قطاع الخدمات في العراق

 

الواقــــع والآفـــــاق

 

د. عياد محمد علي باش 

 مدرس / كلية الإدارة والاقتصاد/ جامعة بابل.

 

 أحدثت الحرب الأخيرة على العراق تشوهات وتداعيات في الاقتصاد العراقي لم يشهدها اقتصاد ما في الزمن المعاصر، بغية الوصول إلى  مشهد مستقبلي لهذا الاقتصاد وتحديد نماذج تنميته المستقبلية، فان الأمر يقتضي البحث والدراسة لمرجعيته خلال العقود الماضية، و ما آلت إليه موارده الحاضرة، والقيود والمحددات التي تحيط به والممكنات التي سيعمل في إطارها مستقبلا(1)  .

ومن اجل تسليط الضوء على واقع الاقتصاد العراقي وآفاقه المستقبلية وخاصة في قطاع الخدمات، وتسهيلا لذلك فقد تم تجزئة هذا التناول إلى  محاور عدة وعلى النحو الآتي :

 

أولا: واقع قطاع الخدمات خلال العقود الثلاثة الماضية(2):

 

بدءاً، فان واقع أي قطاع اقتصادي معين هو انعكاس لواقع البلد الاقتصادي، وهذا الأخير هو انعكاس لما يتعرض إليه من مؤثرات داخلية وخارجية، وهذا هو حال أي اقتصاد ومنها الاقتصاد العراقي. إن معظم الإخفاقات التي واجهها الاقتصاد العراقي خلال العقود الثلاثة الماضية يعود جزء منها إلى فشل برامج التنمية الاقتصادية عن تحقيق المعدلات المستهدفة من النمو وتنوع الهيكل التصديري خلال عقدي السبعينات والثمانينات بسبب جنوح التوزيع النسبي للإنفاق على الناتج المحلي الإجمالي نحو متطلبات الحرب في عقد الثمانينات، أما الجزء الآخر من هذه الإخفاقات فتعود إلى أوضاع الحصار الاقتصادي خلال عقد التسعينات(3).

لقد سعت الخطط الاقتصادية الخمسية خلال عقد السبعينات إلى  تحقيق أهداف اقتصادية واجتماعية ومن بينها تحسين مستوى الخدمات الاجتماعية كالصحة والتعليم والعمل على زيادتها من حيث الكم والنوع، فضلا عن تحسين مستوى المعيشة والرفاه الاجتماعي لأفراد المجتمع العراقي.

ففي الوقت الذي كان معدل النمو السنوي الفعلي لقطاع الخدمات في الخطة الخمسية (1965- 1969) قد بلغ (6.4%) ارتفع إلى  (7.6 %) في الخطة الخمسية (1970 – 1974) وقد رافق ذلك ارتفاع في نسبة ما مخصص لهذا القطاع مع المباني من إجمالي التخصيصات خلال الخطة خلال الخطة الخمسية الأخيرة من (12.5%) إلى   (14.6%)، بعدما ازدادت المبالغ المخصصة له من (67) مليون دينار إلى  (283) مليون دينار، إلا إن ما انفق منها فعلا هو (171.3) مليون دينار.

أي بمعنى إن نسبة الفعلي إلى  المخصص كانت (60.5%). أما في البرنامج الاستثماري الانتقالي لعام 1975، فقد استحوذ قطاع الخدمات والمباني على نسبة (17.5%) من إجمالي تخصيصات هذا البرنامج البالغة (1.1) بليون دينار (أي إن المبلغ المخصص هو (192.5) مليون دينار)، وقد جاءت خطة التنمية القومية للأعوام 1976 – 1980 كخاتمة لعقد السبعينات، إذ بلغت نسبة ما مخصص لقطاع الخدمات والمباني سنويا خلالها (15.6%) من إجمالي التخصيصات البالغة (15735) مليون دينار، أي بواقع (2458) مليون دينار سنويا. وإذا كان الختام مسكا، كما يقال، والتي تعبر عنه بعض المؤشرات الاقتصادية التي سجلت خلال المدة (1975- 1980) وبالأسعار الحقيقية لعام 1975، والتي تمثل معدلات النمو لها وإلى  النحو الآتي :

11% للناتج المحلي الإجمالي، و6.5% للصناعة الإستخراجية، و14.2% للصناعة التحويلية، و2.6% للزراعة، و20.3 % للنقل والمواصلات، 13.5% للخدمات الحكومية.

