياوية عراقية خلال الحرب وهو أمر تحظره مرجعيات القانون الدولي مما يعني ان الحرب التي قادتها (أمريكا) إنما هي حرب إجرامية لا توفر في حقدها حتى البيئة. فقد كان استخدام اليورانيوم المنضب وسيلة أخرى للتدمير البيئوي خلال تلك الحرب، خصوصا وان المنطقة المستهدفة بهذه الاعتدة هي اراضٍ صحراوية مترامية الاطراف تلعب فيها الرياح انّى شاءت مما يعني ان آلاف الاطنان من رمال ملوثة باشعاعات وجسيمات اليورانيوم المنضب المنتشرة في مساحة تزيد على( 100)كم2 ستتنقل حرة في شتى الاتجاهات وحسب هبوب الرياح لتنقل المخاطر شمالا وجنوبا كما هي حالها مع الشرق والغرب ولآلاف الكيلومترات خارج حدود مسرح الحرب.         

الفصل الخامس: وخُصص لمناقشة مسألة (تغييب القانون الدولي)،  فان كل القيادات العسكرية في العالم مسؤولة عن تدريب جنودها على اسس ومرجعيات القانون الدولي وكيفية احترامه وتوجيه الفعاليات الحربية على وفق مقاصده، الا ان القيادات العسكرية الامريكية العليا ذاتها، كانت تخطط لانتهاك قواعد ذلك القانون في كل اتجاهاته، فحرب البيئة والاضرار التي تلحق المدنيين، بعض من جرائم الحرب، وان اعدام الجرحى من الاسرى جريمة بشعة، ناهيك عن استخدام اسلحة محرمة قانونا، فمشكلة العالم هنا هي عدم وجود جهة ذات سلطة واختصاص وقوة في مقاضاة مرتكبي تلك الجرائم، وهو الامرالذي تحاول (امريكا) ديمومته وتكريسه حماية لقادتها السياسيين والعسكريين من العقاب الدولي في حالة ظهور تلك الجهة، وما محاولات (الادارة الامريكية) الرامية إلى عرقلة الجهود العالمية لتأسيس المحكمة الجنائية الدولية، وبالتالي انسحابها من اتفاقية التأسيس غير اضافة قوية وغير مشرفة إلى ادلة كثيرة تدين تلك الادارة.

 لقد أردفنا تلك الفصول بملاحق تحوي نصوصا ذات علاقة وطيدة بما ذهبنا اليه في متون تلك الفصول وتشكل رصيدا قيما للباحثين مستقبلا ممن سيبحث في الموضوع ذاته او مواضيع مشابهة ويتطلب عملهم وثائق في مراجع مشتتة.

وإكمالا للفائدة وأملا بالوصول إلى نتائج منطقية ومفيدة في مجال البحث فقد تواصلنا مع آخر وأحدث المعلومات عن هذا الأمر، وضمن ذلك الاستعانة بتسهيلات الانترنيت وزيارة المراكز الاختصاصية مثل (منظمة الطاقة الذرية العراقية) ووزارة (التعليم العالي والبحث العلمي)، كما واني التقيت بعدد من الباحثين في هذا المجال مما وسّع فسحة النفع من تراكم المعلومات الذي انعكس على طبيعة العمل في إنجاز الكتاب.  وعلى الرغم من عدم الرغبة في النأي عن طرائق البحث المتبعة في مثل هذه المواضيع، فقد تم الاقتصار على المفيد من المعلومات والخروج بنتائج مع الرضا بحصول تكرار في إيراد بعض الحقائق او المعلومات حيثما تطلب الأمر ذلك.

وللأمانة واعترافا بالجميل، فان مساعدات علمية وفنية قيمة أسداها متكرما عدد من السيدات والسادة ساهمت بشكل فعال في بلوغ هذا الكتاب ما يجعلني فخورا بتقديمه إلى القارئ الكريم، ولم يكن له أن يرقى هذا المستوى لولا تلك الجهود الكريمة،  اخص منهم بالذكر شكرا وامتنانا أستاذي المبجل الفريق الركن (طارق محمود شكري) الذي رحّبَ بالعمل منذ كان فكرة، وتعامل معه تعامل الخبير الحريص والناقد المميز، وكنت لعمله هذا جذلا مسرورا. وقد تفضلت الأستاذة (ناصرة السعدون) التي كانت وقتها رئيسة تحرير جريدة (بغداد أوبزرﭭﺭ) بإسداء مشورة ذات قيمة، بينما ترجمت السيدة (اعتماد خليل البيروتي) من مركز (ام المعارك) الملغى رغبة مديرها  الأستاذ (محي الدين إسماعيل) في مساعدتي إلى واقع ملموس مفعم بالفائدة، لايسعني معه الا ان اذكرهما بامتنان ومعهما السيد (عباس عبود سالم) والسيد (فيصل ابراهيم كاظم) من المركز المذكور. وللاستاذ الدكتور (بهاء الدين حسين معروف) الباحث المتميز في شؤون الطاقة الذرية والاستاذ الدكتور (سامي كريم محمد أمين) من الفضل مايستوجب التنويه بهما. ولقد بذل المهندس (محمود سامي محمود) والمهندس (عبد الاله سامي محمود) جهودا مضنية تستحق التقدير والامتنان في تأمين مادة علمية مفيدة في مجال البحث، ولأبنة أخي الفنانة التشكيلية الانسة (آمنة علي عبيد عيسى) جهودا طيبة في رسم بعض الاشكال والتخطيطات، وللمرحوم الناقدالاستاذ (لواء الفواز) الذي غيّبَته عنا رصاصة غادرة اطلقها شرطي عابث ممن دربتهم قوات الغزو الامريكية عندما كان يهم بمغادرة الجامعة التي يعمل تدريسيا فيها،  الدور الكبير في تنقية المسودة من الهنات اللغوية والاملائية، ولولا مبادرة السيدة الفاضلة (حمدية عبد الله)  من المجمع العلمي العراقي إلى طبع هذا الكتاب على قرص مدمج لضاعت كل هذه الجهود جراء الفوضى التي ارادها الغزاة طابعا لوطننا عقب احتلالهم له، كما وان لاسرتي مايستوجب ان اشكر كل افرادها واعتذر اليهم، فقد عانوا واعانوا، فجزاهم الله عني خيرا.

ولولا رعاية مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية لهذا العمل وحرص مديره الاخ الدكتور احمد باهض تقي على تقديم خدمة وطنية طيبة، لبقي هذا العمل طي النسيان لذا لا يسعني الا ان اتقدم بالشكر والامتنان الى المركز العتيد ولمديره المثابر على هذه الرعاية الكريمة.   

وبعد، فان أي ملاحظة يتفضل بها علينا القارئ الكريم سيكون لها اثر كبير في ترسيخ هذا العمل الذي ننشد من ورائه خدمة الامة والوطن، وما توفيقنا الا بالله عليه توكلنا واليه ننيب، هو مولانا ونعم النصير.

                                               العميد الركن

حسن عبيد عيسى

                                                                                                                                 الهندية/العراق

                                        23أيلول/سبتمبر2004

 الفصل الاول

مباغتة غير مبررة

"اذا تصورنا ان بعض هذه البحوث التي كانت تجري بسرية والتي من شأنها ان تطور عمل سلاح معين خاص بالبيئة مثلما جرى قبل تفجير الذرة بصورة سرية ،  فان نتائجها يمكـن ان  تفاجئ البشر مثلما حدث في [هيروشيما] وناكازاكي، وهنا علينا ان نعود مرة ثانية لنؤكد ان الزمن يحمل بين طياته الكثيرمـن المفاجئات".

                                                                   يوشونشيما([2])

                                                        عالم فيزياوي ياباني، قال ذلك عقب

                                                        القاءالقنبلتين النوويتين الامريكيتي

 لم تكن المعلومات عن استخدامٍ حربي لمعدن (اليورانيوم المنضب) مشاعة للجميع حتى عقب انقضاء الحرب الأمريكية على (العراق) في الثامن والعشرين من شباط/فبراير 1991. لقد دارت معارك طاحنة بين دبابات (الحرس الجمهوري) ودبابات (الفيلق السابع) الأمريكي في اراضٍ مسالكها صعبة ووعورتها مُتعبة. وتضافرت جهود رجال الدبابات العراقية مع صعوبات تلك الأرض التي صارت (أرض قتل) لعدد كبير من الدبابات الأمريكية في حرمان الدبابات الامريكية من الاندفاع خارج ذلك الحيّز الذي تجاهل الإعلام المسخر أمريكيا ما يدور فيه من معارك، وسلّط الأضواء والكاميرات بدلا عن ذلك على دبابات عراقية في ساحات أخرى من المسرح وهي مصابة إصابات غير مألوفة. وعموما فهي الحرب، لذا لم يكثر احد من طرح الأسئلة عن أسباب وكيفية حدوث تلك الإصابات غير المألوفة والتفحم غير المفهوم الذي أصاب الرجال داخلها عقب حرائق اشد تأثيرا من تلك التي اعتادت أسلحة مقاومة الدبابات إشعالها من قبل.وبعيدا عن ساحات القتال، فان المنشآت المدنية، وحتى السكنية تعرّضَت لموجة من الصواريخ البالستيقية، خاصة في اليوم الأول للحرب، أي يوم 17كانون الثاني/يناير1991،  كان تأثيرها اشد من تأثير صواريخ أخرى مماثلة لها في أماكن أخرى. لقد كان الراهب (بنيامين) متواجدا في (بغداد) لحضور ندوة عن اليورانيوم المنضب في كانون الاول/ ديسمبر1998عندما قصفت (القوات الامريكية) العاصمة (بغداد) وعموم مدن (العراق) بالصواريخ (كروز- توما هوك) في السابع عشر من الشهر المذكور، فذهب الراهب في نفس اليوم إلى اماكن مقصوفة كما يقول: (وكان معي شخصان المانيان استطاعا ان يأخذا قطعة من الصاروخ تمكنا من تحليلها في عمان يوم 20 كانون الثاني/يناير وبعثا لي بفاكس ليعلماني انها مشعة. وقاما بتحليلات اخرى في ألمانيا أكدت التحليل الأول)([3]).  وعلى الرغم من ان ملجأ(العامرية) صمم في الأساس ضد تأثيرات الأسلحة النووية، إلا ان اختراقه بسهولة بواسطة (قنبلتين صممتا خصيصا خلال ثلاثة أسابيع في كاليفورنيا)([4]) ليتحول جوفه إلى أغرب فرن عرفته الحروب، حرقت نيرانه أجساد ما ينيف على أربعمائة من الأطفال والنساء اللائذين بهذا المكان المحصن هربا من مشاهد الذعر والهلع التي سبّبها قصف مدينتهم الذي كان مستمرا منذ قرابة شهر من ذلك الوقت،  لم يميز خلاله الأمريكيون بين حي سكني أو منشأة عسكرية، امر لم يستوقف المحللين والمراقبين وقتئذ ، فالغاية المتوقعة من قبل حشد المحللين وجمهور المراقبين تتمثل في الرغبة الامريكية  في إحداث رعب غير مسبوق بمثيل.

