المراة
العراقية في عالم مفتوح

تقديم
إدارة
مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية
هل يمكن أن تنجح التنمية في بلد من
البلدان بمعزل عن مشاركة المرأة بدور فعال فيها ؟
لقد مرت على الشعوب تجارب
كثيرة، وضعت خلالها قواعد اجتماعية مختلفة لتنظيم أفرادها، بعضها
جادت بها الرسالات السماوية، والبعض الآخر انبثقت من شرائع وضعية،
عمل العقل الإنساني على خلقها وممارستها، وكان الهدف الأساس لهذه
القواعد هو الارتقاء ببني البشر إلى المستوى الإنساني الذي يحفظ
كرامتهم، وينمي قدراتهم، ولم نجد في هذه التجارب جمعاء شيء يثبت إن
الشعوب تتطور على أكتاف الرجال دون النساء أو إن المرأة تمثل كماً
مهملا يمكن الاستغناء عنه، بل العكس هو الصحيح، إذ ما من محاولة
تهدف إلى تطوير المجتمع إلا وكان نجاحها مرتبطاً بوضع البرامج
الصحيحة لتطوير المجتمع برجاله ونسائه .
وعليه، فنحن نقف موقفاً سلبياً
تجاه الدعوات التي يطلقها أصحابها تحت عنوان " تحرير المرأة" لأننا
نرى أن إطلاقها بهذا الشكل غير سليم، إذ إن السيطرة على المرأة،
إنما تكون من شريكها في الحياة، وقريبها في النسب، وهو الرجل،
وحصول مثل هذا الأمر ، يدل على وجود خلل جسيم في تفكير الرجل ينعكس
على سلوكه اتجاه المرأة، إذا يجب تصحيح هذا الخلل وبسرعة، وجعل
الدعوات الهادفة إلى تطوير دور المرأة، ذات برامج هادفة أيضا إلى
تحرير الرجل الذي يلغي دورها من الفكر التقليدي الذي يجعله ينظر
إليها بمستوى إنساني أدنى منه تحت مسميات عديدة: الدين، التقاليد،
الأعراف، فيختلط الصحيح السامي بالمشين البالي، فيكون التقليد
والعرف الخاطئ جزء من الدين (ونقصد به الدين الإسلامي) فتضيع قواعد
الدين الحنيف من كل ما يلحق بها من اتهامات تحاول جعلها منافية
لحرية المرأة ، والحضارة، وسلوك المجتمعات المتقدمة كافة.
إضافة إلى ما تقدم، يجب أن يكون
هنالك وضوح في الرؤيا عند الحديث عن حقوق المرأة، وتفعيل دورها في
بناء المجتمع ، فيكون هذا الحديث مرتبطاً بالحديث عن تطوير المجتمع
بشكل كامل، فمتى ما حصل هذا الأمر، لم تعد هناك ضرورة للحديث عن
الحضارة الذكورية، وامتهان دور النساء، وما شابه ذلك، بل سوف تلغى
الحواجز التي تصنف المجتمعات إلى نساء ورجال، وحقوق هذا، وحقوق
تلك، وسوف يكون الحديث عن حقوق إنسان، بغض النظر عن نوعه، وسيشترك
الجميع في بناء حضارة إنسانية تشمل الجنس البشري بكامله.
إن المجتمعات التي عانت الويلات
من استبداد وقهر، وسحق لكرامة الإنسان فيها كالمجتمع العراقي، هي
أحوج ما تكون إلى وضع ما تقدم في حسبانها من اجل حث الخطى لتجاوز
ما فقدته من زمن، وثروات طبيعية، وطاقات بشرية، والبدء في بناء أسس
نهضة صحيحة، لتعويض ما فاتها، وبناء الإنسان الحر الشريف، الذي
يبني ولا يهدم، ويوحد ولا يفرق، وينتج ولا يستهلك، الإنسان الذي
يعرف دوره وواجبه، كما يعرف حقوقه وحدود حرياته يُعد في قمة سلم
الأولويات لأي عمل يهدف إلى الارتقاء بالمجتمع.
ولغرض تسليط الضوء على العوامل
المؤثرة في حياة المرأة العراقية المعاصرة ، قام عدد من الباحثين
في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية، بالبحث في عدد من
الموضوعات التي محورها الأساس المرأة العراقية، ولكنها تهدف أيضا
إلى تبصير المجتمع بالبون الشاسع بين الواقع والمثال، بين الشريعة
الإسلامية السمحة والواقع البعيد عنها، وطبيعة الخلل في التشريعات
القانونية العراقية تجاه المرأة، ودورها الثقافي وحقيقة التحديات
التي تواجهها في ظل عالم مفتوح متقارب الحدود، سريع الحركة، ومتعدد
الحضارات والثقافات.
وهذه البحوث جديرة بالقراءة
والاطلاع عليها، وإذ نضعها بين أيدي القراء نحب أن نبين إنها تشكل
بداية لسلسلة بحوث ودراسات يقوم بانجازها القسم الاجتماعي في "
مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية " تتناول قضايا:
المرأة، والشباب، والتنشئة الأسرية، والثقافة والفكر...من اجل بناء
الإنسان العراقي القادر على مواجهة التحديات المعاصرة .
ومن الله التوفيق
الفصـــــل الأول
المرأة في ظل
التشريعات العراقية
(دراسة
قانونية مقارنة)
د.علاء عزيز حميد الجبوري
تدريسي/
كلية الإدارة والاقتصاد / جامعة كربلاء
تمــهيد
لم تعد الدراسات التي تبحث
التنظيم القانوني لحقوق المرأة والتزامها، مجرد مطلب لبيان حالها
وواقعها طبقا للتشريعات المتعاقبة، بل أضحت ضرورة اجتماعية
واقتصادية وسياسية لابد منها لتحليل دور المرأة في المجتمع. ذلك أن
للمرأة دورا، فعالا وأساسيا في عملية بناء وتطوير نسيج المجتمع،فهي
تلك المدرسة اللازمة لأعداد الأجيال التـي تقـود المجتمــع.
من هنا كان على المشرع المقارن
ومنه المشرع العراقي، أن يعمد إلى الاضطلاع بدوره المطلوب لتنظيم
ورسم ملامح النظام القانوني الذي يستوعب شؤون المرأة ويوفر
الضمانات الكافية لممارسة حقوقها، وهو بذلك لا يأتي بتنظيم أو
تقرير منشئ، وإنما سيكون عمله ذلك كاشفا للنظام الدقيق الذي جاءت
به الشرائع السماوية، وبناءا على ذلك فالواجب الملقى على المشرع أن
يضع من التشريعات ما يساعد على النهوض بواقع المرأة وتنميته، لهذا
فقد برز اهتمام المشرع العراقي ومنذ نشوء الدولة العراقية الحديثة
بتدارس هذا الموضوع ومعالجته بقواعد قانونية وتنظيمية متعاقبة كما
سنرى، هذا وقد حاولنا في بحثنا لهذا الموضوع الاستفادة من المصادر
العلمية المتوفرة رغم ندرتها عموما، وقلة الحديثة منها بوجه خاص،
كما أخذنا بنظر الاعتبار المقارنة مع قواعد الشريعة الإسلامية فضلا
عن بعض من التشريعات المقارنة. ولغرض الوصول إلى الهدف من هذا
البحث فقد تم تقسيمه إلى مبحثين اثنين، يتناول الأول منهما:المفهوم
القانوني لحقوق المرأة والتزامها، في حين خصصنا المبحث الآخر لبحث
صور الحماية القانونية لحقوق المرأة .
الـمبحـث الأول
المفهوم القانوني لحقوق المرأة
والتزامها
تتسم الحقوق الواجبة
للمرأة ابتداءً أو تلك التي تكتسبها خلال مراحل حياتها، بأنها
حقوقا تقع في عموم حياة المجتمع وتجاربه لا في عرض تحليله، إذ إنها
حقوق جوهرية، قد أجبل المجتمع على احترامها ورعايتها وتوفير
الحماية لها، من هنا فان مفهوما دقيقا لتلك الحقوق لا يمكن ربطه
وتحديده عبر فقرات محدودة وباستخدام وسائل بحثية بسيطة، بيد أننا
نؤكد على أصل مفهوم تلك الحقوق سواء ما كان منها متعلق بالحقوق
التي فطر الناس عليها والتي لا تقبل السلب أو المكتسبة منها،
وتأسيسا على ذلك سيكون بحثنا في هذا المبحث مقسماً إلى مطلبين .
أولهما التعريف بحقوق المرأة
والتزاماتها طبقا للتشريع العراقي، وثانيهما يتناول دراسة نطاق تلك
الحقوق.
المطلب الأول
التعريف بحقوق المرأة والتزاماتها
طبقاً للتشريع العراقي
يلاحظ وبحق، أن الحق بما
هو، لا يخرج عن كونه مصلحة ذات قيمة مالية أو معنوية محمية قانونا،
وهذا ما تأخذ به اغلب التشريعات المعاصرة بتعريف الحق ومنها
التشريع العراقي، بيد أن المسألة التي تثير التساؤل هنا، ويمكن أن
تكون مدارا للبحث، تتعلق بماهية الحقوق التي يمكن أن تتمتع بها
المرأة، كما يحق التساؤل عن اتساق تعريف الحق المذكور مع مفهوم
حقوق المرأة، وما يرتسم لها في الذهن من صورة تنطبع لدى الباحث
القانوني، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، هل يتوافق ذلك مع ما ينتزع من
مصاديق ذلك المفهوم للحق، سيما وان هذه المصاديق تتغاير بحسب طبيعة
تلك الحقوق، ومن سيتأثر بها؟ للإجابة عن هذه التساؤلات لابد أن
نستعرض الفقرات التالية وبالتعاقب :-
أولا : أن حقوق المرأة من حيث
المبدأ تتباين طبقا لاختلاف الأسس الاجتماعية
والفلسفية(الأيدلوجية) للمجتمعات أو بعبارة أخرى يمكن القول أنها
تختلف طبقا للمعايير أو الأسس التي تحكم النظم الأسرية وما تتضمنه
هذه النظم من قواعد قانونية مكتوبة أو غير مكتوبة، لهذا يذهب بعض
من الفقه إلى القول بان حقوق المرأة تنتج من حيث الأصل من الفطرة
التي فطر الله سبحانه وتعالى الناس عليها، بحيث يلقي هذا التحليل
بظلاله على المشرع لكي يعالج هذا الكيف الفطري لتلك الحقوق وذلك عن
طريق إصدار قواعد تضمن احترام وصيانة تلك الحقوق التي تكفلها
الشرائع السماوية ابتداءً، ولعل من الطبيعي أن تكون هنالك جهود
فكرية عميقة، تحاول الحفاظ على جوهر تلك الحقوق في ذاتها إذ أن
الغرض منها لا يشكل في الواقع سوى مصاديق منتزعة سنتطرق إليها في
مقام لاحق، من هنا فان ما يكون للمرأة من حقوق وما يترتب عليها من
التزامات سيتخذ طابعا أوسع من كونه مصلحة معينة وبالمعنى الضيق، إذ
لابد من إضفاء طابع السعة على نطاق تلك الحقوق وبالقدر المنظم فكيف
يكون ذلك؟ يتم استيعاب ذلك المعنى الواسع، كما يبدو لنا من خلال
تنظيم أحكام معينة لتلك الحقوق بشقيها الفطري والمكتسب، ولعل ذلك
من صلب حقوق الإنسان التي لا يستطيع المشرع أن يسلبها(1) .
ثانيا : يكفي بعض التمعن بان
دراسة المصاديق التي يتوافر عليها التشريع العراقي فيما يتعلق
بتنظيم حقوق المرأة أو ما يترتب عليها من التزامات، تستدعي أن نبين
أن هذا التشريع قد تناول تنظيم مصاديق تلك الحقوق لهذه الشريحة
الأساسية من المجتمع سواء على مستوى القانون الخاص أم على مستوى
القانون العام كما سنرى، فلابد أن يحرص المشرع مثلا على احترام
الحرية التعاقدية للمرأة عندما تدخل في علاقة عقدية مع غيرها، أو
ضمان تطبيق نظام استقلال الذمة المالية للزوجة عن زوجها أو حقها في
أبرام عقد الزواج عند توافر سائر شروطه أو حقها في التقاضي، هذا من
جهة، ومن جهة أخرى نلاحظ أن غالبية التشريعات المقارنة ومنها
العراقية تسعى إلى توفير فرص الترشيح والانتخاب إضافة إلى سائر
الحقوق السياسية.
