دعوة ::: دعوة ::: دعوة ::: إلى الباحثين والمثقفين لغرض نشر ارائكم في هذه النافذة راسلونا على    info@fcdrs.com 

 حوار في الاقتصاد مع الحكومة

د.احمد باهض تقي*

الاخوة في مؤسسة المعرفة الثقافية المحترمون السلام عليكم اسهاما شخصيا منا في رفد المؤسسة التي ساهمنا يوما في اغناء بحث وتجربة تاسيسها قبل سنوات عندما ازالت قدرة الله سبحانه وتعالى الطواغيت من ارض العراق، نقدم لكم هذا العمل العلمي الذي نتمنى ان يكون باكورة التعاون بيننا، وسيكون ذلك على شكل حلقات متسلسلة للتصدي لقضايا اقتصادية هامة في العراق ، وبدءا انا زعلان على اخي وصديقي العزيز لانه قال لي انه سيعطيني مقابل المساهمة في مجلتكم مبلغا ماديا وانا اقول انني سوف التزم معكم شهريا وفقا للاتفاق دون اي مقابل مادي وارجو ان يتحول اي مبلغ تبرعا مني لدعم المؤسسة ونشاطها ، لكم مني التحية والله يوفقكم في خدمة العراق وشعبه. بعد انقضاء مايقرب على الثلاث سنوات ونيف على سقوط النظام السابق،لم تتضح بعد معالم السياسة الاقتصادية المزمع تنفيذها في العراق، فما بين الانفتاح الاقتصادي الذي يكاد يقترب من الفوضى التامة ومابين حماية طبقات الشعب من سيول التضخم وتفشي البطالة وانهيار البنى الاجتماعية والقيمية، وعندما تناقش مشاكل اقتصادية بمستوى مشاكل الاقتصاد العراقي فانه ليس من السهولة بمكان تحديد وتشخيص السبل والمعالجات والسياسات الناجعة لحلها من خلال رؤية واحدة، اذن هل كتب على المتخصصين ان يركنو جانبا بعيدا عن المساهمة في ايجاد الحلول؟ ، ونبقى ننتظر الوصفات الجاهزة والسريعة التي تقدم الينا من المنظمات الاقتصادية الدولية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي وغيرها، من هنا تاتي هذه الورقة لتناقش حيثيات السياسة الاقتصادية العراقية المنشودة خلال المرحلة القادمة والتي يجب ان تشكل المسار الحقيقي للاقتصاد العراقي .

 اولا: تشخيص المشكلات بدءاً لابد من تحديد المشكلات الرئيسية التي تواجه الاقتصاد العراقي ووضع اولويات متكاملة لحلها وفق استراتيجية واضحة المعالم متينة الركائز تعتمد في الاليات التنفيذية على خطط وسياسات متوسطة وقصيرة الامد، وهنا يجب الالتفات والانتباه بان لاتكون تلك السياسات والخطط متقاطعة ومتنافرة فيما بينها،بحيث من الممكن ان تؤدي الى كارثة اقتصادية حقيقية، اذن ماهي هذه المشكلات ؟ سوف لانحتاج الى عناء كبير اذا قلنا ان الاقتصاد العراقي يعيش حالة من الخراب الكبير الذي استورثه من النظام السابق ، وحالة من التخريب المقصود الذي مارسته العصابات الاجرامية بعد انهيار ذلك النظام ، ومن ثم حالة الفساد المالي والاداري والهدر الكبير للموارد الذي حصل اثناء ادارة الحكومات العراقية المؤقتة والانتقالية، ومن قبلها مما رسات الحاكم المدني الامريكي في العراق. ومن هنا تعقدت المشكلات واخذت بالتوالد والانجاب الجديد لمشكلات اكبر واكثر.