 لقد كان ذلك الفعل غير عادي في شدته وتأثيراته،  وظن بعض قصيري النظر من المحللين والمراقبين، انه ناجم عن التطور التقني الكبير الذي بلغته (الولايات المتحدة)،  ويصف(أليس بسريني) في كتابه (العراق-مؤامرة الصمت) تينك القنبلتين الآثمتين اللتين استهدفتا ملجأ(العامرية) لتقتلا الحشد الكبير من النساء والاطفال بقوله(المهم هو وزن الشحنة المتفجرة وطبيعتها، إنها تدخل مثل أبرة رفيعة. تحتاج القنبلة إلى اقل من واحد بالألف من الثانية للنفاذ عبر الاسمنت). فما طبيعة تلك الشحنة؟ ذلك هو السؤال الذي لم يكن قد تكوّن بعد في ذهن احد من المتابعين للحرب ووقائها ونتائجها،  وببساطة فان أحدا لم يفكر بطرحه وقتذاك،  مكتفين بما اسلفنا من تعليل يذهب إلى ان الرقي التقني الامريكي وراء ماحصل وليس غير ذاك ثمة تفسير متيسر. 

تقول (لينورا فورستيل) إن (صواريخ اليورانيوم المنضب التي أطلقتها الطائرات الأمريكية تمكنت من اختراق طبقات الخرسانة في الملجأ وقتلت جميع من فيه من النساء والأطفال)([5]).      

 ولكن، وقتها لم يكن احد يستطيع الادعاء بمعرفة ما حصل، ولمدة عدة سنوات كانت نتف المعلومات تتطاير، فليس ثمة مهتم بجمعها ورصفها نتفة جنب أختها ليُخرِجَ من هذا التجميع والرصف استنتاجا ذا قيمة عالية.    

 إن من أهم تلك النتف، ماعثر عليه الدكتور (سينوارث هورست غونتر)([6]) خلال جولاته في عموم القطر عقب وقف إطلاق النار بأيام قلائل (بداية شهر آذار/مارس 1991)والمتمثل بقذائف غريبة الشكل والوزن، فهي كما يصفها الرجل(لها شكل وحجم السيجار، وكانت ثقيلة بصورة غير اعتيادية)([7]).

وعندما عاد (غونتر) إلى (ألمانيا)، حرص على استصحاب واحدة من تلك الاطلاقات المتميزة لأغراض الذكرى. وفي مطار (برلين) بدأت المشاكل، فان أجهزة التحسس والاستشعار المزروعة في المطار أنذرت رجال الأمن بانطلاق إشعاعات  خطيرة من حقائب الرجل القادم من (العراق)، لذا فوجئ بفصيل كبير من رجال الشرطة يهاجمونه، ثم قاموا بالاستيلاء على تلك القذيفة التي احتفظوا بها في صندوق خاص.       

لاحظ (غونتر) الذي صدرت بحقه مذكرة توقيف بتهمة (خرق قانون الطاقة الذرية) وشرعت الشرطة بالتحقيق معه، ان كل فصول تلك العملية محاطة بإجراءات أمنية مشددة. وعندما قُدِّم إلى المحكمة، كان إصدار قرارٍ بإدانته أمرا سهلا لتوفر الدليل المادي ضده،  وكان الحكم يضمن الزامه بدفع (غرامة مالية) ومصادرة القذيفة (المحرّمة).

رفض الدكتور (غونتر) الحكم لعدم قناعته به ما استوجب حبسه، ولكن حبسه كبقية فصول القضية لم يكن اعتياديا، فالرجل العجوز تعرّض إلى إزعاج كبير نجم عن تعمد نقله إلى أكثر من معتقل كان آخرها في (هامبورغ) حيث أعلن الإضراب عن الطعام احتجاجا،  واستمر صائما محتجا خمسة وعشرين يوما.

 وبصرف النظر عن نوع الجريمة والعقاب، تقرر وبشكل غير مألوف قطع راتبه التقاعدي وحرمانه من ضمانات التأمين الصحي، بينما عاقبته جهات مجهولة عقوبات اشد قسوة وتأثيرا تمثلت بمختلف انواع التهديدات تولد عنها (توتر مستمر) فرض على الرجل المسالم ما سبب له خوفا من الخروج ومغادرة المنزل الذي تعرض لكسر زجاج النوافذ أكثر من مرة.

 ولاحتمال تعرضه إلى اعتداءات، مع تقاطر الرسائل بذيئة الكلام ضمن بريده الشخصي، واستمرار إسماعه أناشيد نازية كجزء من عمليات التهديد والازعاج، فقد افتقدت اسرته الجرأة على زيارته في سجنه البيتي([8])!!   

 ولما كانت القذيفة القادمة من (العراق) والتي تعد (أم المشاكل)، قد صادرتها شرطة مطار (برلين) ونقلتها بطرق واساليب مريبة، فقد استقر بها المقام على مناضد مختبرات مختصة، وعمل على فحصها البروفيسور (كانتو) الاختصاص في علوم البيئة. وكانت نتائج الفحص المختبري قد أظهرت إنها ذات نشاط إشعاعي وسمّية عالية([9]). ولأهمية الأمر، فان من الضروري الإصغاء إلى الدكتور (غونتر) وهو يتحدث مكملا بقية القصة المرعبة: (قمت بالبحث بالاشتراك مع جامعة همبرت في هامبورغ وجامعة شاريتي والجامعة الفنية في برلين، وذهل جميع أعضاء هذه المؤسسات وقلقوا جدا: ان هذه القذيفة سامة ومشعة، أين وجدتها؟ وعندما ذهبت إلى جامعة برلين وشرحت لهم هناك إنني اكتشفت هذه القذيفة في العراق والمقصود منها شظايا القذائف المستخدمة من قبل الحلفاء،  وبّخَني احدهم: كيف تستطيع القول ان الحلفاء استخدموا هذه القذائف، بما إنها إشعاعية جدا،  انه من الحمق قول ذلك!! ثم طردوني، ورجعت إلى بيتي والقذيفة معي. وعندما عدت لملاقاتهم الاثنين التالي بناء على طلبهم، وجدت نفسي أمام عدد كبير من رجال الشرطة الذين أرادوا اعتقالي بسبب عدم تحفظي على القذيفة ولما تسببه من اشعاع. عادوا ثانية يرتدون ملابس وأحذية عازلة مع حاوية خاصة لحمل القذيفة إلى خارج مدينة برلين.طلبت منهم إيصالا وسلموني إياه حيث يذكر هذا الايصال كمية الإشعاع ونوع المادة السامة التي تحويها القذيفة)([10]).  

ولما كانت متابعة رحلة القذيفة وحاملها ذات دلالات خطيرة ومنافع استنتاجية،  فلا بأس من التعرف على فحوى الإيصال، فهو يقول إن(القدرة الإشعاعية لتلك القذيفة هي 11 ميكروسفير/ساعة) ولمعرفة خطورة هذه النسبة فان الدكتور(غونتر) يقول(في ألمانيا يبلغ الحد الأعلى المسموح به 300 ميكرو سفير/ساعة في حالات العرض. فاذا قسمنا 300 على 11 نحصل على[2 ,27] ساعة بالنسبة إلى قذيفة واحدة. وهذا يعني بالنسبة لتلك القذيفة انك تحصل على الجرعة السنوية في يوم واحد،  واني شاهدت الأطفال في العراق يلعبون بإثني عشرة قذيفة)([11]).  

لقد قرر الدكتور(غونتر)العودة إلى(بغداد) رغبة في التحري والبحث في هذه القضية، بعد ان توضحت أمامه صورة الاستخدام غير المرخّص لمواد سامة ومشعة في تلك الحرب. كان ذلك البحث والتحرّي أحد وسائل الكشف المبكر عن إصابات بين المواطنين بأمراض لم تكن مشخصة في (العراق) حتى ذلك التاريخ خصوصا وان(غونتر) طبيب عمل طويلا في (العراق) طبيباً واستاذاً، إذ من شأن تلك الأمراض أحداث خلل في وظائف الكلى والكبد، الامر الذي دعاه إلى مراقبة مجاميع الأطفال الذين يلعبون بمخلفات الحرب، فقد لاحظ مجددا أطفالا بعمر الورود يلعبون بقذائف من النوع الذي أدخل الرعب والهلع على سلطات مطار(برلين)، وسارع إلى تثبيت بعض الأمور عن مثل تلك المشاهدات في دفتر ملاحظاته الشخصي، من بينها أسماء وعناوين الأطفال الذين ظل يراقبهم بانتظار ما سيحل بهم، وسرعان ما شطب على اسم أحدهم،  فقد مات باللوكيميا. كان ذلك دافعا قويا له للتنبيه من خطورة الوضع فكتب بحثا بعنوان(سيجار اليورانيوم يقتل أطفال العراق) نشره في جريدة (نيوس دويتشلاند) الصادرة يوم 16تموز/يوليو1992. 

 وفي بحث لاحق، توصل الدكتور (غونتر) إلى إيجاد علاقة رابطة بين أمراض تفشت بين أطفال (العراق) اللاعبين بالقذائف ذات السمية والإشعاع ممن يحفل دفتر ملاحظاته بأسمائهم وأمراض ظهرت بين أشخاص يسكنون قرب موقع ضرب فيه الطيران الأمريكي قافلة للإغاثة على طريق (عمان- بغداد) خلال الحرب.