المطلب الثاني
نطاق حقوق المرأة والتزاماتها
تتسم التشريعات العراقية
الصادرة منذ أن أسست الدولة العراقية الحديثة 1921 وإلى الوقت
المعاصر، بأنها كانت تأتي على تنظيم حقوق المرأة وما يتعلق بذلك من
مفردات. وهذا لا يعني أن تلك التشريعات قد بلغت ذروة التنظيم، كما
لا يعني أن كل ما تم تشريعه لهذا الصدد قد تم تطبيقه بشكل سليم.
بيد أن التشريعات العراقية قد استقرت– وهو حال اغلب التشريعات
العربية على أيراد قواعد لتنظيم شؤون المرأة وأحكامها ضمن مفهوم
كلي يتفرع بدوره إلى أجزاء متعددة يمكن أن تنحصر بحسب نطاقها إلى
موارد ثلاث :-
أولا: يلاحظ أن المشرع
العراقي في القانون المدني النافذ رقم 40 لسنة 1951 يعترف للمرأة
بالأهلية الكاملة عند توافر شروطها، وكذا يعترف لها بحرية التعاقد
فلا يفرض عليها قيودا في أبرام ما تشاء من التعاقدات في أطار قواعد
القانون الخاص باستثناء ما يتعارض مع قواعد النظام العام أو الآداب
العامة.
ثانيا: أما في نطاق القانون
الخاص ولكن لا في الأحوال العينية (المعاملات)، بل في مجال الأحوال
الشخصية، فيتضح لنا بان نطاق حقوقها يتسع ليشمل حقها في الولاية
على نفسها في الزواج وكذلك في أمكانية المطالبة بالتفريق عند
الشقاق واستحكام الخلافات الزوجية كما يكون لها المطالبة بالنفقة
على اختلاف صورها فضلا عما يوفره نظام الأحوال الشخصية لها من حقوق
وما يرتبه عليها من التزامات .
ثالثا: في نطاق القانون العام
وعلى وجه التحديد، التشريع الدستوري فيمكن القول بان مجمل الدساتير
العراقية منذ صدور القانون الأساسي–الدستور الأول للدولة العراقية
الحديثة لعام 1925 وإلى صدور قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة
الانتقالية المؤقت مرورا بدساتير الجمهورية، كانت تتضمن حقوقا
للمرأة تتجلى في أمكانية الترشيح والانتخاب في العمليات الانتخابية
وبدرجات متفاوتة. صفوة الكلام أن أي من الحقوق التي جبلت عليها
المرأة بما هي أو تلك التي تكون مكتسبة لابد أن تخضع لتنظيم دقيق
يشتمل على قواعد قانونية توضع ضمن نطاق محدد، وهذا بطبيعة الحال
عندما تكون تلك الحقوق مستجيبة لإمكانية التنظيم القانوني.
بعبارة أخرى فان حق المرأة
العراقية، وسائر بنات نوعها في الحياة أو الحرية أو الكرامة أو فرص
العمل أو الزواج وغيرها من الحقوق المدنية والسياسية يجب أن يكون
مضمونا ومحميا وذلك عبر تنظيمها بتشريعات محددة لأنها حقوق قابلة
للتنظيم. ولعل من المناسب القول أن هنالك التزامات في المقابل تلقى
على عاتق المرأة يتوجب أداؤها فعليها مثلا الوفاء بالعقود
والالتزامات المترتبة عليها، من جهة، ومن جهة أخرى،احترام ما تعهدت
به من وعود أو تعهدات أو اتفاقات ابتدائية ملزمة بطبيعة الحال،
وكذا في نطاق الأحوال الشخصية فيجب عليها رعاية الحقوق الزوجية
وحسن المعاشرة هذا فضلا عن عدم الإقدام على أي عمل أو امتناع عن
عمل يؤدي إلى المساس بالمصلحة العامة.
وتأسيسا على ذلك فأن كثيرا من
الأوضاع التي لا يمكن أن تندرج ضمن نطاق أي من تلك الحقوق، فلا
تكون قابلة للتنظيم.
وليس ابلغ في الدلالة على ذلك،عدم
إمكانية تنظيم حق للمرأة في عدم تحمل الخسارة في التعاقدات عموما.
وينطبق نفس الحكم في عدم ضمان
إمكانية تنصلها من المسؤولية الجزائية مثلا أو توفير ضمانات لها
على حساب المصلحة العامة للدولة، إذ لا يمكن تنظيم أي وضع يترتب
عليه خرق أو مخالفة قواعد النظام العام أو الآداب العامة(2) .
الـمبحـث الثاني
صور الحماية القانونية لحقوق
المرأة
لعل من المناسب القول
أن الظروف القاسية التي تحيط بالمرأة، من جهة، والنظرة إلى طبيعة
ما يترتب لها أو عليها في مواجهة الطرف الآخر ’’الرجل‘‘، من جهة
أخرى، كان له الأثر البالغ في تبني سياسات مجحفة تجاهها وتكريس
تبعيتها للرجل، وعدم اختصاصها بنظام يكفل لها قدرا من الحقوق
الضرورية سواء ما كان منها لصيق بشخصها أم كان عارضا عليها . فلم
يكن هنالك نظام واضح للزواج وتكوين الأسرة ومن ثم تنظيم العلاقات
الأسرية. إذ أن ما كان يحكم تلك العلاقات في الحقب الزمنية الموغلة
في القدم لا يخرج عن كونه أنظمة بدائية لا تكاد توفر أي صور لحماية
حقوقها. لعل من أبرزها الأسرة الأمية(Martriarcat) وفيه تكون ألام
بمثابة رب الأسرة فهي صاحبة سلطة التدبير، ثم ما لبث أن تبع ذلك
نظام سلـطة الأب (Partriarcat) (3). بيد أن هذا الوضع القانوني
للمرأة لم يلبث أن أصبح موضع التهذيب والتشذيب عن طريق الرسالات
والأديان السماوية، وتبعا لذلك فقد أخذت معظم التشريعات المقارنة
دورها في معالجة ذلك الحال(4). ومن خلال الفقرات التالية نستعرض
اهم ماتصدت له التشريعات العراقية من معالجات بهذا الصدد.
المطلب الأول
الحماية القانونية بموجب التشريعات
المدنية والتجارية
يلاحظ وبحق ، أن تشريعنا
المدني النافذ رقم 40 لسنة 1951 وما سبقه من أحكام المجلة العدلية،
يعترف للمرأة بالأهلية المطلوبة لإبرام مختلف الصفقات المالية على
اعتبارها أهلا لذلك سيما وان المشرع يقر بذمتها المالية المستقلة
لثبوت شخصيتها واحترام مركزها أمام القانون. من هنا فان الأصل أن
تكون هذه الشخصية كاملة الأهلية ما لم يعتريها عارض من عوارض
الأهلية التي بينها المشرع العراقي، بحيث قد تسلب هذه الأهلية أو
تتقيد بحسب الأحوال سواء كان الشخص الطبيعي ذكرا أم أنثى. ويتمثل
ذلك بالحجر على الشخص لذاته أو لغيره بحسب ما تنص عليه أحكام
المادة/93 مدني عراقي(5).
وهذا
بدوره يثير جملة من التساؤلات، من أبرزها ما هي صورة الحماية
المتوافرة عند الإقرار بثبوت الأهلية للمرأة في التشريعات
العراقية؟ للإجابة عن هذا التساؤل نقول: تعد قواعد الأهلية والتمتع
بها من النظام العام، لذا فلا يمكن الاتفاق على خلافها،إذ لا يمكن
سلبها وتوسيعها بالاتفاق.
عليه فان
من يدعي أن شخصا ما ناقص الأهلية وعديمها، فانه وحده من يتحمل عبئ
الإثبات طبقا لما يأخذ به المشرع العراقي في قانون الإثبات المرقم
107 لسنة 1979. من جانب أخر لابد من القول أن المرأة على اعتبارها
طرفا، قد تتصرف أصالة أو نيابة عن غيرها سواء كانت النيابة قانونية
أو اتفاقية أو قضائية بحسب الأحوال.
من
هنا فقد أولى المشرع العراقي المرأة ثقة عالية لإدارة الأموال سيما
للقاصرين لصغر أو لغيره، محيطا إياها بنظام دقيق لحمايتها هو نظام
رعاية القاصرين طبقا لقانونه النافذ المرقم 78 لسنة 1980، هذا ولا
يخفى أن ما يثبته المشرع في التشريعات التجارية المتعاقبة للمرأة
من تمتع بحقوقها لا يقل أهمية عن ما بينه المشرع المدني، سواء على
صعيد استقلال نظامها المالي رغم زواجها وهو بخلاف ما عليه الحال في
الدول الانكلوسكسونية وعلى وجه التحديد النظام المالي البريطاني
الذي يتصف بكونه يأخذ بالنظام المزدوج وفقدان المرأة لشخصيتها
المالية المستقلة بل وحتى اسمها لصالح زوجها بحيث لا يعود لها بعد
ذاك أن تتصرف تجاريا أو حتى مدنيا ألا بأذن زوجها.
في
حين أن المشرع العراقي في التشريعات التجارية الملغاة يثبت
المساواة بين الرجل و المرأة كصورة من صور الحماية وضمانة لحقوق
المرأة في أمكانية تمتعها بصفة (تاجره). ومن هذه التشريعات قانون
التجارة رقم 60 لسنة 1943 المعدل وذلك في المادة الخامسة منه وكذلك
القانون الملغى رقم 149 لسنة1970 في المادة/9 منه، تجدر الإشارة
إلى أن الحماية تنسحب على المرأة ولو كانت أجنبية عند رغبتها في
مزاولة الأعمال التجارية(6).
وتنطبق هذه
الأحكام مع ما ورد في قانون التجارة النافذ رقم 30 لسنة 1984 الذي
بين بدوره شروط اكتساب صفة التاجر، ولم يقصرها على الرجل فقط. وفي
ضوء ذلك فان المرأة ستتحمل مسؤوليتها الكاملة مدنية أو جزائية،
هذا وان جانبا من الفقه القانوني يذهب إلى عدم الاعتراف للمرأة
بهذه الحقوق، وأنها لا تستطيع أن تواجه صعوبات وعراقيل النشاط
التجاري.
بيد انه اتجاه لم
يجد له تأييدا على مستوى فقه القانون التجاري فضلا عن فقه القانون
المدني، هذا ولا بد من استكمال البحث في هذا المورد من خلال التعرض
إلى موقف تشريعات الأحوال الشخصية العراقية سواء كان القانون
النافذ والمرقم 188 لسنة 1959 أو التعديلات الواردة عليه والتي
استمد البعض منها أسسه من مبادئ الشريعة الإسلامية والآخر مما
استقر عليه قضاء محكمة التمييز لدينا، وأياً كان الأمر فقد كرس
القانون المذكور هذه الحماية من خلال النص على عدة محاور من أبرزها
:-
اشتراط ضرورة تمتع الزوجان
بالأهلية اللازمة لإبرام عقد الزواج من حيث المبدأ ، بحيث يكتمل
النضج العقلي والبدني لديهما وهو ما تقضي به المادة 17 من القانون
المذكور، وما تشترطه شريعتنا الإسلامية بطبيعة الحال.
بيد أن
المشرع اكتنف هذه الجزئية من نظام الحماية بتفصيل أكثر إذ يبين بان
التقاليد والأعراف الاجتماعية في المجتمع العراقي قد يفرض حالات من
الزواج لمن هن دون السن القانونية المنصوص عليها في المادة 8 من
القانون وهو أكمال سن الثامنة عشر من العمر، فأجاز أمكانية تصديق
الزواج إذا وقع فعلا خارج المحكمة أو إبرامه لأول مرة بموافقة
الولي لمن أكمل الخامسة عشر ذكرا كان أم أنثى. والمحكمة تمضي في
هذا الأمر بعد التثبت من القيام بالإجراءات الاحترازية كافة من أي
ضرر يلحق الطرفين فضلا عن ضرورة اخذ إذن الولي. ذلك أن موافقته
معتبرة في هذا الصدد شرعا وقانونا(7)، من جانب أخر، فقد تواترت على
هذا التشريع تعديلات عدة تضمنت في الواقع توفير نوعا من الحماية
للمخاطب بها ألا وهي المرأة باعتبارها زوجة أو غيرها ومن ذلك ما
يأتي :-
§
الاعتراف لها بحقها في المطالبة بالتفريق للضرر أو لغيره من
الخلافات المستحكمة فالضرر تبعا لذلك قد يكون إراديا أو غير إرادي
كالإصابة ببعض الإمراض التي تجيز طلب التفريق(8) .