إن النتيجة التي يمكن التوصل إليها، هو اتجاه المبالغ المخصصة للقطاع الخدمي نحو التزايد خلال عقد السبعينات بفضل ما شهده من أحداث هامة تتمثل في تأميم النفط وزيادة أسعاره والتي كانت لها انعكاساتها على الإيرادات النفطية وزيادتها من (0.800) بليون دولار إلى (26.4) بليون دولار بين أول هذا العقد و آخره. أي بمعنى إنها ازدادت بمقدار (32) مرة، وكان من حصاد عقد السبعينات الذهبي، أن ارتفع مستوى الرفاه الاجتماعي معبراً عنه بمؤشر نصيب الفرد من GDF وبرغم الضبابية التي تكتنفه حيث وصل إلى (4083) دولار في عام 1980 بعدما كان (1745) دولار في عام 1970 وقد يبدو هذا الحصاد وفيراً إلى حد ما بالقياس إلى عقد الثمانينات وما تلاه، فان حصاده كان هشيماً بفعل ما شهده من أحداث دراماتيكية (حروب مدمرة وحصار اقتصادي جائر) كان لها وقعها المؤثر على العراق اقتصادياً وشعبياً، أحرقت أخضره ويابسه ودمرت حرثه ونسله، وكانت النتيجة المنطقية لذلك هو التراجع الذي حصل في هذا النصيب ليصل إلى (868) دولار في عام 1990 ثم إلى (627) دولار عام 1991.

لقد شهد عقد الثمانينات حرباً ضروساً مع إيران استمرت ثمانية أعوام، ومن الطبيعي أن يرافق ذلك تزايد في الإنفاق العسكري لدعم متطلبات الحرب وما تحتاجه من العدة (الاستيرادات العسكرية) والعدد (أفراد الجيش)، وهذا بدوره قد ولد ضغوطاً متزايدة على الموارد الاقتصادية المتاحة في البلد واستنزافها لخدمة هذا الغرض. فالإنفاق العسكري قد التهم أكثر من نصف GDF خلال النصف الأول من أعوام الحرب، إذ بلغت نسبته إليه 66% و57.4% و59.5% و 54.4% في الأعوام من 1981- 1984 على التوالي، كما إن نسبة الاستيرادات العسكرية إلى إجمالي الاستيرادات قد ارتفعت خلال عامها الأول إلى (20.5%) بعدم0ا كانت (17.4%) في عام 1980 وبعدها انخفضت هذه النسبة لتستقر عند الرقم (45%) في العام الأخير للحرب. أما نسبة القوات المسلحة إلى القوى العاملة فقد ارتفعت من (13.4% _ 21.3%) بين عامي 1980 و1988.

وفي المقابل، فان النتيجة الحتمية لإعادة هيكلة التخصيص للموارد الاقتصادية في ظل اقتصاد الحرب، هي، ما قد يعتري جوانب الحياة الاقتصادية والاجتماعية الأخرى من قصور واضح لم يسلم منه القطاع الخدمي في العراق، وفضلاً عن هذا القيد، فان الاقتصاد العراقي تحكمه قيود أخرى لا تقل أهمية عن سابقها، وهي الخسائر الاقتصادية للحرب العراقية – الإيرانية، وكذلك ديون العراق الخارجية وغيرها.

لقد أشارت إحدى الدراسات المهمة إلى الخسائر الاقتصادية للعراق لوحده والتي بلغت (452.6) بليون دولار موزعة على النحو الآتي (4):

1.       الخسائر المحتملة للناتج المحلي الإجمالي والبالغة (91.4) بليون دولار والتي شملت الخسائر الناجمة في القطاعات البترول، الصناعة، الطاقة، المواصلات، الإسكان والصحة.

2.       خسائر الإيرادات النفطية البالغة (197.7) بليون دولار.

3.       خسائر العملات الأجنبية (78.8) بليون دولار كنتيجة لإنفاق مبلغ الأساسي البالغ (35) بليون دولار إضافة إلى عوائد الفوائد المتراكمة لهذه الأصول خلال فترة الحرب.