 لقد أفضى هذا الاهتمام المبكر بالموضوع صفة (الريادة) على أبحاث وجهود الدكتور (غونتر) في مجال فضح الاستخدام المشين لهذا النوع من العتاد من قبل القوات الأمريكية في الحرب التي شنتها على (العراق) في مطلع عام 1991.

 ثمة نتفة وثائقية مهمة أخرى وهي بضع فقرات تسربت من تقرير سري أعدته في نيسان /ابريل1991 (بعد شهر ونيف من توقف الحرب) منظمة الطاقة النووية البريطانية (UKAEA)، United Kingdom Atomic Energy Authority وحصلت عليه جريدة(اندبندت)التي نشرت حصيلتها من تلك الفقرات في عددها الصادر في (تشرين الثاني / نوفمبر)من العام ذاته([12])، وقد ذكرت ان(40) طنا من المخلفات المشعة والغبار قد تسبب في نصف مليون حالة وفاة في (العراق). فكيف إذا علمنا إن الكمية الحقيقية (300-350) طن وليس (40) كما ذكرت الجريدة؟  

 وبرزت نتفة ميدانية مبكرة متمثلة باحتراق (650-700) قذيفة دبابات من هذا العتاد في قاعدة(الحصان الأسود)الأمريكية في منطقة(الدوحة) شمال مدينة (الكويت) يوم 11تموز/يوليو1991،  واستمر الحريق إلى اليوم التالي، كان ثاويا في تلك القاعدة المنكوبة جنود اللواء المدرع الحادي عشر الأمريكي (3500جندي وضابط) وسرية من الجيش الاﻨﮕﻠﻴﺯي وعناصر من جنسيات غيرهما.        

لقد وقف وزير العدل الأمريكي الأسبق (رامزي كلارك) أمام ممثلي وسائل الإعلام ليعلن للعالم اجمع في مؤتمر صحفي عام 1993 ان (الادارة الأمريكية) استخدمت في حربها على(العراق) عتادا مصنوعا من اليورانيوم المنضب، وان الأطباء العراقيين يواجهون حالات مرضية لم يفهموها، ما حفّزَ الباحثين على تحري حقيقة الامر.

 وكان لتفشي حالات مرضية غريبة بين الجنود الأمريكان المشاركين في العمليات الحربية عقب عودتهم إلى ذويهم أثر يشبه ناقوس الخطر، وعندما تم إخضاع بعض أولئك الجنود للفحوصات الطبية في وقت مبكر منذ العام 1991كما حصل مع الممرضة(العريف كارول بيكو)التي ظهرت عليها الأعراض قبل مغادرتها مسرح العمليات في جنوب(العراق).

وعندما بدأت أعراض مرضية غريبة تظهر على عشرات الألوف من جنود دول حليفة شاركوا في الحرب (إﻨﮕﻠﻴﺯ وفرنسيون واستراليون وكنديون ومصريون وسوريون)([13])وغيرهم،  فقد بدأ ظرف جديد يتسم بالشك والريبة، يتشكل في الأفق يتعارض مع رغبات(الادارة الأمريكية) في هذا الشأن، ومن بين افرازات ذلك كله تأسيس عدد كبير من المنظمات غير الحكومية التي تستهدف شجب هذا لاستخدام أو المطالبة بحقوق ضحاياه، ومنها(شبكة المواطنين المناهضين لليورانيوم المنضب) التي بدأت بممارسة أعمالها منذ العام 1992([14]). 

 وفي (امريكا) كان (داماسيو لوبيز) وهو باحث مكسيكي الاصل يسكن ولاية(نيو مكسيكو) منشغلا بالاكتشاف الذي اكتشفه والمتعلق باستخدام احد الجبال بالولاية (قرب مدينة البوكركي) ميدانا لرمي اعتدة سرية، توصل في النهاية بعد بحث مضن ومحاولات مكثفة،  إلى انها مصنوعة من اليورانيوم المنضب ولم يمنعه حادث الاعتداء عليه بالضرب المبرح من قبل مجهولين والقاءه غائبا عن الوعي على قارعة احد الطرق، من استكمال بحثه وتقصّيه حقيقة الامر، فاستطاع عام 1993نتيجة جهده الفردي الحثيث الذي استغرق سنوات طوال انجاز كتاب بعنوان(ميادين رمي اليورانيوم المنضب). لقد كان هذا العام بالذات موعد ايقاف التجارب التي استمرت اكثر من عشرين سنة في ذلك الميدان ولا اظن ان صدور ذلك الكتاب هو السبب في ايقاف تلك التجارب.    

في ذات الوقت، كان الخطاب الإعلامي العراقي سبّاقا في استثمار وتوظيف  حالة الارتباك الاجتماعي التي أصابت المجتمع الأمريكي جراء ظهور أعراض أمراض غامضة تُرَدّ جميعا إلى اصل واحد هو استخدام القوات الأمريكية لعتاد اليورانيوم المنضب مما تسبب في إصابة حوالي خُمس القوات المشاركة بالعمليات بأعراض الأمراض الغامضة،  والتي أطلق عليها اسم (مرض لعنة العراق) أو (لعنة الخليج)([15]).

وكان من بين الجهد التوثيقي العراقي في هذا المجال قيام وزارة الخارجية بتكليف السفارات العراقية في عموم دول العالم بجمع المعلومات المتيسرة عن اليورانيوم المنضب. وعقب إفتضاح امر هذا العتاد وتفاقم خطره لجأت الادارة الأمريكية إلى الاعتراف بوجود (إصابات محدودة) بأعراض مرض أطلق عليه اسم (مرض الخليج) بعد ان عزت سببه إلى استخدام اعتدة اليورانيوم المنضب وكان ذلك اعترافاً رسمياً يؤسَّس عليه الكثير، فما هو اليورانيوم المنضب؟. اليورانيوم في الطبيعة عنصر صلب اسود يوجد على شكل معدن ثقيل يجري استخلاصه من الأرض خلال التعدين.

عرف الأوروبيون هذا المعدن منذ ما ينيف على ثلاثة قرون من الزمان فاستخدموه في صناعة الأبواب المحكمة استثمارا لصلابته وثقل وزنه، فكثافته(19) الف كغم/م3(أي ضعف ماهو عليه الرصاص)!.

 وبالاستفادة من خبرات العلماء الذين خدموا البرامج النووية الألمانية وهربوا إلى (أمريكا)، فقد استطاعت هذه الأخيرة صنع قنبلتين ذواتي خصوصية فائقة، ألقيت الأولى على (هيروشيما) في 6 آب/ أغسطس1945بواسطة قاذفة قنابل (B 29) تعتمد في تفجيرها على نظير اليورانيوم 235 بتركيز 7% لليورانيوم الطبيعي (25 كغم يورانيوم طبيعي) فقتلت (78) الف مواطن ياباني([16]).

وفي التاسع من الشهر نفسه استهدفت قاذفة قنابل أمريكية أخرى مدينة(ناﮔﺎزاكي) بقنبلة ثانية حوت على كيلو غرام واحد من نظير بلاتونيوم 239 وأحدث القاؤها إنفجارا قويا يماثل قوة التفجير السابق، أي بقوة(5, 22)كيلو طن وهذا يعادل انفجار (1000طن) من مادة (TNT)([17])، فقتلت (39) ألفا من سكان تلك المدينة المستهدفة. وعقب القاء تينك القنبلتين استسلمت (اليابان) وانتبه العالم إلى حجم الكارثة التي تنجم عن استخدام هذا النوع من الأسلحة التي أساسها اليورانيوم.

إن إنتاج قنابل نووية من النوعين الذين عاقبت بهما (الولايات المتحدة) المدينتين اليابانيتين والتي يدخل اليورانيوم في تصنيعها، يستلزم القيام بعمليات معقدة جدا يُخصّب خلالها اليورانيوم الخام لاستخلاص نظير اليورانيوم (235) ذي النشاط الإشعاعي العالي، الذي يؤلف المادة الأساس للقنبلة، وهو الذي يُستخدم إضافة لذلك وقودا للمفاعلات النووية،  وان الكمية التي تحوَّل لهذا الغرض صغيرة جدا لا تكاد تتجاوز نسبة 2%من مجموع العنصر الخام الخاضع للتخصيب، وبهذا تكون فضلات (نفايات) هذه العملية كميات كبيرة جدا،  استخلص منها النظير المطلوب وخف نشاطها الإشعاعي، إلا إن خطورة تلك النفايات على البيئة والإنسان بشكل خاص تبقى قائمة،  فعمر النصف له يبلغ (4,5) بليون سنة([18]). 

 ولإنتاج نظير البلوتونيوم الذي استخدم في تفجير قنبلة (ناﮔﺎزاكي) فان اليورانيوم المنضب يعالج داخل المفاعلات ثانية بقصفه بالنيوترونات فيتحول إلى نيتونيوم ومن ثم إلى بلوتونيوم الذي يدخل في صناعة هذا النوع من الرؤوس النووية([19]).

وعلى الرغم من تلك التقانة التي يستخلص بموجبها البلوتونيوم من النفايات التي تعرف باليورانيوم المنضب فان تلك النفايات تبقى تشكل كميات هائلة ما جعل الدول ذات القدرات النووية تبحث عن اماكن تطمر فيها تلك النفايات، فمثلا، نجد ان مخزون (الولايات المتحدة) وحدها من اليورانيوم المنضب بلغ حتى مطلع عقد الثمانينات من القرن المنصرم (عقب قرابة نصف قرن من عمليات التخصيب) ما يربو على نصف مليون طن،  تكدست في مواقع الخزن في عموم اراضي(الولايات المتحدة الأمريكية)، ولم يعمل على تقليل ذلك الفائض من النفايات استخدام بعضها في إنتاج القنابل الهيدروجينية التي يدخل اليورانيوم المنضب في الحلقة الأخيرة من سلسلة اشتغال آليتها([20]).  