المشكلة الاولى : المديونية الخارجية والتعويضات لايختلف اثنان على ان النظام السابق قد اقحم العراق في نادي المديونية وجعله في مقدمة البلدان التي تمتاز بمديونيتها العالية ، ومن هنا تبرز انعكاسات هذه المشكلة على الاقتصاد والمجتمع وبشكل خطير، المهم في هذه المشكلة هو تحديد حجم الديون وحصرها وهذا للاسف لم يحصل ولذلك لانستغرب اذا سمعنا او راينا ارقام متباينه من مصدر لاخر وحتى من داخل المؤسسة السياسية العراقية فما بين (120) مليار دولار المرجحة في الاوساط الاقتصادية وبين ما تطلبه بعض الدول العربية بون شاسع وهذا يؤكد حقيقة مفادها هي ان بعض البلدان العربية الخليجية تحاول تحميل ما تبرعت به للنظام السابق اثناء الحرب العراقية الايرانية على الشعب العراقي وجعله ديونا مستحقة هي وفوائدها،وهنا لابد من المصارحة والمكاشفة مع هذه الدول وغلق هذا الملف دون الحاق المزيد من الضرر بمصالح العراق وشعبه، كما لابد من تحديد حجم هذه الديون ومقارنة شروطها ومدة تسديدها مع امكانات ومقومات الاقتصاد العراقي قبل الشروع بالقبول او عدم القبول بالمشروطية التي تفرضها الدول الدائنة والمنظمات الاقتصادية الدولية، ولذلك نحن نرى ان هناك تسرعا واضحا في تبني سياسات الصندوق والبنك الدوليين، فالعراق ليس بلدا فقيرا في الامكانات مما يدفع الامر الى القبول وبدون تحفظ بشروط هاتين المنظمتين، والشواهد كثيرة على مدى النتائج السلبية والعواقب الوخيمة المترتبة على تطبيق تلك السياسات، وخصوصا في الجانب الاجتماعي كثيرة في العالم.

 ورغم اختلاف التقديرات حول تحديد الحجم الحقيقي للديون العراقية فإن المعلن منها حتى الآن يظل ضخما، فحسب أرقام البنك الدولي 2002 فإن الديون الرسمية والتجارية للحكومة العراقية تصل إلى 127.7 مليار دولار، وتشمل 47 مليار دولار كفوائد متراكمة، لكن تقديرات أخرى نشرتها "ميس" في عام 2003 عن الديون العراقية تصل إلى 118.5 مليار دولار. وتتوزع هذه الديون بين العديد من الدول، هي: -السعودية: 25 مليار دولار. -الكويت: 12.5 مليار دولار. -بقية دول الخليج: 17.5 مليار دولار. -روسيا: 9 مليارات دولار. -ألمانيا: 4.3 مليارات دولار. -اليابان: 4 مليارات دولار. -الدائنون التجاريون (نادي لندن): 2.6 مليار دولار. -نادي باريس: 21.18 مليار دولار. -الولايات المتحدة: 2.1 مليار دولار كديون أساسية فقط. -أطراف أخرى: 20 مليار دولار.

 ويلاحظ أن الديون الخليجية تشكل جزءا من التدفقات المالية من دول الخليج -وبالأساس الكويت والسعودية- إلى العراق أثناء حربه مع إيران‏ في الثمانينيات، وكانت تلك التدفقات تشمل أيضا منحا لا ترد‏.‏ وقدمت دول الخليج آنذاك المنح والقروض للعراق كمساهمة لها في تمويل المجهود العسكري العراقي في الحرب مع إيران، وبسبب هذه الحرب تحول العراق من دولة تملك احتياطيات مالية قدرها ‏40‏ مليار دولار قبل تلك الحرب إلى دولة مدينة.‏ ولا تقتصر التركة العراقية على الديون، ولكن يضاف إليها حجم التعويضات التي يدين بها العراق منذ حربي الخليج الأولى والثانية للعديد من بلدان العالم، ومنها للدول الخليجية 200 مليار دولار، ووفقا لتقارير الأمم المتحدة فقد تم حتى أوائل نيسان عام 2003 رفع 2.6 مليون قضية تعويض على العراق، تم حلها كلها ما عدا 51235 قضية لم يُبتّ بشأنها، وقد قررت لجنة التعويضات الخاصة بالأمم المتحدة 44 مليار دولار من التعويضات، تم دفع 17.6 مليار منها.