4.       خسائر الاحتياطيات الأجنبية المحتملة  والبالغة (80) بليون دولار الناتجة عن تزايد الإنفاق العسكري، فضلاً عن خسائر أخرى بلغت (4.7) بليون دولار.

أما الديون الخارجية للعراق، فقد بلغت (86) بليون دولار موزعة على النحو الآتي(5):

(40) بليون دولار القروض الممنوحة من قبل البلدان الخليجية    وبخاصة السعودية والكويت وقد اعتبرتها الحكومة العراقية كمساعدات.

(35) بليون دولار القروض الممنوحة من حكومات ومؤسسات وبنوك غريبة.

(11) بليون دولار القروض الممنوحة من قبل الاتحاد السوفيتي وبلدان أوربا الشرقية.

 وعندما نضيف إلى هذا الرقم مبلغ خدمة الدين الخارجي البالغ قرابة (8) بليون دولار عام 1990، وهذا المبلغ قد شكل ما نسبته (55%) من الإيرادات النفطية المحققة عام 1989، والى جانب القيود الثلاثة المكبلة للاقتصاد العراقي، هناك قيود أضافية تعد بمثابة نتائج لما تترتب عن حرب الخليج الأولى وهي(6) :

1.       قيمة الأصول المدمرة أو المخربة والتي قدرت بما يعادل (67) بليون دولار.

2.       التعويضات الواجب على العراق دفعها لإيران والتي قدرت بما يعادل (97) بليون دولار.

إن جميع هذه القيود قد أحكمت الطوق على الاقتصاد العراقي وموارده خلال عقد الثمانينات، وكمخرج من هذا المأزق، فقد أعلن المسؤولون العراقيون صراحة قبل حرب الخليج الثانية بـ (إن المناخ الاقتصادي للعراق يتطلب حلولاً جذرية أصبحت خارج ممكنات الاقتصاد العراقي في المدى القصير)(7).

وفي عقد التسعينات، فإن حصاده لم يكن أفضل حالاً من سابقه بفعل ما شهده من أحداث هامة متتالية إبتداءاً من 2 / آب / 1990 وما رافقها من تبعات واستحقاقات كتجميد الأرصدة العراقية في الخارج، ووقف الإمدادات العسكرية الواردة إليه من الاتحاد السوفيتي سابقاً مروراً بحرب الخليج الثانية وآثارها المدمرة وإنتهاءاً بفرض الحصار الاقتصادي الجائر على العراق، وهذه الأحداث كبدته خسائر مادية وبشرية جسيمة.

وبالنسبة للتبعات، فإن الحرب قد خلفت بنية تحتية وأصول مدمرة قدرت كلفها الإجمالية بمبلغ يتجاوز (232) بليون دولار فضلاً عن التعويضات الواجب دفعها إلى الكويت فقط والتي قدرت بـ(100) بليون دولار، وفقاً لإحصائية أخرى عن التعويضات المرتبة على العراق بموجب قرار مجلس الأمن الدولي ذي الرقم 687 في 3/نيسان (ابريل)/1991 منذ بدء الحرب ولغاية 26/1/2004 فقد حددت بمبلغ (349) بليون دولار تقريباً (8)، أما الحصار الاقتصادي، فكان تبعاته على الاقتصاد العراقي كثيرة وجسيمة، إذ أدى إلى تراجع الإنتاج في القطاع النفطي بنسبة (86%) حينما انخفض من (3.3)مليون/ برميل قبل الثاني من آب عام 1990 إلى اقل من (0.500) مليون برميل يومياً. كما ظهرت فاعلية الحصار أيضا حينما أدى إلى خفض كل من الواردات والصادرات بنسبة (90%) و(97%) على التوالي وكنتيجة لذلك، فقد خسر العراق الإيرادات النفطية التي بلغت حسب تقديرات الحكومة العراقية بما يعادل (22) بليون دولار سنوياً(9).

وبعملية حسابية بسيطة، فإن إجمالي الخسائر لهذه الإيرادات  فقد فرض الحصار على العراق ولحين رفعه عنه قد بلغت (300) بليون دولار تقريباً ولهذا هو الغرم الكبير.