من هنا نتلمس تعريفا لليورانيوم المنضب، فلا نجد غير تعريف اقترحه الجيش الامريكي، وهوالذي استند عليه (ميسونيه) وزملاؤه في كتابهم (اليورانيوم المنضب-الحرب الخفية) والذي يقول:

 "اليورانيوم المنضب هو الناتج المتبقي من عملية التحويل (الاخصاب) لليورانيوم الطبيعي لتجهيز المحروق النووي او تصنيع الاسلحة النووية، تبلغ نسب الاشعاع في اليورانيوم المنضب اقل عما هو موجود في اليورانيوم الطبيعي بحوالي40% "([21]).

 ومنذ ستينات القرن الماضي، بدأ التفكير الجدي في استخدام مئات الآلاف من أطنان النفايات تلك في مجال صناعة اعتدة خارقة للدرع والتي يمكن عدها جيلا جديدا من الأسلحة النووية، إضافة إلى دراسة جدوى وإمكانية استخدام تلك النفايات في صناعة السبيكة التي تؤلف هيكل الدبابات وعجلات القتال المدرعة، إذ ان النجاح في هذين المضمارين سيضمن ما يأتي:

1-إنتاج عتاد خارق شديد الفعالية بسبب ثقله المتميز (كثافة اليورانيوم المنضب19 ألف كغم/م3 كما مر بنا) ما يعطيه زخما عاليا([22])يساعده ذلك الزخم  على خرق اصلب انواع الدروع. لقد قدرت سرعة انطلاق المقذوف من هذا العتاد نحو هدفها بـ (2ماك/ساعة)([23]). لقد صار نجاح ذلك المسعى ضرورة ملحة خصوصا وان الاتحاد السوفيتي (يومذاك)أدخل الدبابة (T 72) الخدمة في بداية عقد السبعينات من القرن المنصرم (تحديدا عام 1972) والتي عُدّت قفزة نوعية في صناعة الدبابات. عموما ان خاصية الصلابة الشديدة التي يتميز بها اليورانيوم المنضب أو السرعة العالية المتوقعة لانطلاق مقذوفاته دفعت الخبراء لتوخي تحقيق زيادة ملموسة في المدى القاتل للدبابات التي ستستخدم هذا النوع من العتاد فالمدى الذي تصله قذيفة مضادة للدرع مصنوعة من مادة اﻠﺘﻨﮕﺴﺘﻭن هو ألفا متر،  بينما تخرق قذيفة اليورانيوم المنضب الدبابة المعادية في مدى ثلاثة آلاف متر. لقد صار مسلما به، ان لهذا العتاد قوة خرق عالية، إذ إن الحسابات تشير إلى ان كميات قليلة منه ستعوض عن مئات الأطنان من مادة (TNT). لقد أثبتت التجارب الأولية ذلك حيث أخذت شدة انفجارها تقاس(حسب القاموس السوقي) بالكيلو طن واﻠﻤﻴﮕﺎ طن([24]).

2- يتميز اليورانيوم المنضب بخاصية الالتهاب (اتقاد: وهو الاحتراق عند ملامسة الهواء) عندما يصطدم بالهدف المدرع وحدوث الخرق،  وقد وضع الخبراء احتمال ان يؤدي اللهب القوي المتولد ودرجة الحرارة العالية جدا (2800ْ م يوصلها بعض الباحثين إلى 10آلاف درجة) إلى احتراق وقود وعتاد الدبابة،  وبسبب السُمّية العالية التي يُولِّدُها أوكسيد اليورانيوم (UO2) الذي سيولده الاشتعال فان نسبة احتمال بقاء أحياء داخل الدبابة يصبح مستحيلا.

3-اليورانيوم المنضب رخيص الكلفة، بل ان تحويل الكميات الهائلة منه من نفايات إلى اعتدة سيقلل كثيرا من مشاكل ونفقات الخزن، وعموما فان الرطل([25]) الواحد منه يكلف دولارا واحدا وبذا تكون قذيفة اليورانيوم المنضب أرخص من سعر قطعة الهامبورغر([26]).         

4-ان التحول من اﻠﺘﻨﮕﺴﺘﻭن إلى اليورانيوم المنضب في صنع اعتدة مقاومة الدبابات يقلّل من الفرص المتاحة امام (الصين) لتهديد (الولايات المتحدة) أو الضغط عليها بقطع إمداداتها منه، فالصين تتحكم بما نسبته50%من واردات (الولايات المتحدة) من مادة اﻠﺘﻨﮕﺴﺘﻭن، وهي معرضة لخطر الانقطاع حال نشوب أي نزاع جدي مع (الصين) كما حصل بالنسبة لالمانيا عندما فرضت عليها (البرتغال) حظرا منعت بموجبه تصدير تلك المادة إلى المصانع الالمانية خلال الحرب العالمية الثانية.

هذا إضافة إلى ان سمّية اليورانيوم المنضب تفوق تلك التي في اﻠﺘﻨﮕﺴﺘﻭن بحوالي (25) مرة وان قدرته على الخرق أكثر مما ﻠﻠﺘﻨﮕﺴﺘﻭن ربما بحدود25%،  ناهيك عن فرق السعر الكبير بينهما (من بين المعلومات المستجدة ان مصانع العتاد الأمريكية أخذت تخلط اﻠﺘﻨﮕﺴﺘﻭن مع اليورانيوم المنضب والمغنيسوم للحصول على خرق أعمق واتقاد واحتراق اكبر وسُمّية أعلى).

        يقول (دان فاهي) وهو باحث أمريكي تخصص في متابعة شؤون اليورانيوم المنضب وكان قد عمل على احد الأسلحة المخصصة لرمي اعتدته انه (في العام 1974 بالتحديد أخذت القوة الجوية الامريكية قرارا بالتخلي عن سبائك اﻠﺘﻨﮕﺴﺘﻭن واستخدام اليورانيوم المنضب بدلا عنها كعنصر اختراق. وانا محتفظ بالوثيقة التي تثبت ذلك)([27]).

5- إن البحث عن مطامير لدفن مئات الآلاف من أطنان النفايات النووية عملية شاقة لذا يؤمن تحويله إلى اعتدة إمكانية تفريقه وتوزيعه على أراضي بلدان (عدوة) بدلا من تكديسه في أراضي (الولايات المتحدة) حيث تتكدس منه في ولاية (تنيسي) كمية تزيد على نصف مليون طن معبأة في(46422)اسطوانة ضخمة من الحديد الصلب على شكل سادس فلوريد اليورانيوم (UF6).

6- لليورانيوم المنضب خاصية فيزيائية خطيرة تتمثل في تحوله عقب احتراقه إلى هباء (جسيمات متناهية في الصغر:أقل من خمسة مايكرون)، وان صغرها هذا يساعدها على الانتقال الحر في الهواء لمسافات بعيدة ودخولها جوف الانسان من خلال الاستنشاق أو الابتلاع أو امتصاص الجلد من غير ان يشعر بها الشخص المتعرض لها، إضافة إلى ان تلك الجسيمات ذات طبيعة بلورية تؤمّن ثباتها في مساحات شاسعة من التربة (بسبب عدم ذوبانها) وإن ذلك كله يحقق أهداف العقل الأمريكي الذي (توجهه ثقافة يُعَدّ العنف أحد أنماطها المهمة)([28]) وهذا ما ثبت علميا من خلال إصرار (الإدارة الأمريكية) على استخدام هذا العتاد بكثافة شديدة في اماكن مختلفة من العالم على الرغم من ثبوت أضراره الخطيرة على البيئة وشعوب الدول التي ستُنْكب أراضيها باستخدامه التعسفي.

 وتعود (الادارة الأمريكية) لاستثمار خبرات الألمان حيث قام فريق من خبرائهم بتمويل من (اﻠﺒﻨﺘﺎﮔﻭن)([29]) بإجراء أبحاث وتجارب لإنتاج العتاد المطلوب، فللالمان تجارب وخبرات مؤكدة مع اليورانيوم المنضب يعود تاريخها إلى الحرب العالمية الثانية عندما اخذوا يشعرون بالخوف من احتمال تضاؤل القدرة على انتاج اعتدة خارقة للدروع بسبب الحظر الذي فرضته (البرتغال)على تصدير(اﻠﺘﻨﮕﺴﺘﻭن) إلى (المانيا) منذ تموز /يوليو 1943 كما اشرنا إلى ذلك في موضع مضى، الامر الذي دعا القيمين على الصناعات العسكرية الالمانية للبحث عن بدائل، ما أوصلهم إلى ان (اليورانيوم المنضب) هو البديل المطلوب والمناسب، ولوان المعلومات غير مؤكدة عن نجاح التجارب والمحاولات الالمانية في التوصل إلى توظيف اليوارانيوم المنضب من عدمه الا ان تلك المحاولات شكّلت تاريخا اوليا  لاستخدام اليورانيوم في صناعة القنابل المضادة للدروع ما دعا الادارة الاميكية إلى استنهاض تلك المحاولات وتفعيلها.

 قام (اﻠﺒﻨﺘﺎﮔﻭن) ضمن هذا المسعى، من حيث المبدأ بتخصيص (12) موقعا لصناعة واختبار النماذج الأولية من العتاد المطلوب، وكانت تلك المواقع منتشرة في عموم (الولايات المتحدة)([30]).

ولأن (الهنود الحمر) شعب غير مرغوب فيه (أمريكيا) فقد حُوِّرَ مصنع للعتاد يقع في وسط منطقة سكن تجمع كبير منهم في ولاية (أوكلاهوما) ينتج مادة تجريبية من هذا العتاد حيث ألقت إدارة المصنع بكميات كبيرة من النواتج العرضية لصناعة الاعتدة في آبار مهجورة في المنطقة مما تسبب في حدوث مشاكل صحية خطيرة للسكان. وكأن (الهنود الحمر) طرائد مفضلة لهذا العتاد منذ عهد التجارب أينما كانت مناطق سكنهم فقد لوحظ تفشي أمراض خطيرة بين أفراد قبيلة (مسيسوغا) التي تقطن شمال بحيرة (هورون) داخل الأراضي الكندية، وقد انتشر بينهم داء يعمل على تدمير كريات الدم البيضاء([31]). 

 لقد دلت نتائج تحري أسباب ذلك المرض على ان مصنعا تابعا لمنشأة (كاميكو) ينتج نماذج من اعتدة اليورانيوم المنضب في مرحلة التجارب، وراء تلك الكارثة حيث تسربت آثاره إلى المنطقةالمذكورة.