 لا شك أن أغلب الديون العراقية قد نجمت عن سياسات النظام العراقي السابق الذي ترك لبلده ميراثا ثقيلا من الديون الهائلة. وعليه يصبح من الظلم أن يتحمل الشعب العراقي وزر نظامه البائد، لكن من الناحية القانونية تصبح الحكومة العراقية ملتزمة بسداد هذه الديون والمبالغ الطائلة، ولا يعفيها سقوط النظام البائد من التنصل من السداد، خاصة إذا كان هناك جزء من هذه الديون في شكل تعاقدات مستقبلية، خاصة العقود النفطية. وفي هذا الصدد جرت محاولات عدة، خاصة من جانب الولايات المتحدة التي وجهت نداءً لمختلف المؤسسات المالية والدول الصناعية السبع الكبرى من أجل إعادة النظر في ديونها لدى العراق وارسلت مبعوثا خاصا لها الى العالم هو جيمس بيكر الوزير الامريكي الاسبق ليكون مسؤولا عن ملف الديون العراقية، ومدى إمكانية إلغاء بعضها كمساهمة منهم في إعادة بناء وإعمار العراق. بيد أن العديد من هذه البلدان رأى أن يتم ذلك في إطار "نادي باريس" باعتباره المرجع الوحيد لمعرفة كلفة هذه الديون، وكيفية التصرف معها، وقد وجه البنك الدولي وصندوق النقد الدولي نداء لنادي باريس لإعادة جدولة الديون العراقية لديه لمساعدة العراق في إعادة البناء، وبالفعل تم الغاء اكثر من (80) بالمائة من الديون ضمن اطار نادي باريس.

 وجدير بالذكر أن إجمالي ديون العراق لأعضاء النادي تقدر بـ21.18 مليار دولار من إجمالي الديون العراقية، وتعدّ ديون أعضاء نادي باريس جميعها تقريبًا من الديون المتأخرة، كما أنها شاملة لعمليات إعادة الجدولة المطبقة على الديون المتراكمة من حقبة الحرب الباردة، وذلك طبقًا لمنهاجية عمل النادي.

 المشكلة الثانية: البطالة والتضخم يكاد الاقتصاد العراقي ان يتجسد فيه النقيضين المتضادين واللذان هما البطالة والتضخم مما يشيع حالة معقدة فيه الا وهي حالة الركود التضخمي، فالبطالة تتفشى في اغلب طبقات وشرائح المجتمع وتكاد تطول نسبة مهمة وواضحة من الشباب الخريجين، وبالرغم من ان هذه الحالة موجودة في اغلب البلدان النامية الا انها مخيفة في العراق ، وبالرغم من عدم توفر قاعدة بيانات تتمتع بالشفافية والوضوح الاان البطالة مازالت عند مستويات تزيد عن (40) بالمائة في محافظة الناصرية وتقل بقليل عنها في بغداد وتنتشر على نطاق كبيروبمناطق واسعة من العراق عند حدود (20-25) بالمائة من مجموع القوى العاملة، مما يؤكد حرمان جزء مهم من ابناء الشعب من مقومات العيش الكريم، كما يؤكد استمرار عدم ايلاء المحافظات الجنوبية التي تعرضت الى اكبر عملية قمع وتهميش واضطهاد الاهتمام المطلوب، اما بالنسبة للتضخم فان القفزات العالية التي شهدتها الاسعار اواخر عام 2005 وبداية عام 2006 بعد تطبيق سياسة رفع الدعم عن المشتقات النفطية ورفع اسعار الوقود، ويكفي ان نشير هنا ان الاسعار قد ازدادت بنسبة جاوزت (30) بالمائة في الشهر الاخير من العام الماضي عما هو عليه عن الشهر الذي سبقه وحسب بيانات وزارة التخطيط والتعاون الانمائي، وهذا يؤكد حقيقة الانعكاسات السلبية لتطبيق سياسة الاصلاح الاقتصادي وفق منظور صندوق النقد الدولي، ويدعو الى تبني استراتيجية تتلائم مع الوضع الاجتماعي والاقتصادي في العراق.