§
تحريم وتجريم ما يعرف اليوم بالنهوة أو حرمان المرأة من اختيار
الزوج الذي تقترن به فلا يحق لأي شخص من الأقارب منعها من الزواج
عند توافر شروطه ويعد ذلك المنع جريمة يعاقب عليها القانون .
§
تنظيم قواعد تفصيلية تضمن للمرأة حقها في النفقة ماضية كانت أو
مستمرة لها ولأطفالها وكذلك المهر سواء كان مسمى أو مهر المثل.
فضلا عن ضمان حضانتها للأطفال بعد التفريق بحيث لا يؤثر في ذلك
زواجها من رجل أخر، على أن تتوافر فيها سائر شروط الحضانة المنصوص
عليها قانونا.
المطلب الثاني
الحماية القانونية بموجب تشريعات
القانون العام
تنحصر دراستنا في هذا
المطلب بالتشريعات الدستورية والعقابية من القانون العام. فنقول أن
مختلف الدساتير المتعاقبة ومنذ صدور القانون الأساسي عام 1925
ودساتير الجمهورية لعام 1958 وإلى دساتير 1964 و 1968 وحتى دستور
1970 الملغى فقد كانت تتبنى بعضا من الخطوط العريضة للمرأة سيما ما
يتعلق بالمساواة من حيث المبدأ وحقوق التقاضي وتكافؤ فرص العمل
وحقوق الترشيح والانتخاب وغيرها ألا أن تلك القواعد الدستورية لم
تكن أفضل حال من غيرها من القواعد المتعلقة بالمخاطبين بها ومنهم
المرأة وذلك لعدم وجود المتابعة والتطبيق السليم لتلك القواعد كما
سنرى. آما اليوم وبعد صدور قانون الدولة للمرحلة الانتقالية فانه
وان اقر بكثير من الحقوق الأساسية ألا انه يظل قانونا مؤقتا. لذا
فلا بد من توجيه الأنظار إلى الدستور الدائم للعمل على تضمينه
مبادئ توفر صيانة كرامة المرأة بما حبتها الشرائع السماوية من
رعاية وحماية .
أما في ما يتعلق بالتشريعات
العقابية، فنود أن نبين هنا، انه ومنذ صدور قانون العقوبات
البغدادي الملغى وحتى صدور قانون العقوبات النافذ رقم (111) لسنة
1969، لم تمكن قواعد الأخير على وجه التحديد من تحقيق المساواة
أمامه بشكل سليم بين الرجل والمرأة في التعامل في كثير من الأحوال
ومنها على سبيل المثال حالة تنظيم زنا الزوجية وكيف انه يعامل
المرأة بشكل يختلف عما عليه الحال مع الرجل. فالقانون يعاقب الزوجة
على تلك الجريمة في أي صورة وحيثما وجدت، في حين أن مسائلة الرجل
عنها لا تكون ألا إذا ارتكبت في بيت الزوجية، وإذا كانت معاقبة
المرأة عند تلبسها بالزنى ثابتة، وان قتلها تبعا لذلك يعد عذرا
مخففا لزوجها القاتل. فان الأمر ليس كذلك للزوج(9)، ولو كان محصنا،
وهنا تمييزا بلا مائز وبلا مبرر شرعي أو قانوني. إذ لا بد من ضرورة
التزام الطرفين الرجل والمرأة بقواعد القانون وأحكام الدين
والأخلاق، فان وقع خرق منهما أو احدهما، فلا بد أن تكون المسائلة
في مواجهتهما بشكل متساوٍ. بيد أن قانون العقوبات المذكور يكاد أن
يكون الوحيد من التشريعات الجزائية العربية الذي ينص على أن علاقة
المرأة المتزوجة بزوجها من حيث حقه بالتأديب مثلا، أنما هو مقيد
بضمانات لصالح الزوجة تتمثل بما يأتي :-
أولا
: أن يكون ذلك بما هو مقرر شرعا وقانونا.
ثانيا
: أن يستعمل ذلك الحق على أساس كونه سببا من أسباب الإباحة .
ثالثـا:
أن يكون هنالك افتراض حسن النية عند تطبيق هذا الحق والتمسك به.
هذا ولابد لنا من الإشارة إلى
أن القانون العقابي العراقي، يساوي في مسألة تحمل المسؤولية
الجزائية في سائر الجرائم المنصوص عليها في القسم الخاص منه بين
النوعين، بحيث يكون مدار تحمل المسؤولية توافر الأركان المعروفة من
خطأ وضرر وعلاقة سببية بينهما.
أما فيما يتعلق بالتشريعات
المختلطة وموقفها من قضايا وشؤون المرأة. فأبتداءا نقول، أن البعض
من الفقه يذهب إلى إن هنالك تشريعات ذات طبيعة قانونية مزدوجة، فهي
من جانب تتوافر على خصائص من القانون الخاص، فيستلزم أن تكون ،
تبعا لذلك، قوانين خاصة. في حين أنها تتضمن مبادئ وقواعد من
القانون العام. ولهذا ودفعا لهذا النزاع بين الطائفيتين، فقد اصطلح
الفقه عليها بالتشريعات المختلطة (MIXTE).
ولعل من أبرزها قوانين العمل والضمان
الاجتماعي. فقد تعاقبت التشريعات العمالية لدينا على تنظيم ومعالجة
واقع المرأة العاملة باعتبارها عنصر فعال في مجمل العلاقات
العمالية سواء كانت الجماعية منها أم الفردية. إذ تضمن التشريع
الصادر 1958 بالرقم(1) أربعة عشر فصلا، يمكن ردها من حيث المضمون
إلى قواعد تنظيم طبيعة أشخاص العمل، وساعاته، والأجور اللازمة
لذلك، فضلا عن صور حل النزاعات ومنها التحكيم، والتعويض عن إصابات
العمل، ثم تم تعديل ذلك القانون مرات عدة لعل من أهمها التعديل
المرقم 53 لسنة 1963، الذي عالج مواضيع انقضاء علاقات العمل للعمال
رجالا ونساءاً، وطبيعة عمل النقابات، فقد كان من المفترض أن تؤدي
دورها في توفير قدرا من الحماية للعمال بما هم. ثم تلا ذلك صدور
القانون المرقم 101 لسنة 1964، والذي اختار مبدأ مساهمة العمال و
العاملات في أرباح الشركات والمشاريع الصناعية. وهكذا استمرت تلك
التعديلات حتى صدور قانون العمل رقم 151 لسنة 1970، ومن ثم صدر
القانون رقم 71 لسنة 1987 النافذ، الذي كان يهدف من خلال بنوده
وفقراته إلى ضمان حق العمل والتدريب والأجر والتنظيم النقابي
ومعالجة وضع المرأة، على التحديد، لاسيما تقييد أعمال المرأة ليلا
أو في الأعمال الشاقة التي لا تتناسب وطبيعتها الفسيولوجية(10).
بيد أن
استقراءا للأحداث التي مر بها بلدنا في الثمانينات والتسعينات،
يبين بان تلك المعالجة لم تكن بالمستوى الفعال من حيث التطبـيق،
فقد كانت حياة المرأة العاملة شاقة بحيث تفرض عليها ساعات عمل
أضافية أو أعمال لا تتناسب و طبيعتها ولا خيار لها لأنها قد تعيل
عائلة فتعتمد عليها في معيشتها .
من جانب أخر، فان قواعد الضمان
أو التأمين الاجتماعي في الواقع العمالي العراقي وعلى وجه التحديد،
فيما يتعلق بالمرأة، يمكن أن يرد بحسب السياسة التشريعية إلى
مرحلتين:-
أولها:
مرحلة صدور القانون المرقم 27 لسنة 1956 الملغى بالقانون المرقم
140 لسنة 1964 بما أرفق به من مذكرة إيضاحية. وحتى أن تم نقل أحكام
هذا الأخير على علاته إلى القانون المرقم 112لسنة1969. ذلك أن هذه
التشريعات لم تعمل على تطوير واقع ضمان المرأة العاملة وتنظيم
حقوقها في هذا المجال، سوى بيان شروط معينة وردت فيها جميعا لدفع
إعانات بسيطة عند حدوث إصابة العمل لاسيما ما تشترطه من ضرورة سبق
دفع الاشتراكات وبعدد معين .
وثانيها:
صدور قانون التقاعد والضمان الاجتماعي رقم 39 لسنة 1971 الذي تبنى
إمكانية دفع العاملة لاشتراكها على أساس نسبة من الأجر، مع القدرة
على التسديد مباشرة إلى مؤسسة الضمان الاجتماعي هذا وقد وسع هذا
القانون من نطاقه من حيث الأشخاص. ذلك انه أشتمل على اغلب الفئات
المستثناة بموجب التشريع الملغى ومنها مثلا العمال في الأعمال
العرضية أو الطارئة أو الزراعية أو تربية المواشي. أما من حيث
الموضوع فقد نظم الوسائل القانونية اللازمة لتوفير الحماية والأمان
للمرأة وذلك في حالات ومنها ما تستحقه من أجور وتعويضات عن الأمراض
المهنية فضلا عن سائر إصابات العمل بيد أن المشرع رغم ما فرضه
للمرأة من ضمانات ومزايا في تلك الحالات فقد نظم حالة الحمل
والولادة وكذلك نص على مزايا عينية او نقدية(11)، إلا أن استقراءا
بسيطا لتطبيقات محكمة العمل في مختلف محافظات القطر يبين لنا أن
تلك القواعد لم تجد لها صدى واسعا في التطبيق، إذ لا تتواجد
منازعات تذكر بشأن تطبيق قواعد الضمان المذكورة. لذا فلا بد من
التأكيد على تشكيل لجان متخصصة لمتابعة شؤون استحقاق الضمان وآلية
العمل بموجب قواعد القانون بحيث تصدر لوائح تنظيمية بهذا الشأن.على
أن تكون تلك الأعمال قابلة للرقابة القضائية لما في ذلك من دقة في
سلامة تطبيق قانون الضمان حماية لحقوق العمال من كلا الجنسين
المضمونين.
النتائج
والمقترحات
تبين من خلال هذا البحث مجموعة من
النتائج التي تم التوصل إليها وهي :
1. يثير موضوع حقوق والتزامات المرأة
إشكالات وتساؤلات من جهة أن النظام القانوني الذي يراد له أن يحيط
بشؤونها تلك انه نظام مرن قد يتسع أو يضيق نطاقه بحسب الأحوال .
2. قد حاولت بعض من التشريعات مواكبة
تطورات الحياة وتعقيداتها ومدى تأثيرها على حياة المرأة سواءً على
صعيد فروع القانون العام أم الخاص أم المختلط .
3. أهمل المشرع في سياسته التشريعية
المختصة بالمركز القانوني للمرأة جانب أساسي في معالجتها وهو
الجانب التطبيقي الإجرائي السليم فضلا عن أن تلك القواعد القانونية
جاءت في مجموعها عن إدراك الهدف المنشود في تفصيل دور المرأة داخل
المجتمع العراقي.
ووفقا لما توصل إليه البحث نقترح
الآتي:
1. تبني سياسة تشريعية، يمتزج بها الجانب النظري مع الجانب العملي
التطبيقي وذلك بوضع قواعد قانونية وتنظيمية تكفل ذلك .
2. وتبعا لذلك لابد من اختيار حلول اللجان المتخصصة بمتابعة تطبيق
تلك القواعد والأعلام عنها بشكل دوري وذلك عبر تقارير مفصلة
تعرض على البرلمان (الجمعية الوطنية) طبقا لجداول زمنية محددة سلفا
.
3. إعداد كوادر فنية وإدارية متخصصة بتفصيل دور تلك اللجان .
4. ضرورة أن يضطلع القضاء العراقي بدور أساسي لحل النزاعات التي قد
تثار بشأن تفسير وتطبيق قواعد القانون. وذلك بما يحال
أليه من البرلمان وفي ضوء ما تقدمه اللجان المذكورة لمعالجة مشاكل
أو منازعات قد تثور بصدد تطبيق القانون. لذا فتكون اللجان
ملزمة بعرض تلك المنازعات على القضاء بعد اخذ رأي الهيئات
البرلمانية المختصة.
