السياسات التجارية الحكومية

في ظل اتفاقيات منظمة التجارة العالمية

   

إعداد

حسن بدري مهلهل*                    مهند حميد مجيد*

2005

                                                  * قسم العلاقات الاقتصادية الخارجية/ وزارة التجارة.

 

لا شك إن التنمية الاقتصادية، وما يتصل بها من تنمية الموارد البشرية في في ظل التنمية المستدامة، تأخذ الحيز الأهم ضمن أستراتيجيات الحكومة العراقية حيث يقع على عاتقها مسؤولية كبيرة سواء في تحديث مؤسساتها وتاهيلها أو في تنشيط القطاعات الخاصة فيها ومساعدتها على مواجهة موجة العولمة، وسيكومن من الضروري تعزيز قدرة الاقتصاد العراقي بكافة الوسائل التي تضمن له الدوام والاستمرار فضلا عن تحقيق التنمية المستدامة بكافة نواحيها التجارية والصناعية والاجتماعية والبيئية.

على عكس ما هو شائع لدى الكثيرين في القطاعين العام والخاص، فان قواعد منظمة التجارة العالمية مرنة الى حد كبير مما يسمح لحكومات الدول الأعضاء -خاصة النامية منها- باختيار السياسات التجارية التي تتوافق مع نظامها الاقتصادي واهدافها التنموية، وسنحاول في هذه الورقة استعراض بعضاً من هذه السياسات، وتحديدا أهم السياسات التجارية التي يمكن للحكومة العراقية ان تطبقها من اجل تحقيق سياساتها الانمائية في ظل قواعد منظمة التجارة العالمية.

ولا يأتي تقييم السياسات التجارية للدول من وجهة نظر قواعد منظمة التجارة العالمية كمفاجأة نظرا للاهمية التي تلعبها هذه القواعد في هذا الإطار. فمن جهة، تشمل قواعد منظمة التجارة العالمية الجزء الاكبر من قواعد التجارة الدولية، فبعد إدخال تجارة الخدمات والجوانب التجارية لحقوق الملكية الفكرية وبعض جوانب الاستثمار ضمن اطار منظمة التجارة العالمية، أصبحت كافة مواضيع التجارة الدولية، مع بعض الاستثناءات، تحت مضلة منظمة التجارة العالمية. ومن حهة ثانية، فان عضوية منظمة التجارة العالمية الشاملة تجعل من الصعب تجاهل قواعدها، خاصة وان 11 دولة عربية هي حاليا اعضاء في المنظمة([1]) بينما تفاوض 5   دول للانضمام([2]) وتتجه بقية الدول العربية في السعي للانضمام([3]).

وبحسب مفهوم منظمة التجارة العالمية تشمل السياسات التجارية كافة الاجراءات الحكومية ذات الاثر على التجارة الخارجية([4])، وهي تشمل بالتحديد السياسات الاقتصادية والمالية والضريبية، وغيرها من السيات التي تؤثر على التجارة الخارجية في السلع وعلى تجارة الخدمات، ونظام الملكية الفكرية المتعلق بالتجارة. هذا وقد يكون الهدف من وراء السياسات التجارية حمائي بحت، أي يهدف الى حماية الصناعة المحلية من المنافسة الأجنبية، سواء عبر قيود كمية وحصص أو تقديم دعم مادي للصناعات المحلية، وقد يكون الهدف من ورائها مالي كجلب مردود على الخزينة عبر المحافظة على تعرفة كمركية أو ضرائب مرتفعة، ومن وجهة نظر منظمة التجارة العالمية يمكن تمييز نوعين من السياسات التجارية: النوع الاول هو السياسات التجارية المشروعة، والثاني السياسات التجارية غير المشروعة.

أولا : السياسات التجارية الحمائية المشروعة

1.   الحماية الكمركية:

إن السياسات التجارية الحمائية الاقل ضررا من وجهة نظر منظمة التجارة العالمية هي التعرفة الكمركية، فبحسب المادة 2 من "غات 94" يلتزم أعضاء منظمة التجارة العالمية بعدم رفع التعرفة عن النسبة المؤية المحددة للبضائع المذكورة في جدول الالتزامات إلا في حالات معينة منصوص عليها حصرا، أو بعد التعويض على الدول اصحاب الحق الاولي في المفاوضات المتعلقة بسلعة معينة، إذاً فالمبدأ هنا هو بربط التعرفات الكمركية وليس بإلغائها، ومن ثم المضي قدما بتخفيضها بشكل تدريجي عبر جولات التفاوض، أما البضائع والسلع التي لم يحدد لها سقف في جدول الالتزامات فتبقى الدول المعنية حرة في رفعها او خفضها من دون قيد او شرط، هذا يعني نظريا انه يحق لدولة ما ان تستثني سلعا من التحديد الكمركي بشكل يضمن لها مرونة بالمعاملة، لكن ذلك منوط الى حد بعيد بنتائج المحادثات الثنائية عند الانضمام أو بعد ذلك من خلال جولات المحادثات المتعددة الأطراف، وتبلغ نسبة السلع المقيدة في جداول التزامات الدول النامية حوالي 73 % من السلع المستوردة كافة، وتبلغ هذه النسبة حوالي 99% عند الدول المتقدمة([5]).

ومن أهم السلع الصناعية المستثناة من مبدأ التحديد الكمركي في جداول الدول المتقدمة الزيت الخام. فالنفط يقسم في جداول التعرفة حسب النظام الموحد(Harmonisoed System )  الى زيت خام ومشتقات وبتروكيمياويات، وقد قررت العديد من الدول المتقدمة ان لا تدرج الزيت الخام في جداولها وان كانت التعرفة الفعلية في تلك الدول ضئيلة للغاية أو منعدمة تماما، ولعل هذا هو السبب الرئيس في الاعتقاد ان النفط هو هو خارج اطار قواعد منظمة التجارة العالمية، وهذا خطأ شائع. فعدم ادراج سلعة ما في جداول التعرفة لا يجعلها مستثناة من قواعد منظمة التجارة العالمية الأخرى، فقاعدة عدم التممييز في فرض الضرائب المحلية مثلا تطبق على السلع المدرجة وغير المدرجة في جدول السلع، ولا يؤدي استثناء سلعة من التحديد الكمركي سوى الى فتح المجال أمام الدولة المعنية لرفع التعرفة وتخفيضها على السلعة المذكورة ساعة تشاء وكيفما تشاء، وهنا تجدر الاشارة الى ان فحوى جداول السلع يخضع الى المفاوضات والضغوطات سواء لجهة السلع المدرجة او لجهة مستوى التعرفة الكمركية على هذه السلع.

فضلاً عن كون التعرفة الكمركية وسيلة حماية للصناعة المحلية – لانها افضل من القيود الكمية والحصص- وتشكل عائداتها مصدرا اساسيا لموارد الخزينة في الدول النامية، بحيث تصل احيانا الى اكثر من 40% في بعض الدول، إلا إنها تشكل سلاحا ذا حدين، فهي تحمي الصناعة المحلية من جهة، لكنها قد تؤثر في قيمة السلعة المحلية النهائية وقدرتها التنافسية في سوق التصدير او حتى السوق المحلية، وذلك إذا كانت السلع الاولية او الوسيطة موضع تعرفة كمركية عالية،من جهة أخرى، لذا فمن الضروري عند البحث في مقدار الحماية الاخذ بالاعتبار مبدأ نسبة الحماية الفعلية بالاضافة الى النسبة الاسمية للتعرفة، ومن الضروري التعرفة الكمركية المثلى حسب درجة التصنيع، وتقل أو تصبح منعدمة كلما كانت اقرب الى الموارد الاولية.

2.   الحوافز الضريبية:

قامت معظم الدول الغنية بخفض معدل التعرفة الكمركية في جداولها، إلا أنها إستعاضت عنها بالضرائب المحلية لا سيما ضرائب القيمة المضافة، وهذا مشروع يتفق مع قواعد منظمة التجارة العالمية، فالعضوية في المنظمة لا تفرض إلغاء أو حتى تخفيض الضرائب، ذلك انه بعد ان تعبر السلع الاجنبية الكمارك، لا يجوز فرض اي رسم او ضريبة داخلية عليها إلا بموجب بند المعاملة الوطنية، أي بعد فرض الضريبة او الرسم ذاته على السلع الوطنية المماثلة.

والمعاملة الوطنية هذه تطبق على السلع المقيدة وغير المقيدة في جداول الالتزامات على حد سواء، وهذا أمر ثابت بمقتضى سلسلة من الدعاوى في الكات القديمة([6])، ويعتبر حق الدول في فرض الضرائب مشروعا وغير قابل للنقاش، يؤكد ذلك كثرة الشكاوى ضمن اطار الغات والتي اغلبها كانت في اطار التاكد من انها تأتي مطابقة لمبدأ المعاملة الوطنية.