المشكلة الثالثة: الرواتب والاجور والاعانات لو تم النظر الى نظام الرواتب والاجور الذي اطلقه الحاكم المدني الامريكي في العراق (بول بريمر) بعد سقوط النظام السابق، لوجدنا ان هذا النظام قد اقر بعجالة ولم يكن نظاما يتسم بالعدالة ، فلا نستغرب اذا ما وجدنا ان موظفا حكوميا في البصرة يتقاضى راتبا يختلف عن موظفا اخر بنفس العنوان والخدمة والشهادة في بغداد ، مما خلق شعورا عاما بعدم العدالة، كما ان هذا النظام يتحمل تفسيرات وتاويلات متعددة من قبل العاملين في القطاع المالي والمحاسبي مما قد يعرض الموظفين للظلم والاجحاف بشان استحصال حقوقهم، فضلا عن التعقيد والاطالة في توصيف الدرجات الوظيفية فيه، كما انه يشجع ويشيع حالات المحاباة مما يؤدي الى تعاظم حالة الفساد المالي والاداري المستشرية اصلا ، وبالرغم من السلبيات الكثيرة التي ينطوي عليها هذا النظام الا ان الحكومتين اللتين جاءتا بعد انتهاء فترة الحاكم المدني لم تؤلا جهدا في سبيل معالجة الخلل في ذلك النظام، بالرغم من اعلان مفوضية النزاهة العامة بانها اعدت برنامجا جديدا للرواتب والاجور للموظفين الحكوميين الا ان تغييرا لم يطرا على ذلك النظام. وجاء نظام الحماية الاجتماعية الذي اقر بعد رفع الدعم عن المشتقات النفطية بشكل جزئي كنوع من سياسات دعم الطبقات الاجتماعية الفقيرة ولتقليل الأثر السلبي لتطبيق سياسات رفع الدعم، وهنا ظهرت التناقضات بين هذا النظام الخاص بالعاطلين عن العمل والطبقات الفقيرة وبين نظام الرواتب والاجور المعمول في القطاع العام ، فيلاحظ ان اعانات العاطلين تتجاوز قيمتها الراتب الشهري لموظف مبتدئ يحمل شهادة البكلوريوس او الدبلوم الفني، فما الذي يحصل ؟ الذي يحصل هو ان الكثيرين سوف يلجاون الى الاعتماد على هذا النظام والخضوع الى حالة الكسل الاختياري غير المنتج، ومن ثم خلق طبقة جديدة من العاطلين ، كما ان الاليات المعتمدة في تحديد المشمولين بهذا النظام قد ادت الى المزيد من حالات الفساد المالي وهدر الاموال.