هوامش الفصل الأول
(1) مرتضى المطهري،
نظام حقوق المرأة، الدار الإسلامية، بيروت، ط2،1991 ،ص9 .
(2) د. عبد المجيد الحكيم وعبد
الباقي البكري ومحمد طه البشير مصادر الالتزام ج1 بغداد 1986 ص21
(3) د. هاشم الحافظ تاريخ القانون،
مطبعة أبرهان ، بغداد ، 1964. ص17
(4) عصام ماجد زايد الحموري. الحماية
القانونية للطفل العامل والمرأة العاملة في قانون العمل الأردني.
جامعة اليرموك الأردن 2001 ، ص23
(5) انظر كذلك المادة/109 مدني مصري
والمادة/110 مدني سوري والمادة /109 مدني ليبي وكلها مطابقة.
(6) انظر المواد/ 10 و 15 و16 من
قانون التجارة الملغى رقم 149 لسنة 1970 .
(7) لمزيد من التفصيل انظر المادتين
7/1/2 و 8/1/2 وانظر كذلك السيد ابو القاسم الموسوي الخوئي الاحكام
الشرعية دار العلم النجف الاشرف 1410هـ كتاب النكاح. وكذا السيد
صادق الحسيني الشيرازي المسائل الإسلامية المنتخبة. دار صادق
للطباعة والنشر. ط25 . 1424هـ - 2003 م . ص387 وكذلك انظر السيد
محمد محمد صادق الصدر. الصراط القويم . ط5 . 1424هـ - 2003م. ص178
وكذلك انظر د. حسن ريان. حقوق المرأة في قانون الاحوال الشخصية
الاردني. جامعة عمان.2001 ص4 – 5 .
(8) لمزيد من التفصيل انظر الأستاذ
الدكتور مصطفى ايراهيم الزلمي . مدى سلطان الارادة في الطلاق. ج2.
1984 جامعة بغداد، ص245 .
(9) لمزيد من التفصيل انظر: د.ضاري
خليل حمود.تفاوت الحماية الجنائية بين المرأة والرجل. بغداد 1990
ص18 – 19 .
(10) د. عدنان العابد ود. يوسف
الياس. قانون العمل. بغداد 1989 ص110
(11) المصدر نفسه . ص ص94 – 95.
الفصـــــل الثاني
الإسلام وحرية المرأة
ندى
صالــح الجبوري
تدريسية/ كلية القانون/ جامعة
كربلاء
تمــهيد
المرأة هي شريكة الرجل في التكوين
البشري والنشأة الإنسانية...خلقها الله لتكون قرينته في الحياة
الدنيا وخلق بينهما مودة ورحمة لتتم الألفة وتعمر البيوت...وقد أكد
الله سبحانه وتعالى في مواطن كثيرة في القران الكريم على دور
المرأة وكينونتها في بناء المجتمعات، فضلا عن السنة النبوية، حيث
جاء في حجة الوداع للرسول الأعظم(صلى الله عليه واله وسلم)(استوصوا
بالنساء خيرا فإنما هن عندكم عّوان لا تملكون منهن شيئا غير ذاك،
إن لكم من نسائكم حقا وان لنسائكم عليكم حقا، فأما حقكم على نسائكم
فلا يوطئن فرشكم من تكرهون ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهوا، وألا
حقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن)(1)، وبذلك فان
المرأة استطاعت في رحاب الإسلام الوصول إلى درجات رفيعة من رقي
الشأن والرفعة، وان تضرب المثل الأعلى لصحة التعامل الإنساني من
منظور ديني، وتفوقت على جميع نساء الأمم الأخرى، لقد نادى الإسلام
بحرية المرأة بواسطة إلغاء جميع الفوارق الوصفية التي تخلخل كيان
المجتمع وتزعزع أمنه كالفوارق الخلقية بين الرجل و المرأة، أو
الفوارق اللونية كالأسود والأبيض، أو اللسانية كالأعجمي أو
العربي...الخ (2). ومن هنا نتساءل ما المقصود بالحرية؟
لقد عرف الحقوقيون (الحرية) بتعاريف متعددة،’’فقد عرفها ’’لاسكي‘‘:
بأنها انعدام القيود، بمعنى القدرة على اتساع اختيار الفرد لطريقة
حياته الخاصة بدون أي ضغوط تفرض عليه من خارجه. وقال ’’فولتير‘‘
بان الحرية هي عندما اقدر على ما أريد فهذه حريتي، كما عُرفت،
بأنها أطلاق العنان للناس ليحققوا خيرهم بالطريقة التي يرونها
طالما كانوا لا يحاولون حرمان الغير من مصالحهم، أولا يعيقوا
جهودهم لتحقيق تلك المصالح فكل فرد يعتبر أصلح رقيب على ثروته
الخاصة سواء كانت هذه الثروة جسمانية أم فكرية أم روحية، وتستفيد
الإنسانية من ترك الأفراد أحراراً يعيشون على اختيارهم أكثر مما
تستفيد من إرغام الأفراد على أن يعيشوا وفقا لما يراه غيرهم‘‘ (3).
أهم ما يلاحظ على هذه التعريفات
إنها تشير إلى حقيقة مشتركة، هي القدرة على الفعل والاختيار، حيث
تقر الشريعة الإسلامية بإمكانية الفرد على الاختيار والتصرف، إلا
إنها لم تجعلها مطلقة بل في حدود الدين، ذلك إن هذا الترك يؤدي في
نهاية المطاف إلى ما يطلق عليه بـ” الحرية المنفلتة“ التي من ابرز
نتائجها الفوضى والانحراف والاضطرابات فضلا عن الخراب الاقتصادي
والسياسي، والاجتماعي...الخ، لذا فقد نادت بالحرية المتوازنة، أي
حرية الموازنة بين الحقوق والواجبات، الأمر الذي يحرك عملية التقدم
والازدهار والتطور للأمم، وبناءا على ذلك فقد ارتأينا تناول موضوع”
حرية المرأة في الإسلام“ في مبحثين اهتم الأول بالحريات التي تعد
بمثابة التربة الخصبة لزراعة وقطف ثمار الحرية، والآخر حدد أهم
الحدود(القيود) التي تؤخذ بنظر الاعتبار عندما تميل المرأة إلى
ممارسة الحرية الممنوحة لها شرعا وقانونا.
الـمبحـث الأول
حرية المرأة في منظار الحاكم
الإسلامي
باتت المرأة تحتل في ظل
الإسلام مكانة مرموقة، ولها من الحقوق التي تتمتع من خلالها
بحريتها الإسلامية مثل ما للرجل من حقوق، فهي تعادله في كل شيء،
حيث جعلها الإسلام تتمتع بكرامتها وإنسانيتها في المجتمع وعدها في
بعض الأمور كالرجل، كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والحج
والبيع والشراء، كذلك مزاولة أموالها إن شاءت وكيفما رغبت(4).
لكن هذه القضايا لا يقصد من
ورائها تبادل الأدوار وإنما يراد بها تحقيق المساواة بين خلق الله
فلا فرق بين ذكر أو أنثى، ماعدا ما عد من فوارق نفسية وجسدية ما
بين هذين الخلقين، وبذلك فإنهما يعملان جنباً إلى جنب كالنجمين
يتحركان حول مدارين مختلفين، يمكن أن يفهم احدهما الآخر ويكمل كل
منهما صاحبه، ولكن لا يكونان واحدا على الإطلاق(5).
المطلب الأول
الحريات الشخصية
لقد أعطى الإسلام للمرأة
حقوقها كاملة وارتقى بمكانتها الاجتماعية إلى المستوى الإنساني
اللائق ويمكن استبانة ذلك عبر استعراض سريع لبعض الحقوق التي منحها
الإسلام للمرأة، وكما يلي:-
أولا:
المرأة وحرية العمل المعيشي
يحتل العمل مكانة مهمة في
حياة الإنسان، فهو ميدان نشاطه المنتظم المنتج، وهو الحقل الأساس
الذي يظهر فيه ما لديه من كفاءات وقدرات، وهو المصدر الذي يحصل
بواسطته على المورد اللازم له للآنفاًق من اجل معاشه، وهو الميدان
الذي يجتمع فيه الفرد مع عدد من الأفراد الآخرين اجتماعاً يؤدي إلى
أنواع خاصة من العلاقات الاجتماعية، يضاف إلى ذلك انه يضع صاحبه في
مستوى أو مركز اجتماعي اقتصادي معين كذلك يمكن أن يجد العمل أنواعا
خاصة من السلوك والقيم والاتجاهات ومما يزيد من أهمية العمل في
حياة الإنسان فانه قد يكون مصدر سعادته، من اجل ذلك كله جاء
الإسلام ليمنح المرأة حرية أو الحق في ممارسة العمل الذي يلبي
حاجات المجتمع ويؤخذ المستقبل والحاضر بنظر الاعتبار في تلك
الأعمال، والسبب في ذلك يعود إلى إن شؤون المجتمع قد تصبح في
اضطراب يزعج حياة أفراده(6).
من هنا تنطلق حرية المرأة في
العمل من حريتها في التملك، فلها الحق في أن تمتلك، وتبيع وتشتري،
وعليها دفع الحقوق الشرعية وفق القوانين الفقهية التي لا فرق فيها
بين الرجل والمرأة، إذ إن أهلية المرأة في التملك يجعلها قادرة على
مزاولة الأعمال والأنشطة الاقتصادية العامة، وان تفتح معملا أو
تنشأ مصنعا أو تخوض في مشاريع زراعية أو عقارية أو تجارية..الخ،
على سبيل المثال، في حقل التجارة تستطيع المرأة أن تتاجر في
المكاسب المحللة التي لا يمنعها القانون ولا يعيقها عرف، ولها أن
تنشئ لجنة استشارية تضم مجموعة من ذوي الخبرات والكفاءات لتطوير
مشاريعها وأساليبها التجارية، لاسيما إذا كانت تخدم مجتمعها وتزمع
تطويره، فالمسؤولية تكون عليها أكبر، وكل ذلك في حدود الالتزام
بالعفة والشرف والحجاب(الذي سيرد شرحه فيما بعد)، فهنالك في تاريخ
الإسلام الكثير من النساء الشامخات اللواتي مارسن العمل المعيشي
كالسيدة خديجة الكبرى(عليها السلام)، ومما تجدر الإشارة إليه أن
المرأة حينما تمارس عملا معينا فإنها تبذل فيه جهدا، سواء كان جهدا
فكريا أو عضليا، المهم في الأمر إن هذا الجهد يقابله مقابل يفيض
النظر عن محتوى ذلك المقابل سواء كان مادي أم معنـوي، إذ ليس لأي
رجل أيا كان زوجها أم ابنها سلطة عليه(7).
ثانيا:
المرأة وحرية التعلم وطلب العلم
لقد حث الله سبحانه وتعالى
على التعلم وطلب العلم لعامة الناس، المرأة والرجل على حد سواء
ليخرجهم من الظلمات والتخلف والجهل إلى النور، إذ إن الجهل قبيح
ودليل في ذلك قوله عز وجل(اقرأ باسم ربك الذي خلق* خلق الإنسان من
علق* اقرأ وربك الأكرم* الذي علم بالقلم* علم الإنسان ما لم
يعلم*)(8) ، إذ افتتح الله سبحانه وتعالى كلامه المجيد بذكر نعمة
الوجود واتبعه بذكر نعمة العلم فلو كان بعد نعمة الوجود نعمة أعلى
من العلم لكانت أجدر بالذكر وقد قيل في وجه التناسب بين الآية
المذكورة في صدر هذه السورة المشتمل بعضها على خلق الإنسان من علق،
وبعضها على تعليمه ما لم يعلم، إذ ذكر سبحانه وتعالى أوله حالة
الإنسان كونه علقة وهي بمكان من الخساسة، وحالة أخرى صيرورته عالما
وذلك الكمال والرفعة والجلالة فكأنه سبحانه قال: كنت في أول أمرك
في تلك المنزلة الخسيسة ثم صرت في هذه الدرجة الشريفة النفيسة.