3.   الحوافز المشروعة لتشجيع الصادرات:

يمكن اعتماد حوافز لتشجيع الصادرات تتماشى مع قواعد منظمة التجارة العالمية ولا تشكل دعما محظوراً بمفهوم اتفاقية الدعم. من اهم هذه الحوافز إعفاء الصادرات من الرسوم الكمركية وغيرها من الرسوم غير المباشرة (مثل ضريبة القيمة المضافة) شرط ان لا تزيد على على الضرائب التي تفرض على تلك المنتجات عند بيعها للاستهلاك المحلي، ولا تسمح قواعد منظمة التجارة العالمية بالاعفاء من الضرائب المباشرة كتلك التي تفرض على الارباح، ولا بد من الاشارة الى ان التعرف على الحوافز المشروعة لتشجيع الصادرات، كأنواع الدعم المشروعة، أمر صعب ويتطلب معرفة تقنية ومفصلة لقواعد منظمة التجارة العالمية.

4.   التشريعات الخاصة بحماية الصناعة المحلية من الممارسات الضارة في التجارة الدولية:

هناك مسؤولية كبيرة على عاتق الحكومة في حماية الصناعات المحلية من الممارسات الضارة في التجارة الدولية، خاصة من ناحية وضع التشريعات المناسبة لمكافحة هذه الانواع من الممارسات غير المشروعة، كالإغراق والدعم، كما إن على الحكومة تدريب الكوادر البشرية لمراقبة النواحي التقنية لهذه التشريعات، خاصة وان الدفاع عن الحقوق التي تمنحها قواعد منظمة التجارة العالمية يبدأ في كثير من الاحيان بسن مثل هذه القوانين.

والاغراق هو لجوء شركات اجنبية الى بيع منتجاتها في الاسواق العالمية باقل من سعرها في بلد التصدير، وقد تلجا الشركات الكبرى الى الاغراق لاسباب عديدة منها التخلص من فائض الانتاج ولو باقل من سعر الكلفة بعد ان تكوم قد غطت تكاليف مشروعها، أو أنها تلجا إلى الإغراق في مرحلة اولى بهدف القضاء على المنافسين والوصول الى نوع من الاحتكار ومن ثم التحكم بالاسعار في السوق بحرية اكبر، وقد ازداد لجوء الشركات الكبرى، مؤخرا، إلى الإغراق في الأسواق الأجنبية مستفيدين من عدم خبرة الكثير من الدول النامية في هذا المجال، بالإضافة إلى عدم وجود تشريعات في الاصل لمكافحة الاغراق. وبهذا، فان الإغراق يلحق خسائر كبيرة بالصناعات المحلية ويشل قدرتها التنافسية.

كما تسعى العديد من الدول الى تقديم دعم لصناعاتها التصديرية بشكل خاص مما يؤدي الى تخفيض كلفة انتاجها في الاسواق العالمية، وبالتالي إلى زيادة قدرتها التنافسية وقدرتها على اكتساح تلك الاسواق عبر البيع باسعار اقل من اسعار المنتجات المحلية المماثلة او المشابهة، ويعتبر دعم الصادرات من الاساليب غير المشروعة في قواعد منظمة التجارة العالمية المتجسدة في اتفاقيات منظمة التجارة العالمية، إذ قد يؤدي هذا الدعم الى الحاق الضرر بالصناعات المحلية المماثلة او المشابهة لعد تمكنها من مجاراة المنتجات المدعومة، كما قد يؤدي هذا الى خلق اسعار غير حقيقية وتشوهات في ايواق العرض والطلب.