 الان وقد نجحت أولى التجارب للعتاد الذي استخدم فيه اليورانيوم المنضب خصوصا عقب تجربته المتميزة في (فورت لويس) للسنوات 1968-1970والتي رُميت خلالها نماذج من هذا العتاد بواسطة قاذفة مشاة خفيفة (ترمي من فوق الكتف) ضد هدف مدرع، وصار مؤكدا لدى المشرفين على تلك التجربة ان لهذا العتاد قدرة على خرق دروع الدبابات المعادية وان الحرارة التي سيولّدها احتراق اليورانيوم المنضب داخل الدبابة كافية لصهر أجساد طائفتها بشكل تام، وتفجير اعتدتها وحرق وقودها.

  يوضح الدكتور (ميشو كاكاو) الذي شارك بالرمي شخصيا بواسطة قاذفة خفيفة مع تلاميذ دورة متقدمة لتدريب المشاة ، طبيعة عمل القذيفة قبل وخلال اختراقها الهدف([32]).

 وفي ميادين أخرى أجريت تجارب إضافية على أنواع أخرى من الاعتدة اختلفت فيها وسائل الإطلاق وحسب نوعية العتاد المستخدم كنموذج، وخاصة في مصنع العتاد (ليك ستي) في (اند بندس مونتانا) ومستودع (بيكاتني) بولاية (نيوجرسي). ان اغلب تلك التجارب نُفّذت في الهواء الطلق دونما أي اعتبار لما سيترتب على انتقال الاشعاعات الخطرة والغبار السام من اضرار فادحة على السكان والبيئة.

 لقد بدأت مع بداية عقد السبعينات من القرن الفائت عمليات الانتاج الواسع لهذا العتاد، وتشجيعا للشركات المصنّعة للسلاح على انتاجه وبيعه لمؤسسات (اﻠﺒﻨﺘﺎﮔﻭن)، فقد قامت (الادارة الامريكية) بتوزيع كميات ضخمة من اليورانيوم المنضب على تلك الشركات مجانا([33]).     

 وكانت شركة (Honey Well) في مقدمة تلك الشركات المنتجة للعتاد المذكور والتي وضعت انتاجها بخدمة (اﻠﺒﻨﺘﺎﮔﻭن) منذ العام 1977([34]). ونتيجة لذاك الافراط وتعدد الجهات المخوَلة والتي تسلمت كميات ضخمة من اليورانيوم المنضب بهدف تحويله إلى عتاد، فقد تعددت مواقع التصنيع والاختبار، اهمل بشكل كبير شأن البيئة وما سيلحقها من اضرار فادحة جراء ذلك الافراط.

وعوضا عن الاهتمام بشأن البيئة التي يهددها هذا العتاد بالدمار، فقد اهتمت الجهات المسؤولة بدراسة تأثيره على مستخدميه وعلى افراد الخصم، وشُكِّل فريق بحثي يحمل اسم (مجموعة التنسيق التقني المشترك لفاعلية العتاد) وتعرف اختصاراً (جي تي جي /أم أي) لدراسة تلك التأثيرات.وفي العام 1974 قَدّم الفريق أول تقاريره متضمنا توصيات عدة تخص الالتزام باساليب السلامة واستخدام الملابس الواقية بهدف تقليل احتمالية التعرض المباشر للاشخاص لمخاطر وآثار اليورانيوم المنضب([35]).

وفي تقرير آخر اختص بموضوع (التقويم الطبي والبيئي لليورانيوم المنضب) فصّل الفريق رؤيته بخصوص الحاجة إلى ضرورة تنظيف المنطقة المتضررة حيث ذكر انه (يمكن ان يؤدي سقوط طائرة A-10 إلى تشتت نحو4, 0طن متري من غبار اليورانيوم في موقع التحطم. ويمكن ان تستغرق ازالة اليورانيوم وقتا طويلا ومبالغ طائلة حسب موقع التحطم وظروفه) مع العلم ان الكمية المتشتتة تشكل (400كغم أو 880 باون) فقط.

 لقد خطط (اﻠﺒﻨﺘﺎﮔﻭن) الذي إطّلع قادته على تقارير الفريق المذكور للتوسع في استخدام هذا العتاد ودعم البحوث التطويرية والتجارب الاختبارية وزيادة الكميات المصروفة مجانا من اليورانيوم المنضب إلى الشركات المصنعة للعتاد، وصادقت (الإدارة الأمريكية) على خطط (اﻠﺒﻨﺘﺍﮔﻭن) تلك([36]). وتعاقد الجيش على شراء كميات ضخمة من الاعتدة المصنعة في وقت حُفِظَت فيه تقارير الفريق في أدراج بعيدة عن متناول اليد لتبقى مضامينها متمتعة بسرية عالية يُعَدُّ الكشف عنها خطرا على الأمن القومي الأمريكي!

ونتيجة للتوسع والإفراط في إنتاج العتاد المذكور، فقد حُوِّرت وأنشئت مصانع جديدة للمساهمة في عملية الإنتاج،  فقد خطط للبدء بتوزيع العتاد المنتج على الوحدات المقاتلة اعتبارا من العام 1980 . ولم تعد مسألة توخي السلامة العامة والاهتمام بتأثر السكان وسلامة البيئة أمورا قائمة يحسب لها حساب.

 وقد أنيطت بمصنع الرصاص الوطني في (كولوني) بولاية (نيويورك) إنتاج بعض أنواع هذا العتاد لحساب (اﻠﺒﻨﺘﺎﮔﻭن)، ومنذ العام 1980 رصدت الجهات المعنية تسرّب كميات من الغبار المشع ذي السمية العالية إلى الهواء الطلق في المنطقة المحيطة بالمصنع سرعان ماإنتشر إلى باقي انحاء الولاية، ما تسبب في رفع نسبة النشاط الإشعاعي في عموم الولاية إلى حد بلغ (150) جزء من المليون من الكيوري([37])جراء تسرب ما مقداره (378)غم فقط من ذلك الغبار (لاحظ عزيزي القارئ الكريم:إن الاطلاقة الواحدة من عتاد GAU-81A الذي تطلقه طائرة A10 تنشر272غم من هذا الغبار، وان أمريكا أطلقت على الأهداف العراقية عام 1991 مامجموعه 940 ألف اطلاقة من هذا الصنف وان القذيفة A-1 التي تطلقها الدبابة تنشر 3185غم منه، وقد أطلقت الدبابات الأمريكية أربعة عشر ألف قذيفة على أهداف عراقية خلال حرب 1991 فقط (لايدخل في تلك الاحصائية الكميات التي رميت خلال العمليات التالية والتي كان ختامها غزو عام2003)، وان الصاروخ (كروز-توماهوك) يحمل مامقداره 75 كغم من اليورانيوم المنضب، وليس ثمة احصائية دقيقة عن عدد الصواريخ التي تحمل اليورانيوم المنضب التي اطلقت على (العراق) منذ العام 1991وحتى العام 2003.

وبسبب ارتفاع الأصوات وتعالي الصيحات ضد هذا التلوث الذي سببه المصنع المذكور، صدر قرار قضائي بإيقافه عن الإنتاج، وبعد استمرار تقديم الشكاوى فقد تقرر إغلاق المصنع نهائيا عام 1983 وبوشر بتفكيكه فيما بعد.

 وعقب شعور عمال مصنع آخر مشابه في (جونيسبورو- بولاية تينسي) بأعراض غريبة فقد أُرجعت لاحقا إلى تعرضهم لغبار اليورانيوم المنضب الناجم عن عملهم في إنتاج اطلاقات عيار(30) ملم لحساب القوة الجويةالامريكية.

 لقد فرض استمرار إجراء التجارب وتوخي التطوير واستحداث أجيال متعاقبة من الاعتدة في مختلف العيارات، التوسع في إنشاء ميادين رمي لممارسة رمي التدريب والتجارب لهذه الأنواع من الاعتدة ، فقد تحقق إنشاء ميادين تخصصية لرمي أسلحة المشاة والدروع والمدفعية وكذلك القوة الجوية التي طورت ميدانها الخاص المسمى (مختبر ساندي الوطني) في قاعدة (كركلاند الجوية في نيو مكسيكو).

 وعلى العموم فان ثمة (50) موقعا مورست فيه عمليات الإنتاج أو التجارب لاعتدة اليورانيوم المنضب في عموم (الولايات المتحدة) وخاصة في ولايات (أنديانا وأريزونا وأروين وماريلاند وماديسون) وغيرها. واليورانيوم المنضب يدخل في صناعة الاعتدة بواسطة طريقتين هما:

1- صنع الجزء المخصص لخرق الدرع من سبيكة متجانسة تتألف من مادة اليورانيوم المنضب وعناصر الموبلديوم والتيتانيوم والزكونيوم والنوبيوم([38])، كانت قذائف الدبابات التي أطلقتها القوات الاﻨﮕﻠﻴﺯية خلال الحرب على(العراق) من هذا النوع. ومما يفرض نفسه للتثبيت هنا هو إطلاق وزير الدفاع الاﻨﮕﻠﻴﺯي وقت الحرب الحسرات في إن بلاده لم تتوصل حتى ذلك الوقت إلى تقنية تصنيع النوع الآخر من القذائف الذي هو أشد فتكا (النوع المغلف باليورانيوم المنضب)([39]) على الرغم من شدة وحماوة العلاقات التي تربط بلاده بالولايات المتحدة الامريكية!.

2- تغليف الرأس أو القضيب الخارق للدرع باليورانيوم المنضب، وتتكتم الجهات الصانعة لهذا النوع من الاعتدة على المعلومات المتعلقة بسمك الغلاف، وهو ما حمل الوزير المذكور على إطلاق الحسرات، فهذا النوع من الاعتدة يتمتع بقوة عالية لخرق الدرع المستهدف بها أعلى من التي تتمتع بها القذيفة التي تدخل في صناعتها سبيكة اليورانيوم المنضب.

ولان هذه الاعتدة انتجت لمجابهة الدبابات السوفيتية (T 72) حسب مزاعم المصادر العسكرية الأمريكية كما مر بنا، فان مسألة تجربتها على دبابات من هذا الطراز ظلت حلما يراود خيال رواد الواقعية في التدريب([40]) من ذوي الشأن في (اﻠﺒﻨﺘﺎﮔﻭن).