وبما إن الآية ذكر فيها الإنسان
مطلقا، فأن هذا يعني إن العلم هو للرجل والمرأة على حد سواء، لكون
المرأة نصف المجتمع، بل أكثر من ذلك، فضلا عن أن العلم يخلق
للإنسان قيمة ومقياس للتفاضل بين البشر، ودليلنا في ذلك قوله
تعالى" هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون"(9)، وكذلك قول
أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) طالب في التأكيد على
قيمة الإنسان المتعلم حينما قال(قيمة كل امرئ ما يحسنه) أي ما
يملكه من علم وخبرة، ولا يقف المتعلم عند حد معين فكلما حانت له
الفرصة اغتنمها في الاستزادة من العلم كما جاء في قوله تعالى( وقل
ربي زدني علما)(10)، فالله سبحانه وتعالى لا يوجه كلامه إلى الرجال
فقط، بل إلى النساء أيضا لان الإسلام يرى بدأ إن كل إنسان سواء كان
رجلا أو امرأة، مسؤول عن تحصيل إيمانه بالله وباليوم الآخر، بشكل
مستقل عن الآخرين، طالما أن العقيدة موضوع غير قابل للتقليد، كما
أن الوصول إلى الإيمان يحتاج إلى أعمال الفكر وإلى اكتساب العلم
لتوسيع أفق التفكير والإدراك، فان المرأة تحتاج كما الرجل، إلى
تنمية طاقاتها العقلية بالعلم والتعلم، كما أن الإسلام يرى بان كل
رجل وامرأة يضطلعان بالدور نفسه في الحياة وهما بالدرجة نفسها
مسؤولان فيها وعنها، فلا مبرر للمفاضلة بالعلم بينهما، لا من جهة
الدرجة العلمية التي يمكن أن يصلا إليها، ولا من جهة طبيعة ما
يتلقاه من علوم، فضلا عن إن المرأة مستقلة وحرة في الفكر والإرادة،
وحاجتها في تنمية عناصر القوة فيها، والانتصار على نقاط ضعفها،
وحماية نفسها من الانحراف، ومن تهديدات العالم الخارجي، وهي أمور
يساهم العلم إلى حد بعيد في تحقيقها للإنسان، الرجل والمرأة معا،
وكل هذا لا يقلل من دورها كأم، ولا يحصر حياتها في هذا الدور، بحيث
تحرم من التعلم، فهي كإنسانة وأم تحتاج إلى
كل عطايا العلم لا إلى أمور محددة منه، والاجتماع بالقول بان طاقات
المرأة الجسدية والعقلية محدودة، قول مجحف بحقها ولا إنساني، إذ إن
الله سبحانه عز وعلا خلق الرجل والمرأة ليتكاملا على مستوى
خصوصيتهما في الحياة معا، إلا انه جعل كلا منهما مسؤول أمامه وبشكل
مستقل عن الآخر، والمسؤولية تستدعي امتلاك المرأة والرجل القوة
وحرية الإرادة والفكر والحركة(11)، ولنا شواهد تاريخية كثيرة تبين
نبوغ المرأة في مجال العلم كالسيدة (نفيسة بنت الحسن عليه
السلام)والسيدة (حكيمة بنت الجواد عليه السلام )... لذا فلا مبرر
للتمييز بين الرجل والمرأة في المسالة العلمية، لا من جهة المادة
العلمية التي يتلقيانها، ولا من جهة المستوى الذي يمكن أن يصلا
إليه كما إن الأنوثة لا تمنع الارتقاء العلمي(12).
ثالثا:
المرأة وحرية التبعل
يرى بعض الفقهاء بان لا تتزوج البنت
الباكر دون رضى أبيها أو جدها لأبيها(بعبارة أخرى وليها)، حتى ولو
كانت بالغة رشيدة، ولكن هذا لا يمنع بان تختار الزوج الذي تراه
مناسبا لها من الناحية الفكرية أو الاقتصادية أو الاجتماعية...الخ،
إذا إنها حرة بان تتزوج بمن تشاء ومستقلة بنفسها بالاختيار، كما هو
الحال بالنسبة للرجل تماما، وليس لأحد حق رفض الزوج الذي اختارت،
وكل هذا لا يمس مسالة طاعة الأبوين، التي يحث عليها الإسلام، وإنما
تتعلق فقط بالأمور التي لا يستطيع الأولاد- ذكورا أو إناثا- معرفة
مصلحتهم فيها، لذا فان باستطاعة كل من الولد أو البنت التزوج بمن
يعتقدون بان مصلحتهم الحيوية معه، ولا يكون في ذلك تمرد لا على
الأب ولا على الأم، ولا يعد سلوك أيا منهما عقوقا، لان الله تعالى
لم يجعل أوامر الأب أو الأم أوامر تشريعية لا تخالف ويجب على
الأولاد إطاعتهما، بل طلب من الأولاد الإحسان للوالدين ورعايتهما
وحفظهما والرأفة بهما وتحمل الأذى منهما... الخ فالطاعة هنا هي
مسالة رعاية وليست مسالة تشريعية(13).
المطلب الثاني
الحريات الأخرى
هنالك ثمة حريات أخرى
متعددة ومتنوعة، اقرها الإسلام للمرأة، وان كان البعض يعدها مقتصرة
على الرجال فقط، ذلك لأنها لا تتعارض مع كرامتها أو أنوثتها أو
إنسانيتها، أو تكوينها العاطفي أو النفسي، وأخيرا لا يجرها إلى
ارتكاب المحارم، إذ إن هذه الحريات مفادها أداء مهمة تعد بمثابة
أمانة في عنق كل مؤمن أو مؤمنة، ومسؤولية أنيطت بكل فرد من أفراد
المسلمين سواء كان ذكرا أم أنثى، فمن أداها على أكمل وأحسن وجه
استحق مؤديها الجزاء والثواب، أما إذا اغفل أو قصر عنها كان جزائه
عكس ذلك، إذ أن من أهم مهام المسلم المؤمن الاهتمام بشؤون المجتمع
الذي يعيش فيه، والعمل على تحسين أوضاعهم، ودرء الخطر عنهم بكل
الوسائل المتاحة والممكنة، وترقية شؤونهم، ودليلنا في ذلك قوله
تعالى(المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون
عن المنكر) (14).
ومن اجل ذلك منحت المرأة ممارسة
حريات أخرى جنباً إلى جنب الحريات الشخصية المذكورة آنفاً ولعل من
أهم تلك الحريات(على سبيل المثال) في الميدان السياسي، المشاركة في
العمل السياسي كممارسة حق الترشيح ومن ثم إمكانية تولي السلطة، وفي
الميدان العسكري، المشاركة في الحروب وأخيرا في الميدان القانوني
حق تولي القضاء.
أولا:
في الميدان السياسي
ما كانت المرأة بمعزل عن
السياسة وميدانها في منظور الإسلام، الملتزمة بتعاليمه، وأنى لها
الانعزال، وهي التي تتلو وتسمع وتبدي رأيها في مسائل معينة،
ودليلنا في ذلك قوله عز وجل (يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات
يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا* فيبايعهن واستغفر لهن إن الله
غفور رحيم)(15)، فالبيعة مسالة من المسائل ذات الصلة الوثيقة
بالسياسة، والحياة العامة(16)، وهي ما تتشابه إلى حد بعيد مع ما
يسمى في عالم اليوم بحق الانتخاب(17) ذلك لان للمرأة مكانة في
الإسلام كمكانة الرجل في الحقوق والواجبات السياسية إلا بعض
المستثنيات التي هي في مصلحة الرجل والمرأة على حد سواء(18) ويعدّ
حق تولي السلطة من أهم الحقوق السياسية المتاحة للمرأة، إذ إن هذه
المسالة من المسائل التي احتدم الجدال حولها، فالبعض قال بان
المرأة لا يحق لها تولي السلطة، وحكم البلاد لان هذا الأمر هو من
مهام الرجال لأسباب معينة:
§
قول الرسول الأعظم(صلى الله عليه واله وسلم)(ما افلح قوم وليتهم
امرأة)(19).
§
إن مهمة تولي السلطة تتطلب قوة ومقدرة على إدارة الأمور، وبعض
القسوة إن لزم الأمر، بمعنى أن المرأة مخلوق ضعيف يتميز بالعاطفة
الشديدة .
ولكن البعض الآخر
يرد على هذه الحجج بالاتي:
1.
الواقع
أن منشأ القول بعدم إمكانية تولي المرأة السلطة، حديث يرويه
البخاري، إذ انه قول جاء في ظرف خاص، ولها طبيعة معينة، لاسيما أن
الحكم في الماضي يختلف عن الحكم في الحاضر الحاكم في الماضي، كان
حاكما بأمره، أما الآن فالحاكم لا يملك الأمر كله، إنما هنالك
قانون يخضع له، وكذلك أجهزة تحاسبه وقد تحاكمه.
2.
لم يتحدث القران الكريم عن المرأة
فقط كمخلوق ضعيف بل تحدث عن ضعف الإنسان عامة، ودليلنا في ذلك قوله
تعالى”وخلق الإنسان ضعيفا“.إذ إن الضعف حالة إنسانية في الرجل و
المرأة على حد سواء، وهو ليس قضاء المرأة وقدرها، فيمكن للمرأة أن
تنتصر على مواطن الضعف فيها من خلال حشد عناصر القوة والشجاعة
والجرأة، فقد تكون المرأة أكثر عقلا من الرجل، وقد تتفوق عليه، كما
تستطيع المرأة تربية أو ترويض العاطفة وتقويتها وتعقيلها بالمران
والإرادة القوية.
إذ أن هنالك فرق بين كون
الضعف العاطفي قابلية في المرأة، وبين كونه فعلية حاسمة، إذ إن
القابلية يمكن التحكم بها عن طريق التهذيب والترويض الذي يوجه
الضعف العاطفي نحو الإيجاب لا السلب.
3.
إن منع المرأة من تولي
الحكم ناتج عن حرمة الاختلاط بالرجال في مواقع العمل والتقصير
بمتطلبات الأسرة،لكن يُرد على ذلك بأن تمسك المرأة بتعاليم الإسلام
بشكلها الصحيح سيجعلها قادرة على عدم الوقوع بالمحرمات أو التقصير
بشؤونها الأسرية فقد شهد تاريخنا الإسلامي نماذج مشرقة لنساء
عظيمات شاركن الرجل في الشؤون العامة (دينية أو سياسية أو
اجتماعية...) دون أن يلحق بهن إشكال شرعي كالسيدة فاطمة الزهراء
عليها السلام وزينب الكبرى عليها السلام ونماذج أخرى كثيرة لا حصر
لها، علاوة على ذلك، أشار القران إلى إمكانية تولي المرأة السلطة
وبجدارة قد تفوق الرجال، ولنا في الملكة بلقيس ملكة سبا، اكبر دليل
على ذلك، حيث اتسمت هذه المرأة بالحكمة والقوة والشجاعة والجرأة،
بالشكل الذي يفوق من كان حولها من الملوك الرجال.
ثانيا: في
الميدان العسكري
كما
هو معروف عن الميدان
العسكري، بأنه يدور حول إدارة الحروب، ووضع الخطط الإستراتيجية،
وقيادة الجيوش وتوجيهها، فإذا كان هذا هو محور الميدان، فهل يجوز
للمرأة ممارسة مثل هذه المسائل العسكرية؟ البعض قال بأنه لا يجوز
لها المشاركة في هذا الأمر، والسبب في ذلك يعود إلى إن هذا العمل
يتعارض مع ما تتمتع به من أنوثة، ورقة، وعاطفة ولين العود، إذ إن
الثقل في هذا الميدان يحتاج إلى صلابة في الأعصاب فضلا عن الحكمة
والدراية، ولكن يرد على هذا القول بان للمرأة إمكانية المشاركة في
الحروب لا في إدارتها، أو قيادة الجيوش أو وضع الخطط
الإستراتيجية...الخ، من الأمور العسكرية، بل القيام بالأعمال التي
تتناسب وعاطفتها وتكوينها الأنثوي، وطبيعتها ونفسيتها الرقيقة
الحساسة، كأن تقوم بمهمة مداواة الجرحى، ووضع الطعام للجنود، فهذا
واجب لا يقل أهمية عن الأمور العسكرية البحتة، بل يمكن أن يدخل في
مضمونها(20)، وعلى هذا الأساس يمكن القول بإمكانية مشاركة المرأة
بالميدان العسكري لحفظ كيان البلاد، والدفاع عنها ضد أي عدو، وهذا
الأمر يعد واجب مقدس على كل مسلم ومسلمة، ويشترك فيه الصغير و
الكبير، وبالتالي فإنها تتمتع بذات الأجر الذي يتمتع به المجاهدون،
وللشهداء في المعارك، لان موقفها هنا موقف حياة وعزة، وهذا ما يمكن
أن نطلق عليه بـ(تقسيم الأدوار) كلا حسب واجبه.