وغالبا ما يؤدي استيراد سلعة اجنبية بشكل كبير الى التاثير على اسواق العرض والطلب وانخفاض الأسعار، مما قد يؤدي الى الاضرار بصناعة محلية مشابهة ومماثلة، وقد يحصل الاستيراد المطرد لسلعة اجنبية معينة، وبالتالي إلحاق الضرر أو التهديد بحصول ذلك، من دون ان يكون سبب ذلك ممارسات غير مشروعة او منافية للمنافسة مثل الاغراق او الدعم المحظور، وتلجا معظم الدول المتقدمة الى سن قوانين خاصة بالاجراءات الوقائية حماية لصناعاتها المحلية المتضررة او التي قد تتضرر من جراء الاستيراد المتزايد لسلعة اجنبية معينة، مع الأخذ بنظر الاعتبار ان اتخاذ مثل هذه التدابير مشروع وفق قواعد منظمة التجارة العالمية الخاصة بالتدابير الوقائية والتي جاءت لتكمل ما ورد في المادة 19 من اتفاقية الغات 1994، ويكون الإجراء الوقائي مؤقتا بطبيعته وياخذ أحد شكلين: أما زيادة للرسوم الكمركية عما هو محدد في جدول التزام الدولة المعنية، أو فرض قيود كمية على المنتجات التي تشكل مصدرا للضرر، وعليه، لابد للعراق عند الانضمام الى منظمة التجارة العالمية ان يضع التشريعات الخاصة بمكافحة الاغراق ومكافحة الدعم والوقاية الطارئة.

5. تجارة الدولة:

تشكل شركات التجارة العامة إستثناءً لقواعد السوق التي تتبناها منظمة التجارة العالمية، وتعرف المادة 17 من اتفاقية الغات تجارة الدولة على انها التجارة التي تقوم بها المؤسسات التي تملكها الدولة او التي منحتها الدولة امتيازات خاصة او أمتيازات حصرية، وغالبا ما يكون الهدف من وراء مؤسسات الدولة تقديم دعم لاسعار المنتجات الزراعية او تامين الامن الغذائي او حتى حماية بعض الصناعات المحلية ذات الاهمية الستراتيجية من المنافسة الاجنبية. ويتم ذلك عبر فرض قيود كمية على السلع الاجنبية المماثلة او تحديد اسعار إعادة بيع الواردات عند مستويات مرتفعة بحيث تفقد السلع الاجنبية ميزتها النسبية في السوق المحلية المعنية.

وبالرغم من ان منظمة التجارة العالمية لا تحظر وجود مثل هذه المؤسسات، إلا إنها تسعى الى ضبط ممارساتها بشكل يتماشى مع الاعتبارات التجارية وبطريقة خالية من التمييز وبشفافية ومن دون قيود كمية على التجارة، وقد يكون الحل في خصخصة هذه المؤسسات، لان الاعتبارات التي اوجدت من اجلها اصبحت غير صالحة حاليا، فالإبقاء على مؤسسات حكومية تحتكر الاستيراد والتصدير بشكل غير مجد اقتصاديا لاعتبارات خاصة بالامن الغذائي اصبح امر مثير للجدل.

ثانيا: السياسات التجارية غير المشروعة

 

1.       نظام الحصص والقيود الكمية:

تقر قواعد منظمة التجارة العالمية بمشروعية التعرفات الكمركية وان ارتفعت في بعض الاحيان في تنظيم تجارة الدولة على عكس اللجوء الى فرض قيود كمية، إن القيود الكمية، حسب قواعد منظمة التجارة العالمية، أكثر ضررا من التعرفات الكمركية من الناحية الاقتصادية والسياسية بالاضافة الى الناحية القانونية المتمثلة باحكام منظمة التجارة العالمية، ويطبق مبدأ حضر القيود الكمية وفقا للمادة 11 من الغات 1994 على الاستيراد والتصدير على حد سواء، إلا إن هناك بعض الاستثناءات، حيث يجوز فرض قيود على الاستيراد في حالات معينة مثل تصحيح عجز ميزان المدفوعات، كما يجوز فرض قيود على التصدير وفقا للمادة 11 فقرة 2(ب) من الغات1994 إذ اقتضت الضرورة وذلك من اجل توفير سلعة ما على مدى فترة زمنية طويلة.

إذا فالمبدأ هو بعد جواز الحصص الكمية، وقد جرى تطبيق هذا المبدا على السلع الزراعية والملبوسات بعد ان كانت مستثناة من قواعد اللغات، ففي الزراعة تم تحويل التدابير الكمية والحصص الى رسوم كمركية أو ما يعرف بالاخضاع للتعرفة او الكمركة([7])، ومن شأن هذه التدابير توفير حماية للمنتجات الزراعية تكون مماثلة للحماية التي كانت سارية قبل ابرام الاتفاق، ويصار بعد عملية الكمركة الى خفض تدريجي في نسب التعرفات الكمركية، ولابد من الاشارة الى وجود نسب للتعرفات الكمركية عالية جدا نتيجة الكمركة لا سيما في دول الاتحاد الأوربي، حيث كانت نسب الحماية مرتفعة جدا تصل الى اكثر من 200% على بعض السلع بسبب السياسة الزراعية المشتركة لديهم.