إن خسائر العراق من جراء الحرب والحصار لا تقتصر على الخسائر الاقتصادية وحسب بل يضاف إليها خسائره البشرية، وهنا يكون الغرم الأكبر. إذ بلغ إجمالي ضحايا حرب الخليج والانتفاضة مابين (94-281) ألف عراقي(10)، ناهيك عنه آثارها الأخرى الناجمة عن نقص الغذاء والدواء والتي أدت إلى ارتفاع الوفيات وبخاصة بين الشيوخ والأطفال وذلك لان الإمدادات الإنسانية التي وصلت إلى العراق لم تلب سوى (8 -10 %) فقط من احتياجاته الفعلية ومن بينها الأدوية ومن المنطقي أن يكون لذلك انعكاساته على مستوى الخدمات المقدمة لأفراد المجتمع العراقي في المجالات المختلفة كالصحة والتعليم والرعاية الاجتماعية وغيرها، وطبقاً لتصريحات رسمية عراقية في نيسان/1998، فقد ارتفع عدد الوفيات الناجمة عن الحصار إلى أكثر من مليون ونصف المليون عراقي، وبلغ عدد الوفيات بين الأطفال الرضع قرابة (93) حالة لكل مائة ألف مولود، كما بلغت وفيات الأمهات (117) حالة لكل مائة ألف حالة ولادة(11). كما أشارت مصادر دولية إلى إن عدد الوفيات بين الأطفال والتي تتراوح بين (4 – 5) آلاف شهرياً، ومن الطبيعي إن هذه الأرقام آخذة في التزايد في الأعوام اللاحقة رغم التحسن الطفيف الذي طرأ على برنامج النفط مقابل الغذاء. 

أما في مجال التعليم، فإن الإحصاءات الرسمية المعلنة تشير إلى إن أكثر من مليون طالب عراقي من طلاب مرحلتي التعليم الابتدائي والثانوي لم يسجلوا أنفسهم في العام الدراسي 1997، وان عدد الطلبة المتسربين في العام نفسه قد بلغ (200) ألف طالب، كما لم يتوافر للطلبة سوى ثلث احتياجاتهم من الدفاتر المدرسية، وان معدل الأمية يزداد بنسبة (5%) سنوياً(11).

إن من ابرز الشواهد على تدني مستوى الخدمات المقدمة خلال عقد التسعينات، هو، التراجع الذي حصل في مجال التنمية  البشريةHuman Development  في العراق حيث جاء ترتيبه العالمي (125) في عام 1997 بعدما كان ترتيبه (96) في عام 1990 بسبب انخفاض دليل التنمية البشرية (HDI) فيه من (0.598) إلى 0.586 في العامين المذكورين(12)، وقد يبدو الأمر أكثر وضوحاً عندما نستعرض مؤشراتها المتعارف عليها عالمياً كالصحة والتعليم والدخل، إذ إن أرقامها في العراق تفوق ما هي عليه في مجموعة البلدان ذات المستوى المنخفض للتنمية البشرية ولكنها تتخلف كثيراً عن ماهو موجود في مجموعة البلدان ذات المستوى المرتفع لها وكذلك في مجموعة البلدان ذات المستوى المتوسط والذي ينتمي العراق إليها. كما يظهرها الجدول رقم (1).

 

 (جدول – 1)

المؤشرات الإجمالية للتنمية البشرية المستدامة في العراق عام1997

 

المؤشرات

المجموعة والبلد

العمر المتوقع عند الولادة

المقدرة على القراءة والكتابة

(%)

نسبة الانخراط في مراحل التعليم الثلاث (%)

نصيب الفرد   GDPدولار يحسب تعادل القوة الشرائية 1997

دليل التنمية البشرية

مجموعة البلدان ذات المستوى المرتفع HHD

77.0

98.3

89.0

11647

0.904

مجموعة البلدان ذات المستوى المتوسط MHD

66.6

75.9

64.0

3227

0.662

مجموعة البلدان ذات المستوى المنخفض LHD

50.6

48.5

39.0

982

0.416

العراق

62.4

58.0

51.0

3197

0.586

نقلاً عن المصدر: د. احمد بريهي العلي،” التنمية البشرية المستدامة في الوطن العربي (مؤشرات مقارنة) بحث مقدم إلى ندوة دراسات في التنمية البشرية المستدامة في الوطن العربي“. المقامة من قبل بيت الحكمة وبالتعاون مع البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة (Undp) في الفترة من11-14/شباط /2000، جدول (1)، ص338.