 ثم حانت تلك الفرصة عقب اجتاح القوات الصهيونية للاراضي اللبنانية في صيف عام 1982 والتي تمكنت من أسر دبابة من هذا النوع تعود إلى القوات السورية في (البقاع)، وتم شحنها إلى (الولايات المتحدة) لاستخدامها هدفا واقعيا لرمي الاعتدة المصنعة من اليورانيوم المنضب (ربما أُستُخدم الرمي التجريبي لهذا العتاد في صحراء سيناء على هياكل الدبابات المصرية المدمرة من بقايا حرب رمضان 1973 او انه جُرِّب خلال تلك الحرب كما سنرى ذلك في موضعه).

 لقد ادى اليورانيوم المنضب إلى حصول قفزة نوعية في مجال زيادة المدى القاتل للدبابات التي تستخدم اعتدته خصوصا بعد ان تم تجربة تلك الاعتدة على اهداف واقعية وحقيقية وان ذلك المدى صار ثلاثة الاف متر كما أسلفنا، إلى حد صارت معه حسابات الامريكان ومعهم قادة (الحلف الاطلسي) ان (بمقدورهم تدمير 70%من دبابات حلف وارشو بفارق المدى الذي تملكه دباباتهم وصواريخ مقاومة الدبابات الارضية وعلى السمتيات والقوة الجوية تدمير الـ30%الباقية بفارق التقنية العالية التي تملكها دباباتهم واسلحة ضد الدبابات.

 وبهدف رفع قدرة الدبابات وعجلات القتال المدرعة الامريكية على مقاومة قذائف الاسلحة المضادة للدبابات ، فقد اتجه التفكير صوب ادخال اليورانيوم المنضب في تصنيع ابدانها، وتم تصنيع العديد منها. لقد تحقق ذلك الجهد فيما بعد مع عدد من الانواع منها الدبابة(أم- ابرامز) وأخيرا شملت عجلات القتال المدرعة (برادلي) بتلك التقنية التي أمنت حماية مضمونة إلى حد كبير يتمتع بها طاقم الدبابة وعجلة القتال المدرعة من خلال تنطط اغلب القذائف التي تستهدفها مايسبب انحرافها عن البدن، (ولكن ذلك لايحميها من الاعتدة المصنوعة من اليورانيوم المنضب التي ترمى ضدها والتي تحيلها إلى كتلة من نار).

 لقد أصدر الجيش الامريكي كراسا تدريبيا عام 1996 بعنوان (منظومات الاسلحة لعام 1996) لم يتطرق إلى هذا النوع من الدرع بشكل صريح كما ان الكراس تجاهل الاشارة الصريحة إلى اعتدة اليورانيوم المنضب التي تطلقها هذه الدبابات وإكتفى بالاشارة إلى (درع خاص) و(عتاد محسّن)([41])0 تجدر الاشارة هنا إلى عدم قدرة الاعتدة العادية على خرق دروع الدبابات التي يدخل في صناعتها اليورانيوم المنضب،  اما اعتدة اليورانيوم المنضب فانها تحول تلك الدبابات إلى كتلة نارية ملتهبة وكأنها هياكل خشبية أضرمت فيها النيران.

 ولما كان صيد الدبابات بواسطة الطائرات عملا أكثر تفضيلا في القتال المدرع كونه أقل كلفة وأقل خسائر في الارواح،  فقد زودت طائرات (وارثورغA 10  ) المسماة قانصة الدبابات بمنظومة لرمي إطلاقات اليورانيوم المنضب،  وبهدف تأمين كثافة نارية عالية عند الرمي بتلك المنظومة فقد صمم العتاد بعيار30ملم ليتم إطلاقه بواسطة مدفع رشاش مع وسائل تسديد وتصويب دقيقة.

 وبهدف ارسال اليورانيوم المنضب إلى قلب التجمعات السكانية عندما تصير المدن اهدافا للعنف الامريكي،  وتحت حجة (اختراق بضعة أقدام من الاسمنت المسلح وتدمير أي استحكامات أو ملجأ) كما تقول (لينورا فورستيل) في بحثها الموسوم (تواطؤ المؤسسة العسكرية والاعلام لاخفاء اليورانيوم المنضب) نقلا عن صحيفة (واشنطن بوست) الصادرة يوم 4/9/1996،  فقد عمدت الادارة الامريكية إلى تصنيع رؤوس صواريخ (توما هوك) و(كروز) من اليورانيوم المنضب، تقوم بتنفيذ ذلك شركة (هيوز)([42])، وهو الامر الذي أكده (رامزي كلارك) في ندائه الدولي ضد استخدام اعتدة اليورانيوم المنضب، بينما يصر شاهد عيان،  هو (دوماسيو لوبيز) انه يعرف انهم يستخدمون اليورانيوم المنضب في تصنيع بعض الصواريخ، الامر الذي دعاه للشك في ان صاروخا بالستيقيا دمّر منزلا في (البلقان) يحوي يورانيوم منضب([43])فهو يملك بين يديه وثائق تكشف ان صواريخ كروز توما هوك التي تم اختبارها تحوي على اليورانيوم المنضب)([44])، وانه يحدد كمية اليورانيوم المنضب التي يحتويها رأس الصاروخ من فئة (كروز) و(توما هوك) بما مقداره (75) كغم من هذه المادة التي سستنسحق وتشتعل في المنطقة المحيطة([45])، ولو ان الاعلامالامريكي الرسمي يحاول انكار تحميل رؤوس تلك الصواريخ يورانيوم منضب ( لكن من ذا يصدق الاعلام الرسمي الامريكي؟)!!.

ولم يُبق صُنّاع السلاح الامريكي اسلحة الدفاع الجوي بعيدة عن هذا الاستخدام حيث صمموا وانتجوا اعتدة خاصة من اليورانيوم المنضب لاغراض الرمي بمدافع (فالانكس) وقد أقدمت سفينة يابانية تحمل مدفعا من هذا النوع مزودا بعتاد اليورانيوم المنضب على ترمية مدفعها،  فأصابت القذيفة طائرة أمريكية كانت تمر مصادفة في منطقة أهداف المدفع فوق المحيط الهادي (أو هكذا قيل على الاقل) مما نجم عنه تدمير الطائرة وغرق حطامها المتناثر في لجة المحيط في حزيران/ يونيو1996([46])، وجدير بالذكر هنا ان (دان فاهي) الذي رجعنا اليه في مواضع عديدة من كتابنا هذا هو امريكي تدرب على مدافع (فالانكس) وعمل عليها في خريف 1990 ضمن قوات البحرية الامريكية. وان قادته اخبروه ان العتاد الذي يستخدم في هذا النوع من المدافع مصنوع من اليورانيوم المنضب، وهو عتاد لايحمل مخاطر على صحة مستخدميه، وكانت الاشارات المميزة على تلك الاعتدة تدلل على وجود اليورانيوم المنضب فيها، لكنه لم يمنح الامر مايستحق من اهتمام إلى ان نقل إلى (سان فرانسيسكو) للعمل هناك وذلك عقب انقضاء سنوات على حرب الخليج حيث شاهد مرضى عزا الاطباء معاناتهم إلى تعرضهم إلى غبار واشعاع اليورانيوم المنضب في حرب الخليج عندها استعاد ذكريات عمله على مدافع (فالانكس عيار 20ملم) في البحرية الامريكية وهي المدافع التي كانت ترمي اعتدة اليورانيوم المنضب،  الامر الذي دفعه لتولي دراسة الامر من كل جوانبه، وكان من بين ثمار ذلك الجهد المعمق تأليفه لكتاب (توصيف حالة التعرض لليورانيوم المنضب) والذي ترجمه للعربية الدكتور (بهاء الدين حسين معروف).

 وقد يعزى التكتم الشديد الذي يلف موضوع العتاد المصنّع من اليورانيوم المنضب والسرية العالية التي طبعت على وفقها المعلومات عنه إلى الاسباب التالية:

1- قبل الشروع بالعمليات ضد العراق 1991:

 أ- تحقيق مباغتة في السلاحب-تحاشي اثارة الذعر والرعب بين افراد القوات الحليفة وخاصة المسؤولة عن نقل وتداول وخزن واستعمال العتاد المعني، وكذلك طوائف الدبابات وعجلات القتال المدرعة المكسوة باليورانيوم المنضب.        

2- بعد انتهاء العمليات:

أ-عدم فتح شهية الدول الاخرى وخاصة النووية (التي لديها خزين من النفايات) للتعرف على طبيعة هذا العتاد، الامر الذي سيدفعها لفك اسرار تصنيعه وما يمثل ذلك من خطر على القدرات الامريكية في حالة دخولها في صراع مسلح تقليدي مع تلك الدول.

ب-محاولة التملص وإنكار أية مسؤولية تترتب على الاستخدام السادي لهذا العتاد الخطير لما سيلحقه من اضرار فادحة على الاشخاص والبيئة وخاصة عند لجوء المتضررين إلى القضاء.  

ج-تقليل خسائرها البشرية (ولو نظريا)، والا فأي نجاح يمكن ان تتبجح بإحرازه (الادارة الامريكية) في حرب خسرت فيها خُمْس قواتها([47]) ممن ظهرت عليهم أعراض الامراض التي كان سببها استخدام اعتدة اليورانيوم المنضب اضافة إلى ما لحق بعوائلهم من ضرر فادح وما تسبب في تشويه الولادات الجديدة لآباء تعرضوا لخطر العتاد المذكور.

 وبهدف حصر منظومات الاسلحة التي احتوت أعتدتها على اليورانيوم المنضب سواء على شكل سبيكة او طلاء، فاننا نشير إلى مايأتي:

1-الدبابات:وقد جهزت بقذائف من عيارين هما (105ملم و120ملم) وحسب نوع المدفع الرئيس للدبابة، يحتوي كل نوع منها على 2، 2-10كغم من اليورانيوم المنضب. وكانت الدبابات التي خصصت للرمي بهذا العتاد هي:

 أ-الدبابة -M60 MIالمجهزة بمدفع m68 لرمي قذيفة M735-A1 عيار 105ملم.