ومن المفترض انه مع بداية عام 2005 يكون قد اسدل الستار على نظام الحصص والقيود الكمية، حيث يتم تطبيق المرحلة الاخيرة من الجدول الخاص بازالة الحصص في اتفاق المنسوجات والملابس.

2.       دعم الصادرات:

بالرغم من وجود قواعد تضبط الدعم الحمومي للصادرات من السلع الصناعية في الغات 1947، إلا إن تلك القواعد لم تحظر بشكل حاسم في حينه استعمال هذا النوع من الدعم، وفي جولة الارغواي وضعت الاتفاقية الخاصة بالدعم والتدابير المضادة للدعم أو ما يسمى بالرسوم التعويضية، وبحسب هذه الاتفاقية يعرف الدعم المحظور "الدعم الذي يعتمد على دعم الصادرات او الذي يشترط استخدام سلع محلية بدلا من السلع الاجنبية"، وقد منحت الدول النامية 8 سنوات لازالة هذا النوع من الدعم، وقد أعفيت الدول الاقل نموا التي لا يتجاوز معدل الدخل الفردي فيها 1000 $ في السنة.

أما السلع الزراعية، فتخضع إلى نظام خاص. حيث تحتوي اتفاقية الزراعة على احكان تتعلق بتامين حد ادنى من امكانية الوصول الى السوق. كما تحتوي على احكام حول تخفيض الدعم المحلي، ونقطة الانطلاق في هذا الاطار هي ما يسمى "اجمالي مقياس الدعم الكلي".حيث تم احتساب اجمالي مقياس الدعم الكلي للفترة الممتدة من 1988-1968 ومن ثم صار الى تخفيض الدعم الى نسبة 20% على فترة عشر سنوات للدول المتقدمة، وبنسبة 13% للدول النامية في نفس الفترة، كما تتطلب اتفاقية الزراعة تخفيض الدعم للصادرات الزراعية بنسبة 36% وتخفيض كمية الصادرات التي تتلقى الدعم بنسبة 21% على مدى 6 سنوات للدول المتقدمة. أما الدول النامية فعليهل تخفيض الدعم للصادرات الزراعية بنسبة 24% وتخفيض كمية الصادرات التي تتلقى الدعم بنسبة 14% على مدى عشر سنوات، وهذا ينتهي في 13/ 12/ 2004 .

 

 

3. التدابير التجارية المتصلة بالاستثمار:

لا يخضع استثمار الاجنبي المباشر لقواعد منظمة التجارة العالمية، ما عدا فسي قطاع الخدمات، حيث يسمى الطريقة الثالثة للتوريد حسب اتفاقية GATS وعليه فبامكان الحكومة اتخاذ التدابير التي تراها مناسبة لتشجيع الاستثمار الاجنبي وان كان ذلك بشكل تفصيلي وتمييزي. ومن هذه التدابير تأمين الاسس السليمة والشفافة من اجل تشجيع الاستثمار الاجنبي الذي يعتمد كثيرا على الثبات في المعاملة، ويتم ذلك عبر ايجاد قواعد شفافة وغير تمييزية تحميهم من عدم التوازن في المعاملة مع ضمان كافة حقوقهم في المشروع.

بالرغم من إن الاستثمار الأجنبي غير خاضع لقواعد منظمة التجارة العالمية، فان بعض التدابير المتصلة بالاستثمار فيما يخص السلع قد خضعت في جولة الارغواي الى بعض الضوابط، وبالتحديد فان اتفاقية تدابير الاستثمار المتصلة بالتجارة في منظمة التجارة العالمية ركزت على عدم جواز منح معاملة تفضيلية للمنتجات المحلية على حساب المنتجات المستوردة، وهنا فان شرط المحتوى المحلي لا ينسجم مع احكام الاتفاقية.

ويمكن تقسيم تدابير الاستثمار المتصلة بالتجارة الى قسمين: الاول يتعلق بالمعاملة الوطنية والثاني يتعلق بالقيود الكمية. والتدابير المخالفة للمعاملة الوطنية هي على سبيل المثال تلك التي تفرض على منشاة ما شراء او استخدام منتجات محلية المنشا بنسبة معينة للحصول على منفعة ما، وهذه إحدى أوجه المحتوى المحلي وهو تدبير تلجا اليه العديد من الدول النامية، أما التدابير المخالفة للقيود الكمية فهي التي تفرض على منشاة ما ان يكون استيراد منتجات اجنبية متصل بحجم او قيمة انتاج محلي قامت هي بإنتاجه، وهذا أيضا يدخل في قائمة المحتوى المحلي.