 

ثانياً : واقع قطاع الخدمات خلال فترة ما قبل الحرب وبعدها

 

شهد العراق في بواكير الألفية الثانية استمراراً للحصار الاقتصادي المفروض عليه وتصعيداً للحرب القادمة تحت ذريعة أسلحة الدمار الشامل ومكافحة الإرهاب لا النفط كذريعة لها وهذا ما كان يروج له الساسة  والمسؤولون الغربيون للرأي العام محلياً وعالميا، وخير مثال على ذلك ما قاله  السفير الأمريكي في المملكة العربية السعودية (بأن النفط ورغبة الولايات المتحدة للسيطرة على مصادره يمثلان المحور الأكثر تأثيراً في توجه وتفكير الإدارة الأمريكية الحالية)(13).

وقد جاءت الحرب الأخيرة على العراق لتضيف خراباً آخرا أقوى واشد من السابق حيث د’مرت معظم بناه الإرتكازية الرئيسية ومنشأته الرسمية وغير الرسمية ماعدا وزارة النفط التي ظلت محمية من قبل قوات الاحتلال، وهذا ما يرجح ذريعة النفط كسبب رئيس للحرب عليه، أما الذي بقي منها فقد سرق أو حرق من اجل تكريس الاحتلال وتعزيزه.

وعلى خلفية ذلك وغيره، فان الأوضاع الحقيقية التي يعيشها الاقتصاد العراقي من طاقات إنتاجية عاطلة بنسبة تتجاوز (90%)، وتضخم جامح وصل إلى أربعة أرقام أو أكثر، وارتفاع معدلات البطالة والتي قدرت بأكثر من 50% قد تلقي بظلالها على مستويات المعيشة في العراق وتراجعها عن مستوياتها السابقة فضلاً عن تدني مستوى الخدمات المقدمة في مختلف المجالات كالخدمات الصحية والتعليمية وغيرها(14).

وفي العام الأول للاحتلال تم تخصيص أكثر من (80) بليون دولار لإعادة الإعمار لما خربته الحرب وان الجزء الأكبر منه قد خصص إلى إعادة تأهيل المؤسسات ذات الطابع الخدمي بالدرجة الأساس في مجال الخدمات الأمنية والبلدية والصحية والتعليمية وخدمات الماء  والكهرباء إلى حد ما، وان عدم توفر البيانات عن تلك الخدمات يعيق التعرف عن مستوى تلك الخدمات كماً ونوعاً لتبيان إن كانت قد تحسنت أم تدهورت.

 

ثالثاً : المشهد المستقبلي للاقتصاد العراقي وللقطاع الخدمي

 

إن الآفاق المستقبلية لانتعاش الاقتصاد العراقي تحكمه عدة قيود ذات مؤثرات خارجية وهي(15) :

1.       الإيرادات النفطية والتي تتوقف على طاقة العراق التصديرية من النفط والتي تتعرض باستمرار لأعمال تخريبية، وكذلك على أسعاره في السوق الدولية.

2.       ديون العراق الخارجية.

3.       تعويضات الحروب المتكررة والعقوبات الدولية.

4.       والى جانب هذه القيود، فان الباحث يضيف قيداً آخر ذا مؤثر خارجي أيضا، ألا وهو، الاحتلال وما يرافقه من فرض لسياسات الهيمنة والتبعية على مقدرات العراق الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

لذا فإن (المشهد الاقتصادي العراقي في العقود القادمة سيكون أكثر اتساقاً مع مشهد الاقتصاد العالمي الذي يعيش أجواء الليبرالية والانفتاح الاقتصادي، كما انه سيكون محكوماً بإطار ومحددات الاحتلال الأجنبي للنشاطات الاقتصادية للعراق، فان نسق تكوينات الاقتصاد العراقي وآلياته ستكون محكومة بذات الاتجاه بقدر أو بآخر)(16) .