ثالثا:
في الميدان القانوني
هناك مسالة حياتية
مهمة جدا، تثار على الصعيد القانوني، مسالة تولي القضاء من قبل
امرأة، وهي محل جدل. فلقد ذهب البعض إلى عدم إمكانية تولي المرأة
هذا المنصب للأسباب التالية(21):-
1. قول الرسول الكريم(صلى الله عليه
واله وسلم) (ولا تولي المرأة القضاء)، وكما هو معروف لنا في رسول
الله(صلى الله عليه واله وسلم) قدوة حسنة، وهذا الحديث يقرر بان لا
تتولى المرأة القضاء، لطبيعتها وتكوينها فكيف لنا مخالفته في هذا.
2. الحالة الصحية للمرأة، فكما هو
معروف بان المرأة تمر بادوار صحية خاصة، تمنعها من الحضور المستمر
بمجلس القضاء، وذلك بسبب الطبيعة الفسلجية التي خلقت فيها المرأة
والتي تمنعها من الاستمرار في ممارسة العمل القضائي بشكل طبيعي.
ويرد البعض الآخر على هذه الحجج
بالقول إن الحديث المذكور آنفاً هو حديث وحيد، وضعيف، يحاول البعض
الاعتماد عليه بمسالة ضرورة وجود امرأتين ورجل في مسالة الشهادة،
ولكن تولي القضاء مسالة، والشهادة مسالة أخرى، إذ إن مهمة القضاء
مهمة علم وتقوى، فإذا اجتمعت في المرأة ، فيمكن أن تأخذ بها مع بعض
التحفظات.
ونحن نرى بان تدهور الحالة الصحية أو
صلاحها ليست مسالة مقتصرة على النساء فقط، فيمكن أن تتدهور الحالة
الصحية للرجل القاضي أيضا، وبالتالي ينقطع عن الحضور إلى المجلس
القضائي، ومن ثم تتعرقل انسيابية العمل، فضلا عن إمكانية التغيير
ما بين العناصر ذاتها، فحينما تتدهور صحة شخص القاضي سواء كان رجلا
أو امرأة يمكن استبداله بآخر وهكذا.
وخلاصة الفكرة، إن مسالة تولي القضاء
في الفقه الإسلامي ليست من القضايا المحسومة سلبا على صعيدي
الاستدلال والفتوى مما يجعل الباب مفتوحا فقهيا، أمام الرأي الآخر.
الـمبحـث
الثاني
تنظيم حرية المرأة في ظل الإسلام
مما لاشك فيه إن
الإسلام جاء لقلب النظم الفاسدة، وقلعها من جذورها، وإحلال القرآن
المجيد وتعاليمه مكانها، فهذه عملية شاقة ومهمة صعبة تبناها
الإسلام للقضاء على الظلم والجور والعبودية والطغيان والخضوع،
والذلة والإهانة، وكل مبادئ التهكم والازدراء، فالإسلام اعتبر
المرأة إحدى مقومات الدين، وركن من أركان الحضارة الإسلامية، ونقطة
انطلاق للتمدن والعمران في حياة الأمة والبشرية جمعاء.
فقد فتح الإسلام أمام المرأة كل
المجالات للخوض في مضمار معين لم يكن مطلقا، بل منظم لان الفتح
المطلق يقود إلى الفوضى والفساد والانحراف، لذا لابد من رسم الحدود
المشروعة للخوض في تلك المجالات من خلال التنظيم حتى لا يصبح هذا
الأمر، كما الصهريج الذي إذا امتلئ أكثر من طاقته فاض على جانبيه
ولم يستفد منه احد، ولا بأقل من تلك الطاقة فيؤدي الأمر إلى الضيق
والشح والقحط، وهكذا الحال بالنسبة لحرية المرأة فلا بد لها من
التنظيم، من خلال الالتزام بأمور معينة كالحجاب الذي أوجبه الإسلام
عليها، وكذلك الخلافة فيما يتعلق بممارسة العمل السياسي، فضلاً عن
القوامة.
المطلب الأول
الحـجــــاب
الحجاب يعني الستر، وذلك
لقوله تعالى(وإذا سألتموهن متاعا فإسالوهن من وراء حجاب)(22).
فالحجاب يعني إن جسد المرأة
يكون خلف سترها، ومن هنا نتخيل إن الإسلام أراد أن تبقى المرأة خلف
حاجز، ومع ذلك فان هذا لا يعني أن لا تخرج المرأة من بيتها، وتحبس
أو تسجن فيه، وإنما الحجاب في الإسلام هو أن تستر المرأة بدنها
حينما تتعامل مع الرجال وان لا تخرج أمامهم مثيرة(23) سواء بجسدها
أم بصوتها، فلا إثارة مادية أو معنوية، وهذا يعني بان هناك حجاب
مادي لمنع الإثارة المادية، وحجاب معنوي للحد من الإثارة المعنوية،
وهي كالأتي:-
أولا:
الحجاب المادي
وهو ستر المرأة لبدنها أو
جسدها بما لا يظهر مفاتنها أو محاسنها للرجل الغريب، ما عدا الوجه
والكفين والقدمين في بعض الآراء، وان لا يكشف ولا يصف ولا يحـدد
مفاتن الجسـد، فالأسـاس في اللباس في الإسلام هو السـتر، وليس
الإثارة، فالمرأة في الإسلام تتزين بأخر ما تستطـيع لزوجها وفي
بيـتها، ولكن إذا خرجت التزمت بالحجاب بارتداء اللباس الشرعي، الذي
يشترط فيه لباسا معينا يتلاءم مع ما فرضه الإســلام من التزامات
على المرأة، وبناء على ذلك فان الإسلام لم يفرض زياً معيناً يعينه
للرجل أو المرأة وإنما يطلب الإسلام من المرأة حينما تخرج من بيتها
أن تستر جسدها، فلها أن ترتدي ما يطيب لها من أحدث الأزياء، أما
بالنسبة لغطاء الشعر، فلها أن تغطي شعرها بما تراه ملائما لما
ترتديه، والهدف من الحجاب المادي، هو وضع المرأة في مكانها الصحيح
بحيث لا يطمع فيها من في قلبه مرض، وبالتالي فانه لا يعد تعطيل
لقوى المرأة، أو حبس لاستعداداتها الاجتماعية أو الاقتصادية أو
الثقافية، لأنه لا يريد أن تكون المرأة عضوا عاطلا في المجتمع، ولا
تلوث محيط العمل بالممارسات الشهوانية التي تؤدي إلى عرقلة أو
تعطيل الطاقة العلمية للمجتمع(24).
ثانيا:
الحجاب المعنوي
لقد بينا سلفا، بان الحجاب المادي هو
النهي عن التبرج وإظهار الزينة سواء عبر المساحيق أو السفور، أو
بارتداء الملابس المثيرة للشهوة.
أما الحجاب المعنوي فيراد به
الامتناع عن كل ما من شانه اجتذاب النوع الآخر، وإثارة غرائزه،
سواء بالصوت أو بالحرشة أو بالإيحاءات، فالله سبحانه وتعالى لا
يريد للمرأة أن تبدو بصورة يطمع فيها كل من في قلبه مرض، بحيث تكون
حركتها أو طريقتها في الكلام سببا لذلك، ولكن هذا المنع أو النهي
ليس مطلقا، وإنما يجوز للمرأة أن تخطب بالجماهير في الساحات
العامة، وتلقي القصائد الشعرية...الخ، وتشارك بالندوات بشرط أن لا
يحمل صوتها عنصر الإثارة، وخير دليل على ذلك سيدة نساء
العالمين(فاطمة الزهراء عليها السلام) حينما طالبت بالبيعة لأمير
المؤمنين علي بن أبي طالب’’عليه السلام‘‘(25)، هذا من جانب.
من جانب أخر يعد من قبيل الحجاب
المعنوي أن لا تفكر المرأة بغير زوجها، لان أفكار الإنسان تنعكس
على واقعه، فكلما عاش الإنسان أفكارا منحرفة، كلما ازداد انحرافه
عمليا، وبذلك يجب على الإنسان سواء كان رجلا أم امرأة تطهير ما في
داخله، لان الله تعالى لا يغير ما في داخلهم حتى يبادروا هم أصلا،
وذلك لقوله تعالى(إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما
بأنفسهم)(26)، وهذا يعني بان واقع الإنسان الداخلي هو الذي يهيئ
الأجواء لبناء واقعه الخارجي فإذا كان الواقع الداخلي خيرا،
فسينعكس ذلك على واقعه الخارجي والعكس صحيح أيضا.
المطلب الثاني
القـوامـــة
إن المرأة في الإسلام لها
مكانة مساوية لمكانة الرجل في جميع الحقوق والواجبات والأصل هو
التساوي لا التشابه إلا في بعض المستثنيات التي هي لمصلحة الرجل
والمرأة كليهما معا، فالرجل هو الأب، والمرأة هي الأم، فكل منهما
يكمل الآخر، وبالتالي فلا يجوز تغليب احدهم على الآخر، إلا في
مسالة القوامة، فهي مناسبة لخلقهما وعواطفهما، وقوله تعالى(الرجال
قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من
أموالهم)(27).
والقوامة هنا ليست انتقاص من
المرأة مطلقا، بل هي القيادة أو الإمارة أو هي شيء لابد منه لتسير
الحياة بصورة منظمة لأنه لابد للناس من أمير أو قائد، وهذا الأمر
يشمل حتى الرجال، فهل يرفض الرجال أن يكون لهم قائد؟(28). فكل شركة
أو مؤسسة أو وحدة اجتماعية لابد أن يكون لها رئيس مسؤول، حتى ولو
بلغ التعاون بين الأفراد الذروة، لذا فان قيادة العمل أو إدارته لا
يمكن أن تتم بدون مدير أو قائد بما إن الأسرة هي أهم وحدة اجتماعية
لذا فلا بد من وجود مدير مسؤول وقيّم ضروري جدا، حتى ولو بلغ
التفاهم بين الزوجين المرتبة المثالية، إذ لابد من وجود مسؤول عاقل
يزن الأمور بميزان الحكمة، فالأسرة يلزمها فرد مدبر تكون له الكلمة
النافذة والموقف النهائي، لان الحياة الإنسانية مسألة غاية في
الأهمية على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، لتوفير أمنها
الغذائي، وأمنها الثقافي، وأمنها الاجتماعي، فالرجل بطبيعة تكوينه
لا يسيطر عليه الجانب العاطفي وهو بذلك بمأمن من سيطرة العاطفة
عليه، فهو غالبا ما ينظر إلى الأمور بعمق واتزان.
ومن هنا ينظر إلى الرجل كقيّم
على الأسرة ولكن هذه النظرة هي ليس تحقيراًًًً للمرأة و لا حطا من
شانها، فهي مجرد صيانة للكيان العائلي، الذي يستلزم رئيس ومسؤول،
فضلا عن إن المرأة ذاتها تعترف في قرارة نفسها بان استقرار الأسرة
وسعادتها تتوقف على الاعتراف بمسؤولية الرجل وقيمومته، وعلى الرغم
من سيادة الرجل على الأسرة، فان المرأة في الحياة العملية تمارس
نشاطها بحرية لان للرجل همومه واهتماماته خارج البيت، فيما يبقى
البيت مملكة المرأة، ولا ضرر من اعتراف الزوجة بحق زوجها في إدارة
شؤون الأسرة، ومن هنا يجب على المرأة الإصغاء إلى اقتراحاته
واحترام ملاحظاته أو التحاور معه في شان من الشؤون، لان الاستخفاف
به يشكل ضربة لشخصية الرجل التي لا يتحملها الكثيرون، وبذلك يقـول
رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم): (إن من خير نساؤكم التي تسمع
قول زوجها وتطيع أمره)، وكذلك قول الرسول الكريم(صلى الله عليه
واله وسلم) حينما سألته إحدى النساء عن ما للرجل من حق فأجاب“
تطيعه ولا تعصيه" وكذلك عنه(صلى الله عليه واله وسلم) (شر نسائكم
اللجوج)، وبذلك فان الاعتراف بقيمومة الرجل في الأسرة من قبل
المرأة، يعني البداية السليمة في الطريق الصحيح للحياة
الزوجية(29).