وتشمل الاتفاقية على معاملة خاصة بالدول النامية اذ انها تسمح لهذه الدول ان تبقي على التدابير المخالفة للاتفاقية خمس سنوات من تاريخ الانضمام الى منظمة التجارة العالمية، شرط أن تكون هذه الدول قد اخطرت المنظمة بهذه التدابير خلال التسعين يوما الاولى من تاريخ الانضمام، وقد منحت الدول الاقل نموا سبع سنوات لإزالة هذه التدابير، أما سائر الدول الاخرى فقد منحت سنتين لتفيذ ذلك.

ثالثا: السياسات التجارية المتقدمة

بالرغم من أهمية العديد من السياسات الحمائية للدول النامية خاصة لدعم صناعتها الناشئة، إلا أنها لا تغني عن نوع اخر من السياسات يرتكز على مبادئ الانفتاح الاقتصادي ويتوجه الى الاسواق العالمية، ومن هذه السياسات انشاء اسواق التجارة الحرة وتخفيف الاجراءات البيروقراطية وتحسين نوعية وجودة الانتاج المحلي واعتماد قوانين مرنة لتشجيع وتعزيز الاستثمار الاجابي المباشر.

1.       تسهيل التجارة :

تتزايد أهمية مفهوم تسهيل التجارة في المحافل الدولية وخاصة في منظمة التجارة العالمية حيث اشار إعلان المؤتمر الوزاري الاول للمنظمة الذي عقد في سنغافورة في 1996 الى القيام باعمال تحضيرية حول هذا الموضوع، وتشمل عبارة تسهيل التجارة بمفهومها الواسع مسائل عديدة ومتنوعة، مثل: اعتماد الشفافية في المعاملات ونشر القوانين والانظمة المرعية، وتسهيل الإجراءات البيروقراطية وتبسيطها، واعتماد المكننة قدر الامكان في الادارات الخاصة، وتوحيد نظم الاستيراد والتصدير، وتخفيف أعباء وتكاليف المبادلات التجارية وتسريعها، وتعزيز الفعالية التجارية.

ولا شك بان تطبيق العديد من اتفاقيات جولة ارغواي يشكل بحد ذاته مساهمة في تطبيق مفهوم تسهيل التجارة، مثلا إن تطبيق القواعد الكمركية يشكل تخفيفا لاعباء التجارة واسراعا في تخليص البضائع، فضلا عن تطبيق القواعد التي من شانها ان يتم الاسراع في عملية الاستيراد وتسهيل الاجراءت البيروقراطية وحل المشاكل التي تنشا بين المصدرين وسلطات الكمارك...الخ.

2.       التكتلات الاقتصادية :

في الوقت الذي لا تتجاوز نسبة التجارة العربية البينية 9% من مجمل مبادلاتهم التجارية، تتزايد وتيرة التكتلات الاقتصادية في العالم بحيث يوجد حاليا ما يقارب من 200 ترتيب إقليمي، وبالرغم من عدم توصل الدول الاطراف اثناء مفاوضات الغات الى نتيجة مهمة حول مدى انسجام الترتيبات الاقليمية التي ابلغت الى امانة الغات، إلا إن جدواها الاقتصادي لم يعد محل جدل، فاستثناء على مبدا الدولة الاولى بالرعاية، يجوز لدولة ما، في إطار إنشاء سوق حرة أو اتحاد كمركي أو اتفاق يؤدي الى احدى هاتين الحالتين، أن تمنح دولا اخرى معاملة تمييزية وتفضيلية.

ولا بد من الاشارة الى ان الاستثناء من مبدا الدولة الاولى بالرعاية من اجل انشاء اتحاد كمركي هو الأصل، ومن ثم تطور الامر ليشمل انشاء سوق حرة دون الضرورة تحقيق اتحاد كمركي. وقد اعترفت الدول باهمية ذلك خاصة ان في ذلك تسهيل لعملية انشاء تكتلات اقتصادية بين الدول النامية، ذلك إن إلزام الدول النامية بتوحيد السياسة التجارية الخارجية عبر انشاء اتحاد كمركي فيما بينها من شانه ان تعقيد حصولهم على هذا الاستثناء، ومن الشروط الواجب توفرها قبل مطابقة هذه التكتلات الاقتصادية لمتطلبات منظمة التجارة العالمية، أن يشمل التحرير معظم التجارة بين دول التكتل الاقتصادي بحيث لا يؤدي ذلك الى زيادة الحواجز مع الدول الاخرى عما كانت عليه قبل قيام التكتل، أو رفع قيم التعرفات الكمركية.