ب-الدبابة M1A2 وM1AL (ابرامز) لرمي القذيفة M829 عيار 120ملم.

2-عجلة القتال(برادلي) وترمي قذائف MX919 عيار 25 ملم ومحتوياتها 5، 8غم من اليورانيوم المنضب([48]).

3-قذائف GAU-81A عيار30 ملم وتُرمى من قبل الطائرات نوع(وارثورغA-10)بواسطة مدفع (كاتلنك) القادر على رمي (1000) طلقة من هذا النوع ، تحوي كل طلقة على 272غم من اليورانيوم المنضب.

4-قنابل ضخمة تقذف من الطائراتF18  زنة القنبلة الواحدة مئات الكيلوغرامات، وبفئات وزنية متعددة.

5-مدفع(فالانكس)ضد الجو،  وهو قابل للاستخدام ضد الاهداف البرية أيضا.

6-الالغام الارضية ويحتوي كل لغم على حوالي 100غم من اليورانيوم المنضب.

7-قذائف تطلق من طائرات البحرية نوعA7-8B  .

8-الصواريخ البالستيقية من طراز(توماهوك) و(كروز) التي تنتجها شركة(هيوز)([49]).

9-صواريخ جو/أرض صممت خصيصا خلال العمليات لخرق ملجأ(العامرية)([50]).

10-اطلاقات بنادق عيار 62، 7ملم و5، 0([51]).

 اما بالنسبة لحلفاء (الولايات المتحدة) المشاركين في الحرب ضد(العراق)عام 1991فالثابت هواستخدم الاﻨﮕﻠﻴﺯ دبابات (شالنجر) لرمي قذائف مضادة للدروع مصنوعة من اليورانيوم المنضب.وتتوقف معلوماتنا على هذا لحد الان حيث نعلم ان الدبابات الفرنسية من نوع AMX 30 مسلحة بالقذاءف المصنوعة من اليورانيوم المنضب([52])،  الا ان الدليل على استخدام هذا العتاد في حرب الخليج من قبل الفرنسيين لم يرشح حتى الان، مما يجعلنا نتوقف عند هذه المعلومة لحين ظهور ما يؤكد او ينفي ذلك الاستخدام.

ان انتشار اكثر من (50) موقعا ملوثا بمخلفات تصنيع وإختبار اعتدة اليورانيوم المنضب في عموم (الولايات المتحدة) أخذ يشكل خطرا على احتمال قدرة (الادارةالامريكية) على الاستمرار في انتاج وتجربة هذه الاعتدة وكذلك في تصنيع ابدان الدبابات المكسوة باليورانيوم المنضب وتدريب القطعات وابحاث العلماء لما تشكله الاضرار الناجمة عن تلك العمليات من مخاطر تشمل عموم البلاد التي ستفيق ذات يوم على وقع كارثة غير عادية. لذا حاولت تلك الادارة جاهدة نقل مخاطر هذا العتاد إلى اراضي دول اخرى مستغلة جهل شعوب وقادة تلك الدول بمخاطره الكارثوية.

 وكانت (المانيا) أول من اكتوى بنار هذا العتاد المشؤوم .وكانت بداية المعاناة الالمانية عام 1985عندما بدأت القطعات الامريكية المعسكرة هناك باجراء تجارب ورمي تدريبي بالاسلحة التي يدخل اليورانيوم المنضب في صناعتها، وان السرب (81) الذي يتألف من ثمان طائرات قانصة الدبابات (وارثورغ A10 ) والذي يعسكر في قاعة (سبانغدالهم) الجوية الالمانية ربما كان يملك اعتدة من اليورانيوم المنضب منذ حقبة التجارب 1973وانه قد يكون مارس الرمي التجريبي والتدريبي بتلك الاعتدة  في اماكن مختلفة من البلاد منذ ذلك التاريخ.

ان الكوارث تترى في البلاد الالمانية التي تتوسط القارة الاوروبية جراء استخدام القطعات الامريكية لهذه الاعتدة منذ التاريخ آنفا.فقد مارست القوات الامريكية (الضيف) رمي اعتدة اليورانيوم المنضب في ميدان رمي (غرافن فوهر)عدة مرات، بينما ادى احتراق دبابة امريكية في مدينة (شغانيفرت) وسط البلاد إلى تدمير العتاد المصنوع من اليورانيوم المنضب داخلها عام 1985 .

مايلفت النظر ان الامريكان لم يحيطوا الالمان علما بنوعية الاعتدة المرمية والمحترقة. ومع استمرار تكرار الحوادث المماثلة (الرمي التدريبي وحوادث الاحتراق)، فقد صار واضحا وجليا ان عتاداً خطيراً وغير مسموح به يتمتع بسرية عالية هو الذي رُمي واحترق في مسلسل الرعب ذاك. وبوقت متأخر جدا عن كل تلك الوقائع،  قام وزير الدفاع الالماني (راوولف اربينج) باستدعاء السفير الامريكي في (برلين) ليسلمه إحتجاجا لاقيمة له.

كان لتأثير الخبرات التي اكتسبها الالمان خلال الكوارث المتكررة في بلادهم،  انهم كانوا الاكثر دراية في شؤون ذلك السلاح الامريكي كما هم كذلك في شؤون العقل الامريكي ، لذا فان الجيش الالماني كان يجبر الجنود الالمان العائدين من مشاركات قتالية عالمية كالبلقان وافغانستان على ان يحرقوا بعض تجهيزاتهم (وخاصة الاحذية) قبل ان يتوغلوا في الاراضي الالمانية منعا لاحد اسباب التلوث باليورانيوم المنضب من اضافة دمار جديد للبيئة الالمانية التي الحقت بها التجارب والتدريب الامريكي باعتدة اليورانيوم المنضب دماراً خطيراً. 

 وكما حصل مع الالمان فقد عرف اليابانيون حقيقة مروعة عندما اكتشف أمر جزيرة (أوكيناوا) وما دار فيها من أحداث، اذ ان الطائرات الامريكية قامت باجراء تدريبات في تلك الجزيرة قبل الهجوم على (العراق) تتضمن رميا حقيقيا بعتاد اليورانيوم المنضب.

لقد افاضت الصحفية اليابانية (كاما) العاملة في شبكةNHK  التلفزيونية اليابانية عندما شرحت الامر لمحرر جريدة (الجمهورية) البغدادية (الملغاة) التي نشرت نص حديثها والذي قالت فيه:(ان الطائرات الامريكية انشأت ميدانا للرمي في جزيرة أوكيناوا تضمن نماذجا مشابهة لاهداف عراقية وذلك قبل الحرب على العراق بشهرين لمعرفة مدى قدرة الطائرات على تدمير اهدافها)([53]). 

 لم يكن اليابانيون يعلمون بما يدور في تلك الجزيرة ، وان ماجرى كان سريا مما منع تسرب المعلومات إلى اوساط الشعب الياباني، الامر الذي دفع القيادات العسكرية الامريكية الى تشجيع قواتها المتواجدة هناك على الاستمرار بتلويث الجزيرة وتسميم ابناء الشعب الياباني وكأن التضحيات التي قدمها ذلك الشعب في (هيروشيما) و(ناﮔﺍزاكي) غير كافية، فقد اقدمت طائرات البحرية الامريكية من نوعA7-8B على قصف اهداف وهمية في الجزيرة بما مجموعه 1520 إطلاقة يورانيوم منضب خلال شهري كانون الاول/ديسمبر1995وكانون الثاني/يناير1996.

 لقد كانت السرية التامة احدى شروط الرمي بهذا النوع من العتاد إذ حجبت المعلومات عن السلطات اليابانية، وعندما فاحت رائحة اليورانيوم الكريهة المخيفة، عم الاستياء الشعب الياباني الذي بادر إلى شجب تلك الافعال الشنيعة التي عدها جرائم، بينما اعربت الحكومة اليابانية عن قلقها جراء ذلك خصوصا وان الادارة الامريكية استغفلتها.

 لم تعترف الادارة بتلك الافعال الا بعد مرور اكثر من سنة على تنفيذها حيث اقرت في شباط /فبراير بفعلتها الاثمة المحرمة بموجب بنود القانون الدولي، وأبدت اسفها الا انها رفضت تقديم اعتذار للشعب والحكومة اليابانية، وتخفيفا من هول الكارثة البيئية وتقليلا من اهميته، حاول (كينيث بيكون) الناطق الرسمي بلسان (البنتاﮔﻭن) اقناع الرأي العام بان اليورانيوم المنضب لا يشكل أي خطر على الصحة العامة والبيئة فهو ذو نشاط إشعاعي واطئ وانه يطلق إشعاعا بكمية ضئيلة جدا لا تتجاوز الكمية التي يطلقها تلفزيون من إنتاج الخمسينات عند تشغيله.

 وقد حاولت وسائل الإعلام الأمريكية إبراز (فتوى) الناطق باسم (البنتاﮔﻭن)([54])بشكل بارز.

 وضمن ذات الحقبة التي كانت الطائرات الأمريكية تتدرب في(اليابان)على قصف أهداف وهمية باستخدام اعتدة اليورانيوم المنضب تمهيدا لمهاجمة أهداف عراقية حقيقية بأسلحة مماثلة،  كانت الدبابات الأمريكية تتدرب بالرمي باعتدة ماثلة في ميدان رمي الدروع في شمال(السعودية) حيث جرى رمي سبعة آلاف قذيفةمن هذا العتاد.