المطلب الثالث
الخلافــــة
الخلافة هي منصب سياسي يتولاه شخص معين بعد وفاة النبي(صلى الله
عليه واله وسلم) لحكم البلاد وفق القوانين الإلهية، والشخص الذي
يمارس مهمة الخلافة يسمى بـ(الخليفة)، فالخليفة هو شخص يحل محل
النبي(صلى الله عليه واله وسلم) في مهمته حيث يبيح بمجموعة من
الناس العيش حسب القوانين الدينية التي تضمن حياة منسجمة وسعيدة
على الأرض،فالخلافة هي المهمة الصعبة التي تأتي بعد وفاة النبي(صلى
الله عليه واله وسلم). لذا يشترط فيمن يمارس هذه المهمة شروط معينة
هي:
1. أن تكون أهوائه لا تغلب على
سلوكه.
2. أن يكون من سليل الأسرة التي يرجع
نسبها إلى النبي(صلى الله عليه واله وسلم).
3. يجب أن يأخذ الخليفة على عاتقه
مصالح الرعية الآخروية والدنيوية معا.
4. يجب أن يلتزم الخليفة بالقانون
الإلهي، فمهمته تنحصر في التطبيق لا التغيير، ذلك لأنه يخضع
لأوامر الله سبحانه وتعالى فهو المشرع.
5. يجب على من يتولى مهمة الخلافة
فهم النظام السياسي كله وبناء على ذلك فان ليس كل شخص يمارس مهمة
الخلافة، إذ لابد من توافر الشروط المذكورة آنفاً فيه، فضلا عن إن
مصطلح(الخليفة) في قاموس لسان العرب لم يأت إلا في المذكر وحتى
الذكور ليس جميعهم يستطيعون ممارسة هذه المهمة لذلك فان المرأة على
الرغم من الاعتراف لها بإمكانية ممارسة العمل السياسي، أو تولي
السلطة فأنها لا تستطيع أن تكون خليفة(30).
النتائــج
نستنتج مما تقدم في هذا الفصل
أن هناك نقطة مهمة جدا وهي وعي الأهداف الأساسية من الدعوة إلى
تحرر المرأة، حتى لا ينسى المرء في غمرة الحياة الهدف أو تتحول
الوسيلة إلى هدف، فالحرية من اجل الإنسان وليس الإنسان من اجل
الحرية، والحرية من اجل رفاهية الإنسان، المرأة خاصة، والمجتمع
عامة، وليس العكس، وعلى المرء أن يعي ذلك جيداً، فمسألة الحرية
تستلزم فهم ووعي وتقدير للأمور لكي لا تتجاوز الحدود المرسومة لها،
وهنا لا ينبغي للمرء أن يستغرق في إعداد هذه المسالة أكثر من
الضروري ثم ينسى الهدف ومن ثم تتحول الحرية اللازمة لتيار المجتمع
إلى معول للهدم، إذ لا تكتمل نهضة الأمة إذا لم تنهض المرأة، فهي
نصف المجتمع. ولكن من هو النصف الآخر؟ وهل له دور يؤديه في حرية
المرأة؟
النصف الآخر هو الرجل، وهو
ضروري لتمتع المرأة بحريتها على أكمل وجه، لأنه القائم الذي لا
يجوز معصيته، فإذا كان يعاني من عدم الحرية فانه لا يستطيع منح
المرأة التي تحت رعايته حريتها، والسبب في ذلك يعود إلى أن فاقد
الشيء لا يعطيه.
ومما تجدر الإشارة إليه إن
الشريعة الإسلامية قد جاءت بمبادئ ثابتة عامة، فلكي تستطيع المرأة
المسلمة ممارسة حرياتها في ظل
نظام الإسلام، يجب أن تنهل من هذه المبادئ مما يساعدها على مواجهة
التطورات لاسيما تلك التي يفرضها تيار العولمة بأشكاله المختلفة في
الوقت الحاضر.
هوامش الفصل الثاني
1.
إيهاب يوسف بقاعي، كشكول
المرأة، الطبعة الأولى، مؤسسة المعارف للمطبوعات، لبنان- بيروت،
2001، ص9.
2. عادل علي عجيان، المرأة
والمشكلات الاجتماعية، الطبعة الأولى، دار النخيل، للطباعة والنشر،
بيروت ، 1994، ص51.
3. الشيخ فاضل الصفار، ضد
الاستبداد، الطبعة الأولى، دار الخليج للطباعة والنشر، بيروت ،
1998، 52.
4. عبد السلام الرفاعي ومحمد
محسن السعيد، خلق الإنسان، الطبعة الأولى، موسوعة أهل البيت(عليهم
السلام) الكونية، المجلس
الخامس، مؤسسة الفكر الإسلامي- بيروت، 2002، ص135.
5. مرتضى ألمطهري، نظام حقوق
المرأة في الإسلام، الطبعة الثانية، الدار الإسلامية للمطبوعات-
بيروت، 1991، ص165.
6. نعيم الرفاعي، الصحة النفسية،
الطبعة السابعة- دمشق، 1987، ص495.
7. عادل علي عجيان، المصدر
السابق، ص81.
8. سورة العلق : الآية (1- 5).
9. عادل علي عجيان، المصدر
السابق، ص82.
10. سورة الزمر: الآية رقم(9).
11. سورة طه: الآية رقم(114).
12. آية الله السيد هادي المدرسي،
حوار عن المرأة، الطبعة الثانية، دار البيان العربي - بيروت، 1988،
ص49.
13. الشيخ حسن الصفار، شخصية
المرأة، الطبعة الأولى، المركز الثقافي العربي - بيروت، 2003، ص24و
ص46.
14. سورة التوبة: الآية رقم(71).
15. سورة الممتحنة: الآية
رقم(12).
16. د. محمود عكام، المرأة في
منظور إسلامي، بحث منشور في مجلة النبأ، العدد60، السنة السابعة،
1422هـ، ص69.
17. د. ساعد الجابري، هل للمرأة حق
الترشيح والانتخاب، بحث منشور في مجلة النبأ، العدد60، السنة
السابعة، 1422هـ، ص62.
18. آية الله العظمى السيد محمد
الحسيني الشيرازي، المرأة في ظل الإسلام، الطبعة الثاني، هيئة محمد
الأمين(صلى الله عليه واله وسلم) - بيروت، 2002، ص19.
19. آية الله العظمى السيد محمد
بحر العلوم، المرأة في ظل الإسلام، الطبعة الأولى، دار البلاغة
للطباعة والنشر والتوزيع، لبنان- بيروت، 1993، ص222.
20. المصدر نفسه ، ص223.
21. المصدر نفسه، ص224.
22. سورة الأحزاب: الآية
رقم(53).
23. مرتضى المطهري،
مختصر كتاب مسالة الحجاب، الطبعة الأولى، جمعية المعارف الإسلامية
الثقافية، لبنان- بيروت، 2001، ص36.
24. جمال البنا، حجاب المرأة بين
دعاة التحرر وتشدد الفقهاء، بحث منشور في مختارات من المرأة
والإسلام، مركز الفرات للتنمية الإستراتيجية، العدد 123، السنة
295، 2002.
25. راجع أم احمد الحسيني،
فاطمة الزهراء(عليها السلام) قدوة المرأة المسلمة، مؤسسة أنصار
الحسين(عليه السلام) الثقافية.
26. سورة الأحزاب: الآية رقم(32).
27. سورة النساء: الآية رقم(28).
28. سورة البقرة: الآية رقم(228).
29. الشيخ إبراهيم الاميني، ترجمة
وتقديم كمال السيد، نحو حياة دافئة، ص49.
30. فاطمة المنيسي، السلطانات
المنسيات، الطبعة الأولى، دار الحصاد للنشر والتوزيع- دمشق، 1994،
ص 22- 27.
الفصـــــل الثالث
الدور الثقافي للمرأة العراقية
إلهــام
الشيباني
تدريسي / كلية
الإدارة والاقتصاد / جامعة كربلاء
تمــهيد
لم يكن يستهدف هذا الفصل دراسة حركة
المرأة العراقية في جميع الجوانب بقدر ما استهدف تسليط الضوء على
واقع المرأة العراقية في مرحلتين مهمتين مرت بهما المرحلة الأولى:
قبل 9/4/2003اي قبل سقوط نظام (صدام حسين) والمرحلة الأخرى بعد هذا
التاريخ. والأمر الذي يمكن أن تلعبه المرأة في تنشيط العمل التنموي
وإشاعة المفاهيم الحضارية والقيام بالأعمال التي من شأنها تثقيف
المجتمع. ولأجل دفع عملية التنمية للإمام لابد من تعزيز دور الكادر
النسوي في المواجه الحضارية ، ولتحقيق ذلك تم تقسيم هذا الفصل إلى
مبحثين :
الأول تضّمن
مطلبين في دراسة عن واقع المرأة العراقية أما الثاني فقد اختص
بدراسة دور المرأة العراقية الثقافي .
الـمبحـث الأول
واقــع المرأة العــراقية
قضية المرأة قضية حيوية فما بالك
بالمرأة العراقية التي تحملت أصعب الظروف التي مر بها البلد في ظل
النظام السابق (نظام صدام حسين) وما بعده بشتى جوانبها وفي هذا
المبحث سوف نحاول تسليط الضوء على وضع المرأة في ظل تلك الظروف
السياسية كونها كانت المؤثر الأول في مسيرة حياتها الاجتماعية
والثقافية داخل الأسرة والمجتمع ، وسيتم عرض هذا الموضوع في مطلبين
هما :
المطلب الأول :
واقع المرأة العراقية قبل 9/4/2003.
المطلب الثاني :
واقع المرأة العراقية بعد 9/4/2003 .
المطلب الأول
واقع المرأة العراقية قبل
9 نيسان 2003
أن للمرأة
دور متميز في المجتمع يعبر عنه واقع مساهمتها في الحياة السياسية
والاجتماعية والثقافية بحيث يمتد دورها في عمق تأريخنا الإسلامي ،
فقد كانت زوجة المختار الثقفي الفزارية أول امرأة يضرب عنقها
بالسيف في ارض العراق(1) وفي عصرنا الحديث دخلت المرأة
العراقية منذ البداية المعترك السياسي فاحتلت مراكز قيادية في
الحياة السياسية والحزبية وخاصة السرية منها وقد توج حضورها ذلك
بأن كان لهذه المرأة مساهمة في الحكومة العراقية في عهد رئيس
الوزراء عبد الكريم قاسم (1958-1963) حيث شغلت منصب وزير في تلك
الحكومة .
ولم تحصل تطورات واضحة بعد تلك
الفترة فقد مرت المرأة بمرحلة جديدة اتسمت بخضوعها إلى أشكال من
الظلم والاضطهاد والضغوط النفسية فضلاً عن العنف والترهيب والتساؤل
الذي يطرح نفسه هنا، ماهو واقع المرأة في ظل الدكتاتورية التي كانت
تحكم البلد؟ وكيف جسدت دورها في الحياة الاجتماعية والسياسية
والثقافية في المجتمع؟ للإجابة على هذين السؤالين لابد من القول
بأنه لا يخفى علينا أن دور المرأة العراقية كان يعكس أسمى معاني
نكران الذات فهي مضحية من اجل المبادئ والقيم والدين ولعل استشهاد
المجاهدة (بنت الهدى) هو الصورة الرائعة لتضحية المرأة العراقية
كما لا يغيب عن أذهاننا الانتفاضة الشعبانية وما تركته من مقابر
جماعية تضم مئات الجثث لنساء نلّن شرف الشهادة، ولكنها لم تبتعد
بشكل مطلق فقد بقي لديها ما تقدمه للمجتمع المضطهد آنذاك، لقد كانت
مربية فاضلة تدير شؤون منزلها عندما كان معظم الرجال يقاتلون
مرغمين في المعارك التي افتعلها النظام السابق، وفي الفقرات
التالية نتعرض لأهم المشاكل التي واجهتها المرأة العراقية في
مجتمع يحكمه التسلط الدكتاتوري بأشد صوره .