بالرغم من إن معظم التكتلات الاقتصادية تختص بتبادل السلع، إلا إن أهمية تجارة الخدمات في التجارة الدولية وايجاد قواعد محددة في الغاتس بشأنها، دعا الكثير من الدول الى ادراج الخدمات في ترتيباتهم الاقتصادية.

3.       اعتماد المعايير الدولية في الإنتاج :

تعاني بعض صادرات الدول النامية في الدول الاجنبية من عدم التزامها بالمعايير الدولية من ناحية الجودة او النظافة، مما يعطي سلطات تلك الدول حججا مشروعة لمنع استيراد تلك المنتجات، لهذا فمن الضروري وضعبرنامج شامل لمساعدة الصناعات المحلية على تحسين ادائها وبالتالي تحسين فرص تصديرها الى الاسواق العالمية. ومن هنا تاتي اهمية اعتماد برامج للتوعية في هذه المجالات من قبل الحكومات والهيئات الصحية والتقنية وغرف التجارة والصناعة في هذه الدول، ولا بد من الاشارة الاستقاد القصوى من الاخطارات التي تقدمها الدول الاعضاء في المنظمة بشكل دوري فيما يتعلق بتطبيق اتفاقية الحواجز التقنية للتجارة والتدابير الصحية والصحة النباتية. حيث يلتزم الأعضاء، بموجب هاتين الاتفاقيتين، بالإفصاح دوريا عن فحوى اللوائح والمعايير التقنية والفنية والاسس المبنية عليها في مجال الاتفاقيتين. فمن الضروري التاكد من تعميم هذه الاخطارات على قطاعات الانتاج المعنية في الدولة، مع تبويب هذه الاخطارات وتوثيقها واتاحتها بشكل مستمر لذوي المصلحة.

4.       التوعية وإشراك القطاع الخاص في صنع القرات الخاصة بشؤون منظمة التجارة العالمية.

إن للتوعية حول ماهية ووظائف منظمة التجارة العالمية دور مهم في تشجيع المؤسسات والصناعات المحلية في الاستفادة القصوى من الفرص المتاحة لها، فقواعد التجارة الدولية وضعت في الاساس لخدمة القطاع الخاص، وان لم يشارك هذا القطاع بشكل مباشر بوضع قواعد اللعبة، ولا شك ان عملية التوعية تبدا بازالة المغالطات الشائعة التي تحوم حول منظمة التجارة العالمية، ويجب أن يتم ذلك على اكثر من صعيد بدءا بالقطاع الخاص وانتهاءا بالقطاع العام.

5.       التنسيق بين سائر قطاعات الدولة في مسائل منظمة التجارة العالمية:

تتنوع المواضيع التي تقع تحت مظلة منظمة التجارة العالمية وتؤدي الى تشابك الصلاحيات بين سائر الهيئات والقطاعات في الدولة، ويشكل ذلك تحديا اداريا ومؤسساتيا يؤثر على اداء الاقتصاد الوطني سلبا او ايجابا بالاعتماد على نجاح التنسيق ومداه بين سائر القطاعات، وعلى قدر تعلق الامر بالعراق فقد تم تشكيل لجان وطنية تعنى بهذه المسالة، حيث تضم هذه اللجان في عضويتها رؤساء الادرات  في القطاعات العامة للدولة بالاضافة الى بعض المؤسسات العامة واتحاد الصناعات العراقي، فضلا عن ذلك فقد قامت اللجنة الوطنية لمنظمة التجارة العالمية، فضلاً عن دورها في تفعيل وتهيئة الظروف للانضمام الكامل الى منظمة التجارة العالمية، بتشكيل لجان فرعية متخصصة تشمل ممثلين عن سائر القطاعات الاقتصادية.