وعقب هذا الاستخدام المؤذي للبشرية وبعد أن عرف القاصي والداني أضرار العتاد الذي حقق الأمريكان تطلعاتهم وأمانيهم بأذية الخصم بواسطته، تم تطوير قنابل من نوع جديد تلقيها البحرية الأمريكية بواسطة السفن والطائرات من نوعF18 ، يزن هذا النوع من القنابل بضع مئات من الكيلوغرامات وهي بفئات وزنية متعددة، ولقد وقع الاختيار على جزيرة (فيقواس) التي هي إحدى جزر أرخبيل (العذراء) التابع لدولة (بورتوريكو) لقصفها بتلك القنابل تجريبيا. تقع الجزيرة المنتقاة للغرض السئ شمال (كاراكاس) عاصمة (فنزويلا) بحوالي ألف كيلو متر حيث وجدت القوات الأمريكية تلك الجزيرة ميدانا ملائما لرمي وتجربة هذا النوع المتطور من القنابل الثقيلة جدا والتي يدخل اليورانيوم المنضب في تصنيعها. لم تكترث السلطات الامريكية بسلامة سكان الجزيرة، وربما كان وجود سكان فيها احد اسباب اختيارها لتحويل اولئك السكان إلى خنازير اختبار كما فعلت مع جزيرة (مارشال) التي جربت فيها التفجيرات الهيدروجينية في مطلع الخمسينات من القرن الزائل، ولكن الرفض الشعبي للرغبات الامريكية مما مارسه سكان جزيرة (فقواس) تسبب في اشهار مايجري هناك وافتضاح امره، مع عدم اهمال اعتقاد ان الادارة الامريكية ساهمت بتسريب معلومات محددة عما يجري هناك لاغراض دعائية وتجارية، وربما ارهابية يراد من ورائها ارهاب قوم آخرين.

 لقد سببت تلك التجارب سلسلة من الكوارث البيئية، فقد نفقت الاسماك التي كان صيدها مهنة السكان المربحة،  وتلاشت السياحة التي كانت تنثر الذهب على ربوع الجزيرة واندثرت،  وتفشت انواع عديدة من السرطانات التي فتكت بالسكان بنسب مروعة.

وعقب مقتل عدد من سكان الجزيرة جراء سقوط قنابل القتها تلك الطائرات على تجمعاتهم السكنية مباشرة، اشتعل فتيل ألازمة، إذ أظهرت الجماهير كل خزينها من سخط وغضب ورفض تجاه تلك الأعمال الوحشية، الأمر الذي دعا (الإدارة الأمريكية) لإصدار بيان تعلن من خلاله عن إيقاف التجارب والتدريب هناك لمدة سنة.

 ومع إطلالة حزيران/يونيو2000 أعادت القوات الأمريكية كافة أنشطتها المدمرة للبيئة والسكان في الجزيرة المنكوبة، وهو ما دعا السكان لتجديد السخط والهيجان، ما دعا السلطات الامريكية إلى اعتداد ذلك تجاوزا على (حقوقها!) فتصدت للمتظاهرين واعتقلت الاكثر نشاطا  منهم بذريعة انهم اخترقوا حرمة القاعدة الامريكية ودخلوها بغير ترخيص.

 وكسابقة غير مألوفة، ساقت المعتقلين وعددهم (56) مواطنا بينهم (20) طبيبا إلى داخل حدود (الولايات المتحدة) حيث حوكموا في محاكمها على الرغم من تابعيتهم لدولة اخرى وان تظاهرهم كان على تراب وطنهم وليس على الارض الامريكية، مع عدم بروز احتجاج رسمي من قبل حكومتهم.

 ولم تكتف الحكومة بالسكوت والوقوف موقف المتفرج المحايد، وانما انضمت إلى المعسكر الامريكي عندما خرج الرئيس البورتوريكي على اجماع شعبه ورغباته الوطنية،  خاضعا لرغبات الامريكان التي تضمنت اجراء استفتاء للشعب البالغ تعداده تسعة ملايين نسمة تسهيلا لسلخ الجزيرة المنكوبة وضمها نهائيا إلى (الولايات المتحدة)([55])لتحويلها بالتمام إلى أقذر ميدان رمي وتدريب وتجارب اختصاص لاحد اقذر انواع الاعتدة تلك التي يدخل اليورانيوم المنضب في تركيبها وصناعتها.   

شكل تخطيطي لقذيفة حاوية على رأس من اليورانيوم المنضب

(المصدر:دراسات وابحاث عراقية مختارة ومنشورة ص246)

  

مخطط لقذيفة ذات راس من اليورانيوم المنضب

يصنع القلب حاليا من اليورانيوم المنضب

(المصدر:اساليب عمل اسلحة م/د-العميد الركن سمير فاضل ص10)

الفصل الثاني

الاستخدام الاول00التخطيط والتنفيذ

 "حينما يتحدث السياسيون عن نزع السلاح،  تصطدم هيئات الاركان ،  فورا  بمجموعة من المشكلات التي تبدو مستحيلة الحل تقريبا، لان امن بلادها مهدد بصورة دائمة  بسبب احتمال تفوق اسلحة الخصم"

                                                             الجنرال فيكتور فرنر([56])   

  قليلون من ذوي التأثير في اتجاهات الرأي العام، كانوا على علم ودراية بحقيقة العتاد الجديد الذي تنوي (الإدارة الأمريكية) استخدامه لأول مرة في حربها ضد (العراق) مطلع العام 1991،  لذا لم يكن الأمر جليا بسبب قلة ما رشح من معلومات يستطيع الرأي العام تداولها بخصوص هذا العتاد.

 وكان من بين أفراد تلك القلة (ليونارد دينيس) خبير الأشعة النووية الذي بعث رسالة إلى (ليس أسبين) رئيس لجنة الدفاع في (الكوﻨﮕﺭس) تحمل تاريخ (تشرين الأول/أوكتوبر1990) أي قبل بدأ العمليات الحربية بثلاثة أشهر، حذر فيها من استخدام عتاد اليورانيوم المنضب، وعبّر عن شديد قلقه بهذا الشأن، مذكرا بفقرات معينة من تقرير كان قد نشر عام 1980 عندما كان (دينيس) يعمل في مختبر الطاقة النووية في (نيويورك)،حيث كان يتابع بحكم مسؤوليته مشاريع استخدام اليورانيوم المنضب في المعمل الذي ثبت تسببه في تلوث المنطقة جراء إنتاجه عتاداً من هذا العنصر (تطرقنا إلى تلك الفقرة في الفصل الأول).

 وعلى الرغم من أهمية الموضوع وخطورته، إلا إن (دينيس) لم يتلق ردا من (أسبين)إلا عقب ثمانية اشهر، وكان الخطر الفادح يومذاك قد ضرب اطنابه في كل الاتجاهات. ومع كل ذلك الأمل الذي كان يتشوق إليه (دينيس) فقد جاء الرد تافها باهتا تسويفيا لا قيمة له البتة، فهو يبلّغ (دينيس) ان (البنتاﮔﻭن) سيكلف الدكتور(جوانترمان) بدراسة رسالته([57])،  وسيعد جوابا بشأن فحواها.

 وبعد أن كتب (جيمس رجْوي) عن اليورانيوم المنضب بحثا نشره في (الفيلاج فويس) يوم 15/12/1990 قال فيه (إن جيش الولايات المتحدة مجهز بعتاد عالي التقنية مصنوع من فضلات نووية تمكنه من إذابة طبقات الدروع التي تحمي الجنود العراقيين وتحرقهم وهم أحياء، ليس من المصادفة إن هذه القنابل قاتلة الدبابات سوف تحيل الصحراء العراقية إلى جحيم دائم التسمم عدة أجيال مقبلة)([58]) ظهر إن الإعلام المسخر يحاول التعتيم على هذا الأمر بكل ما امتلك من قوة وسلطان0

 وعندما أعلن التلفزيون الاﻨﮕﻠﻴﺯي في أواخر كانون الثاني/ يناير1991 (خلال سير العمليات)عن إن طائرات أمريكية (قامت بإطلاق قذائف ملغمة باليورانيوم)، حفّز ذلك الكنيسة الاسكتلندية على الاهتمام بالأمر بحكم دوافعها الانسانية وواجباتها الدينية، فشكلت فريقا لمراقبة هذا الاستخدام.

 تمكن الفريق من إعداد تقرير حوى استشارات علمية وتوصيات عديدة صاغها علماء بجامعة (بتسبرغ) جاء فيه (إن الخطر البيئي الرئيس لهذا العتاد، هو انه في حالة وقوع الحرب البرية، سوف تمتلئ الصحراء بآلاف منه مما يسمم الصحراء أجيالا عديدة.فاليورانيوم 238مادة كيمياوية شديدة السمية، فان عاش المرء بعد التعرض لها فسوف يعيش معطوب الكلى)([59]) انه (موت مؤجل)([60]) حقا.

 لم يكن الفريق العلمي الكنسي، على الرغم من الجهود الحثيثة التي بذلها بعارف حقيقة إن هذا العتاد الذي يعمل على كشف حقيقته وفضح مستخدميه وحشد الأصوات ضده، قد استخدم منذ اليوم الأول للحرب، وان موجة الصواريخ البالستيقية التي هدمت عدداً من الأحياء السكنية المأهولة بالسكان كانت مزودة به، وان الطائرات التي تطلق قذائفه، لم تستثن قوافل الإغاثة السالكة طريق (عمان- بغداد) وان تقريرهم الذي نشر يوم 8 شباط/فبراير1991لم يكن ليؤثر على قرار (الإدارة الأمريكية) لصنع وتجربة صواريخ جو/أرض التي ستضرب ملجأ (العامرية) المعد لإيواء مئات الأشخاص من الأطفال والنساء،  وستحرق الملجأ بتأثير قوة وشدة احتراق اليورانيوم المنضب الذي يناضل هذا الفريق ذو النزعة الإنسانية ضد تصنيعه واستخدامه.

 وكان رهط المبصّرين ممن وقفوا جهودهم لفضح خطط ونوايا (البنتاﮔﻭن) في استخدام اليورانيوم المنضب في الحرب، يتزايد فعلى هذا النهج التبصيري الخارج على خطط ونهج الإعلام المسخر، سار غير هؤلاء من علماء يعون الكارثة المحتملة ومنهم (هيلين كالديكوت) و(ليوناردو ديتز) و (روزالي بيرتل) و(ميشو كاكو) و(غاي غوله)([61]).  وسنعرج لاحقا على بعض مضمون التقرير المفصل الذي أعدته (بيرتل) بخصوص الموضوع،  إن شاء الله تعالى.

ولابد من الوقوف على الحجم الحقيقي لكمية العتاد المصنوع من اليورانيوم المنضب المستخدم في الحرب ضد (العراق) على الرغم من إن حشد الخيرين عمل بجد ونشاط في سبيل تحجيم هذا الاستخدام وكشف حقيقته للرأي العام العالمي وتبصيره بمخاطر هذا النوع من العتاد ، تلك المخاطر التي لايمكن الوقوف على حجمها