وتشير الاتجاهات الرئيسية في الأفق للاقتصاد العراقي إلى أن السياسات الاقتصادية لبلدان الاحتلال ستكون لها انعكاساتها الضارة على هذا الاقتصاد، إذ إنها ستؤدي إلى سيادة مشاكل عديدة في المديين القصير والمتوسط وأهمها ارتفاع معدلات البطالة وتعميق التشوهات في توزيع الدخل لصالح الفئات المستفيدة من اقتصاد الحصار والحرب في الماضي، وإشاعة النمط الرأسمالي للتنمية فيه مستقبلاً وتفعيل دورا لاستثمار الأجنبي بصوره المختلفة في تحقيقها(17)، وبعد أن يتم توفير المناخ الاستثماري المناسب له.

أما آفاق التحول نحو اقتصاد السوق قد يرافقه تمركز لرأس المال لصالح الإنتاج الواسع للمشاريع الاقتصادية الكبرى وعلى حساب تصفية المشاريع الإنتاجية الصغيرة والمتوسطة الحجم وذلك بالاستفادة من وفورات الحجم الداخلية والخارجية. وهذا التحول قد يقود إلى فرض أنماط سوقية لا تتفق والرفاه الاقتصادي لأفراد المجتمع سواء من خلال التركيبة السلعية التي يتحكم في بنائها الطلب الفعال أو من خلال نمط توزيع الفائض الاقتصادي بين العمل ورأس المال، وهكذا قد تؤثر آليات السوق سلبا ًفي النشاطات الاقتصادية المرتبطة باحتياجات فئات المجتمع ذات الدخل المحدود (الحاجات الأساسية).

  

 الاستنتاجات

 

إن من ابرز الاستنتاجات التي تم التوصل إليها هي:

                      1.  إن معظم الإخفاقات والاختناقات التي واجهها الاقتصاد العراقي خلال العقود الثلاث الماضية من القرن العشرين تعود في جزء منها إلى فشل برامج التنمية الاقتصادية عن تحقيق معدلات النمو المستهدفة خلال عقدي السبعينات والثمانينات بسبب غياب التخطيط الاقتصادي السليم والإدارة العقلانية للاقتصاد الوطني في عقد السبعينات، فضلاً عن اتجاه الإنفاق على الناتج المحلي الإجمالي نحو تلبية متطلبات الحرب في عقد الثمانينات، أما الجزء الآخر من هذه الإخفاقات فتعود إلى أوضاع الحصار الاقتصادي، وكل ذلك قد انعكس على تدني مستوى الخدمات العامة كما ونوعاً وبخاصة في مجالي الصحة والتعليم وغيرها.

                2.  هنالك قيود عدة أحكمت الطوق على الاقتصاد العراقي من حروب مدمرة وما رافقها من خسائر اقتصادية وبشرية،وديون خارجية ثقيلة وتعويضات باهظة، وكان لهذه القيود وقعها المؤثر على القطاع الخدمي بدليل التراجع الذي حصل في مجال التنمية البشرية في العراق حينما جاء ترتيبه(125) في عام 1997 بعدما كان (96) في عام 1990 بسبب انخفاض دليل التنمية البشرية (HDI) فيه من (0،589) إلى (0،586) في العامين المذكورين.

                3.  إن المشهد المستقبلي للاقتصاد العراقي وللقطاع الخدمي تحكمه عوامل خارجية أهمها الإيرادات النفطية والتي تتوقف على طاقة العراقي التصديرية من النفط وما تعرض له من أعمال تخريبية باستمرار، وكذلك على أسعار النفط في الأسواق الدولية، فضلا عن ذلك،فان الاحتلال قد أضاف قيداً آخر على الاقتصاد العراقي وما قد يرافقه من فرض لسياسات الهيمنة والتبعية على مقدرات العراق الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، لذا فان المشهد المستقبلي للاقتصاد العراقي في العقود القادمة سيكون أكثر اتساقاً مع مشهد الاقتصاد العالمي الذي يعيش أجواء العولمة واللبرالية والانفتاح الاقتصادي والخصخصة.

                4.  إن آفاق التحول نحو اقتصاد السوق قد يرافقه اتساع في دور الاستثمار الأجنبي والى تمركز رأس المال، وهذا التحول قد يؤدي إلى فرض أنماط سوقية لا تتفق والرفاه الاقتصادي والاجتماعي للغالبية العظمى من أفراد المجتمع وبخاصة ذات الدخل المحدود.

 

                                        

 

 

 

 

| © جميع الحقوق محفوظة لمركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية1427هـ/ 2006م