  

الخاتمة

ليس هناك نقص في الخيارات المتاحة امام العراق في رسم سياسته التجارية في ظل قواعد منظمة التجارة العالمية، بل إن التحدي يكمن في كثرة السياسات المطلوبة والضرورية لتحقيق الاندماج السليم في الاقتصاد الولي والتنمية الشاملة والمستدامة.

فعضوية العراق في منظمة التجارة العالمية يتيح لمنتجاته الحصول على معاملة الدولة الاولى بالرعاية مما يعني اسواقا وفرصا جديدة سوف تفتح امام منتجاته، لهذا فأن السياسة التجارية عليها ان تتمحور حول تعظيم الفوائد من العضوية واتاحتها للقطاع الخاص بالدرجة الأولى، لأنه المستفيد الأول والحقيقي من الانضمام الى منظمة التجارة العالمية، ومن المسائل الحيوية، بالنسبة للقطاع العام والقطاع الخاص، إنشاء مراكز للمعلومات التجارية عن الاسواق الدولية وفرص التصدير وتقديم الاستشارات الخاصة الى التجار بهذه الخصوص، كما يمكن الاستفادة من الملحقيات التجارية في الخارج للكشف عن متطلبات الاسواق وفرص التصدير اليها وكيفية الاستفادة منها في تعظيم المنافع التجارية خصوصا والاقتصادية عموما.

ولا بد من الاشارة الى اهمية المفاوضات المستقبلية والتحضير لها بشكل علمي ودقيق للوقوف على ايجابيات وسلبيات المواضيع الجديدة المطروحة على جدول اعمال هذه المفاوضات، وبلورة الموقف التجاري (الاقتصادي) الواضح إزاءها، مع التأكيد على أهمية توحيد وجهات النظر مع الدول العربية الاعضاء في منظمة التجارة العالمية بما يخص المواضيع المطروحة على جدول اعمال المفاوضات الحالية والمستقبلية.

 

 

 

الهوامـــــــش

 

     1.       سالم توفيق النجفي، "مستقبل التنمية"، مجلة المستقبل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، العدد 305، تموز (يوليو)2004، ص86-87.

2.       اعتمد في تناول هذا المحور من المصدر :

د. عباس النصراوي، "الاقتصاد العراقي...النفط...التنمية. الحروب... التدمير... الآفاق  1950 - 2010 "، ترجمة محمد سعيد عبد العزيز، دار الكنوز الأدبية، ط1، بيروت، 1995، ص67 وما بعدها.

3.       سالم توفيق النجفي، المصدر نفسه، ص92.

4.       د. عباس النصراوي، المصدر نفسه، ص 134.

5.       المصدر نفسه، ص145.

6.       د. عباس النصراوي، المصدر نفسه، ص 195.

7.       سالم توفيق النجفي، المصدر نفسه،ص 90.

8.       نقلاً عن : سعد الله الفتحي في معرض تعقيبه على بحث ل : عبد الامير الانباري، "التعويضات "، مجلة المستقبل العربي، المصدر نفسه، ص 136.

9.       الأرقام الواردة اقتبست من المصدر: د. عباس النصراوي، المصدر نفسه، ص 156 -157، ص160.

10.   المصدر نفسه، ص158.

11.   المؤتمر القومي العربي التاسع، "حال الأمة العربية/ الوثائق– القرارات– البيانات"، ط1، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت،1999، ص400 – 401.

12.   المؤتمر القومي العربي التاسع، المصدر نفسه، ص400-401.

13.   د. سالم توفيق النجفي، " التنمية البشرية في الوطن العربي... الأوضاع الراهنة ومأزق المستقبل (مقاربات نظرية) " بحث مقدم إلى ندوة دراسات في التنمية البشرية المستدامة في الوطن العربي“ المنعقدة في بيت الحكمة وبالتعاون مع البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة في الفترة 11- 14 / شباط / 2000، جدول 1، ص 315.

14.   رمزي سلمان، " السياسة النفطية " مجلة المستقبل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، العدد 305، تموز 2004، ص 102 – 103.

15.   للمزيد من التفاصيل ينظر : د. مهدي الحافظ، " ورقة العراق الى ملتقى العراق الاقتصادي " المنعقد في بيروت للفترة 17 - 19 / آذار /2004.

16.   د. عباس النصراوي، المصدر نفسه، ص 201 وما بعدها.

17.   سالم توفيق النجفي، المصدر نفسه، ص 93 – 96.

 

 

                                        

 

 

 

 

| © جميع الحقوق محفوظة لمركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية1427هـ/ 2006م