أولا: العنف
تعرضت
المرأة العراقية(2)
في عهد النظام السابق لكثير من صور العنف من أبرزها المقابر
الجماعية التي ضمت الكثير من النساء كما واجهت المرأة منظمة اتحاد
نسائي لا تمثلها وهي مرتبطة بالأجهزة الأمنية للنظام وتأتمر
بأوامره فقد كانت تعاني من اضطهاد مزدوج قضى على حقوقها كمرأة
ودورها للمساهمة في بناء المجتمع العراقي، إذ أنها واجهت الكثير من
حالات التعذيب في السجون والقتل من قبل الأجهزة الأمنية، كما تعرضت
للذبح بما يسمى بسيف صدام بدعاوى وهمية غير مؤكده حيث تعتمد على
وشايا البعض وهذا خلاف للشرع والقانون(3)الذي أوجب
أقامة الحد بعد استحصال شهادة أربعة شهود عدول كأدلة للإثبات .ومن
ذلك وعلى سبيل المثال ما تعرضت له أحدى الفتيات العراقيات إذ تحدثت
عن سلبيات توزيع الأدوية للأمراض المزمنة في أحدى الصحف العراقية
مما أدى إلى تعرضها جراء التصريحات إلى عقوبة الذبح بدعوى الدعارة
المذكورة آنفاً رغم أنها تهمة كيدية وغير ثابتة. حيث تم تشريع
قانون في عام 1990 يحلل قتل المرأة التي يشتبه بأنها ارتكبت جريمة
تخل بالشرف دون محاكمة أصولية تتبعها الجهة التي خولت بهذه المهمة
وهي ليست بالجهة القضائية، فهي لا تخرج من كونها لجنة أمنية تهدف
إلى فرض هيمنة النظام المستبد.
ثانياً :
مستوى التعليم وفرص العمل
تمثل دور
المرأة العراقية قبل 9/4/2003 بأنها عملة ذات وجهين احدهما كونها
ماجدة في أيام الحروب والحصار والآخر كونها امرأة يجب أن تبقى في
البيت لأنها لا تنفع ألا في ألاغاني السياسية. وبالرغم من أن
المرأة كانت تشكل نسبة70% من العمالة بالتعليم والدوائر الحكومية
الأخرى في بداية الثمانينات وكانت تشغل مراكز علمية وإدارية متقدمة
في العمل نظراً لانشغال الرجال في الحروب ألا أن هذه النسبة لم تبق
على حالها، حين بدأت النساء يتركن أعمالهن نتيجة للغلاء والتضخم في
فترة الحصار(1990-2003) ومحدودية الرواتب، حيث أن أكثر من50%(4)
من الذين تركوا العمل من النساء في الدوائر التابعة لمختلف
الوزارات، وان انخفاض نسبة مشاركة المرأة في القوى العاملة لتلك
الفترة أدى إلى انخفاض ملحوظ في مستوى دخل الأسرة العراقية. إضافة
إلى تفشي الأمية بين النساء حيث أن مستوى التعليم للإناث كان يشكل
اكبر نسبة من الذكور للأسباب المذكورة آنفاً هذا الأمر أدى إلى
وجود بطالة بنسبة عالية جداً بين صفوف النساء، خاصة مع وجود عنصر
التميز بالوظائف بين النساء والرجال .
المطلب الثاني
واقع المرأة العراقية بعد
9 نيسان 2003
في أعقاب
الحرب وبعد سقوط النظام السابق واجهت المرأة العراقية وبشكل متزايد
هجمات مصحوبة بالعنف، بما فيها الخطف والاغتصاب والقتل، نتيجة
انهيار القانون والنظام وتخشى نساء عديدات من مغادرة منازلهن
وامتنعت الكثير من الفتيات من الذهاب إلى المدارس وكثير من النساء
اللواتي وقعن ضحايا للعنف في الشارع أو المنزل فقدن الأمل فعلياً
في إنصافهن(5) .
وفي حالات
أخرى تعرضن النساء اللواتي قمن بحملات لحماية حقوق المرأة للتهديد
والقتل...ألا أن الأمر لم يبق على هذا الحال فسرعان ما تشكلت
منظمات تطالب بحقوق المرأة بعد أن فقدتها منذ 35عاماً، وقد تبلورت
جهود هذه المنظمات بالتظاهر والاحتجاج والاعتصام إزاء المساس بأي
قضية تتعلق بتلك الحقوق، تلاها حصول المرأة على نسبة 25% للمشاركة
في العمل السياسي بالحكم انطلاقاً من مبدأ مشاركتها في صنع
القرارات السياسية والاقتصادية والثقافية(7)وبهذا دخلت
المرأة العراقية مرحلة جديدة تستطيع من خلالها صناعة القرار
السياسي والإقرار بحقوقها المغيبة عبر سنوات، فقد شغلت مناصب عديدة
في الحكومة المؤقتة وهي بداية لممارسة نشاطها في الحكومة المنتخبة
حيث شغلت منصب وزير الأشغال والبلديات ووزير المهاجرين والمهجرين
ووزير الزراعة وسفير العراق لدى واشنطن علاوة على ذلك صدرت أول
جريدة في العراق ناطقة باسم المرأة حيث بدأت المرأة تأخذ دورها
الحقيقي بأن تسعى لتجاوز التقاليد الاجتماعية والأنظمة السياسية
التي حولتها إلى كيان معّطل، ومن جملة ما حققته المنظمات النسوية
ومساهمتها في إعادة تأهيل المرأة العراقية هو(8) :
1. قامت بعض
الوزارات بإعادة عدد كبير من النساء إلى دوائر الدولة منها الصحة
والتربية ووزارة العدل .
2. أقامة مراكز
تابعة لرابطة المرأة في المحافظات كافة وعلى اختلاف أطيافها
وأديانها حيث تتضمن أهداف تلك المراكز إلى تطوير المرأة العراقية
من خلال نشاطات تقوية المرأة اقتصادياً والتأهيل باستخدام البرامج
التعليمية وتقديم الخدمات القانونية وإقامة الفعاليات الاجتماعية .
3. العمل بدراسة
مشروع أعداد كوادر نسوية قيادية من خلال تهيئتها لمواقع قيادية
أدارية مثل مدير مؤسسة (عميد كلية) أو وكلاء للمدراء .
الـمبحـث الثاني
دور الـمرأة العـــراقية
لعل من نافلة القول أن المجتمعات
يمكن أن تتغاير بحسب طبيعة ثقافتها وإيديولوجيتها ولابد لنا أن
نوضح مفهوم الثقافة لأن المرأة العراقية اختصت بواقع ثقافي متميز
قديماً وحديثاً فالثقافة هي مجموعة القيم والتقاليد والعادات التي
يؤمن بها المجتمع. ولابد لنا من توضيح المتغيرات أو الأبعاد
الثقافية وهي: -
1. القيم فهي
مجموعة المعتقدات ’’الأفكار‘‘ التي يؤمن بها الفرد.
2. التقاليد هي كل
ما يكتسبه الفرد من سلوكيات آباء وأجداد.
3. أما العادات
فهي السلوكيات الفردية المكتسبة.
تطرقنا في
المبحث الأول إلى ما تعرضت له المرأة العراقية من تهجير واعتقال
واستغلال لطاقاتها، وتقييد حريتها، واليوم تواجه انفتاحاً كلياً
يتمثل في دخول وسائل تقنية متطورة تسمح باختراق الثقافة(العراقية)،
فدخول الانترنت والقنوات الفضائية أسهم في إدخال أفكار وعادات
جديدة قد تتناقض مع ما يحمله مجتمعنا من معتقدات وأفكار، وخاصة
الإسلامية منها، ولهذا فأن السؤال الذي يتبادر إلى أذهاننا هو:هل
أن طبيعة ثقافة المرأة العراقية لا تسمح بالحوار مع الثقافات
الأخرى؟ فإذا كان الجواب على هذا التساؤل بالنفي. أذن فما هي
الوسائل والأساليب السليمة التي يتوجب أتباعها لكي يتم التفاعل بين
ثقافتها الأصلية وبين سائر الثقافات وكيف يتم المحافظة على ثوابت
ثقافتها المذكورة؟
وللإجابة على هذين
السؤالين نقول :
أن المجتمع
العراقي تعرض في زمن النظام السابق إلى جملة من عوامل التخلف لعل
من أبرزها هو إلغاء الحرية الفكرية فضلاً عن عزل المجتمع عن
التواصل العلمي التقني الحديث إضافة إلى حصاره الثقافي وبطبيعة
الحال فأن ثقافة المجتمع الإسلامية منها ممتدة من العقيدة أدى هذا
الأمر إلى حصول ازدواجية في التفكير وتكوين مجتمع منغلق وهو عكس ما
تدعو أليه المبادئ الإسلامية فهي تدعو إلى التفاعل مع الثقافات
الأخرى والانفتاح على العالم شرط أن لا تتعارض مع المبادئ
الإسلامية الحقيقية. أن ما حصل في مجتمعنا من ازدواجية وضياع
الهوية الثقافية أدى إلى ضعف الأسس الثقافية للمجتمع مما انعكس
بدوره على المرأة على وجه التحديد باعتبارها تمثل نصف المجتمع
بطبيعة الحالة وبهذا فلا يمكن. فصل الدور الثقافي والاجتماعي
للمرأة فكلاهما واحد. ومن جانب آخر فأن ثقافة المرأة العراقية من
حيث الأصل تمتاز بالشمولية والحيوية بحيث يمكن أن نجملها بخليط من
الثقافات المترابطة والمتلاحمة مع بعضها البعض ولعل من أهمها:
الثقافة الروحية، الثقافة الأخلاقية، الثقافة التربوية والتاريخية
والثقافة العقائدية، الثقافة الصحية، الثقافة الأسرية والزوجية
وحتى الثقافات التي تهتم بالمطبخ والأناقة وما شابه ذلك(9).
ولهذا وحتى نصل للإجابة على المطلب الأول لابد أن يكون هناك تفاعل
وانسجام بين الثقافات لاسيما أنها تمتد في جذور التأريخ وبحسب
اختلاف المجتمعات تطوراً ورقياً ولهذا فعند الكلام عن تفاعل
الثقافات لابد أن توضح أن خلق المناخ الملائم لتلاقح الأفكار يأتي
عبر تخطيط مسبق وأعداد كوادر فنية وعلمية كفوءة تدير هذه العملية
بحيث تكون قادرة على أن تشخص أسباب وأوجه التلاقي وتحافظ في نفس
الوقت، على ثوابت الثقافة العراقية والموروث الإسلامي الأصيل كما
سنرى لاحقاً.
ويمكن إجمال عوامل
نجاح التفاعل الثقافي للمرأة بـ:
أولا :
أن
تكون محصنة عقائدياً
أن
عقيدة الأغلبية في العراق هي الإسلام، ولذلك فالعقيدة الإسلامية
تتطلب شرطين أساسيين فيما يتعلق بالمرأة :
1- أن تمارس
المرأة ثقافتها الإسلامية فكراً وسلوكاً حيث أن تنامي وعي المرأة
العراقية بتراثها وأيمانها بعقيدتها ابتداء من تمسكها بالعائلة
كنواة اجتماعية أساسية ومحاولتها في الوقت ذاته أثبات وجودها
واستقلاليتها ضمن الحياة العصرية المنسجمة مع التراث والحضارة
العراقية، حيث يميز البعض بين مثقف ساكن ومثقف متحرك الأول لا دور
له في مجتمعه والثاني ينهض بدوره في المجتمع، أي بين مثقف منغلق
ينتج ثقافة الجمود ومثقف منفتح ينتج ثقافة التجديد(10)
فنحن نؤكد هنا على أن تكون ثقافة المرأة متماسكة من اجل نيل حقوقها
القانونية والاجتماعية ومن جهةٍ أخرى تمسكها بأسرتها وأطفالها
واستقرارها ومحاولة اختزال مفاهيم التفوق الرجولي من اجل إثبات
الذات.
2- أن تدافع عن
عقيدتها وثقافتها لا من عوامل الانهزام الداخلي وعناصر الغزو
الخارجي(11)، حيث يواجه مجتمعنا المعاصر انتقاله من
ظاهرة الثقافة الوطنية إلى ثقافات جديدة بفعل الغزو الثقافي، ورغم
أن عملية اختراق المنظومة الثقافية لأي شعب تكون صعبة، ألا أن
الأمر يبدو أكثر خطورة بتأثر المرأة بالجوانب الشكلية، كثقافة
الصور، لكن الأمر يت