المشكلة الرابعة:الفساد المالي والاداري عندما يتم الحديث عن هذه القضية فهي بالتاكيد تاخذ حيزا مهما من التحليل، وترتاب تفكير اي محلل سواء كان اقتصاديا ام غير ذلك، شجون وتغلف تفكيره الهموم، ويكاد الانفعال يسيطر على مساحة واسعة من ذلك التفكير، ولذلك ارتاينا ان نناقش هذه القضية بعد ان وضعنا ضميرنا ومنطقنا وعقلنا على جادة نراها ذات صواب. بدءا اننا لانختلف اذا قلنا ان الفساد المالي والاداري في العراق لم يكن وليد لحظة زمنية محددة، وانما هو كان نتاج لعملية تراكمية كبيرة عاشها العراق لقرون خلت، ويكاد القول ان مأسسة ذات ابعاد متعددة قد وجدت في العراق، لتاتي لهذا البلد بما لايحصل في اي بلد اخر من البلدان المتناظرة له سواء في منطقته الجغرافية او غيرها، كما يمكن القول ان الطريقة التي تاسست بها الدولة العراقية الحديثة قبل اكثر من ثمانون عاما ونيف، قد دفع باتجاه انفراد اقلية صغيرة من النخبة السياسية بالحكم دون محاسبة او رقابة، الامر الذي شجع وبشكل اكبر النخب السياسية التي جاءت في مراحل متاخرة من تاسيس تلك الدولة الى الاستبداد والتسلط والعبث والتبديد لثروات كان يفترض لها ان تنقل العراق وشعبه الى وضع يتقدم فيه على الدول المجاورة على اقل تقدير، ومن هنا تفاقمت هذه الافة الخطيرة بعد ان بدات مرضا فايروسيا بسيطا، حتى اضحت اليوم عنوانا لفساد جهاز الحكومة، واصبح فيه الوزير او نوابه معلما من معالمها حتى يصل الامر الى الموظفين الصغار، وهذا كله انعكس على الواقع الاقتصادي والاجتماعي بطريقة ترسم لمستقبل قاتم في اعين الشعب الذي طال انتظاره لرفاهية موعودة. من خلال ماتقدم يمكن ان نرسم خارطة الفساد المالي والاداري في العراق، بشكل لايبتعد عن تطور ذلك الفساد تاريخيا، مع التركيز على اسباب ذلك الفساد ونتائجه والاثار المترتبة عليه راهنا ومستقبلا. كيف نفهم الفساد؟ بدءا لابد من وضع تعريف يحدد ماهية الفساد يمكننا الانطلاق من خلاله الى حيثيات هذا الموضوع، فالفساد بمعناه الدارج عند العرب يعني الاستفادة الشخصية من التعامل مع الشان العام بحكم الوظيفة او الموقع وذلك بادخال اعتبارات ليست ذات علاقة ولاتمت للشان العام بصلة بل تضر به، كما يقصد بالفساد اكاديميا بانه تلك المجموعة من الممارسات التي تتنافي مع مصالح المجتمع وتسيء إلى مبدأ المساواة بين الأفراد, إضافة إلى إساءة استعمال الموقع الإداري الذي يشغله الإنسان, سواء أكان موظفاُ أم مستخدما في أجهزة الدولة التشريعية أم التنفيذية أم القضائية, أم كان يعمل في القطاع الاقتصادي أم الاجتماعي الخاص أو الحكومي, أم كان نائباً أو ممثلاً أو مندوباً سياسيا، ويدخل في هذا المفهوم السعي إلى تحقيق منفعة شخصية أو منفعة شخص آخر, أو إلحاق الضرر بآخر, سواء بتأثير من آخرين أم بمبادرة خاصة منه. كما يتضمن إخفاء معلومات عن الدولة أو كشف أسرار معينة تلحق أضراراً بالدولة والمجتمع أو تحقق منفعة للشخص المعني بسبب موقعه السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو الثقافي أو الإعلامي...الخ. ويدخل ضمن هذا المفهوم ممارسة المحسوبية والمنسوبية واستغلال الموقع أو المركز الذي يشغله الفرد ويتسلم رشاوى أو بقوم بتقديم رشاوى ...الخ اسباب الفساد كل ظاهرة تبرز فان هناك اسباب تدفع بذلك البروز، وكلما ازدادت تلك الاسباب تعقيدا وتشعبا كلما زاد من تعقيد تلك الظاهرة وزاد من صعوبة ايجاد الحلول المناسبة لها ، ولعل القول السالف الذكر ينطبق الى حد كبير على ظاهرة الفساد المالي والاداري في العراق، ولذلك كان لابد من تشخيص الاسباب التي دفعت نحو مزيد من الشيوع لهذه الظاهرة كسبيل لتحديد الاليات والمعالجات المناسبة، ويمكن ان نحدد اهم اسباب الفساد في العراق بالاتي:

 1. انتشار البيروقراطية والتضخم الإداري نتيجة طغيان الدور المركزي للحكومة في المؤسسات المختلفة (لفترة جاوزت الثمانون عاما ) وخصوصا في الفترة التي اعقبت عام 1968, وقد شكل ذلك أرضية خصبة لممارسة الرشوة وانتشار الفساد والالتفاف على القرارات وتجاوز القوانين ووضعها في خدمة أصحاب الشركات والمشاريع الخاصة والمقاولين الذين يرون في تقديم رشوة بنسب 5 إلى 20% او اكثرمن نسبة أي مشروع أربح لهم مادياً من الالتزام بالقوانين والبيروقراطية والاجراءات الإدارية التي قد تطول وتطول، فما بالنا اذا كانت هذه الاجراءات في غاية التعقيد مع تركيز واضح للصلاحيات بيد الادارة العليا للمؤسسات الحكومية في العراق مما خلق حالة من عدم الانسجام وغياب الثقة بين الرئيس والمرؤوس فيها، فضلا عن التباين بين كفاءة الرئيس والمرؤوس دون اعتبار للتحصيل العلمي والكفاءة ، كل ذلك دفع الى ازدياد واضح لبروز الظاهرة .

 2.الصلاحيات المنوحة للادارات(منح تراخيص..منح عقود ...الخ)، وهنا يلاحظ ان هناك صلاحيات تكاد تكون مطلقة ممنوحة للادارات في المؤسسات الحكومية ، بحيث من الممكن ان تستغلها في منح التراخيص والعقود والمقاولات لمن تشاء .

 3.سن قوانين وتعليمات من قبل الادارات المفسدة من شانها ان تشجع الفساد، وتاطيره الاطار القانوني الذي يجنبها المحاسبة والمراقبة.

 4. غياب أنظمة الرقابة وأجهزتها, وكذلك غياب المحاسبة وقواعد العقاب والتأديب الأمر الذي يجعل من الفساد ظاهرة شبه حرة شائعة، ما دام المرتشي والراشي بعيدين عن المساءلة والمحاكمة والعقاب، وان وجدت تلك العقوبات فان تطبيقها يكون متمايزا بين الفئة او الفئات المقربة من النخبة الحاكمة ، وبين تلك الفئات التي ترى الحكومة انها بعيدة عنها.

 5.انخفاض المستوى المعيشي للكوادر الوظيفية يدفع الى لجوء العديد منها نحو قبول الهدايا والرشا والتي بدورها تدفع تلك الكوادر نحو غض البصر عن النواقص والسلبيات والقصور التي ترافق عملية تنفيذ المشاريع او المقاولات .

 6.ضعف النظام السياسي الحاكم وارتباك الدولة ، اذ ظهر ذلك جليا بعد سقوط النظام السابق وانهيار مؤسسات الدولة او حلها من قبل سلطة الاحتلال.

 7.عدم استقرار البيئة التشريعية والقانونية التي تحكم المؤسسات الحكومية، وهذا يتجسد في افتقار البلاد الى الكثير من القوانين والتشريعات التي تنتظر سن مجلس النواب لها والمصادقة عليها والتي يتجاوز عددها(120 ) قانون وتشريع.

 8.الافتقار الى نظام ضريبي عادل، وهنا يلاحظ ان الاجتهادات الشخصية والمحاباة قد اتت على النظام الضريبي العراقي خلال عقود من السنين وان كان كنص قانوني لايفتقر الى النواقص، لكن التلاعب في تطبيقه كان كبيرا بحيث استمرت هذه الظاهرة بعد سقوط النظام السابق، واخذت مناحي واتجاهات متعددة نتيجة للتحزب والتكتل والتمحور الذي انعكس على مفاصل حيوية في الاقتصاد العراقي وبشكل سلبي .

 9. ضعف الرأي العام ومؤسسات المجتمع المدني والأهلي مقارنة بقوة الحكومات وأجهزتها في دول العالم النامي ومنها العراق على وجه الخصوص لما تميز به النظام السابق من تفرد وتسلط , حيث لا تقيم هذه الحكومات الوزن للرأي العام والمؤسسات المدنية, في الوقت الذي يفتقر فيه الرأي العام الى الوسائل الإعلامية للتعبير عن رأيه وترجمة مواقفه ورغباته مقابل امتلاك الدولة لهذه الوسائل وغيرها.

 10.عدم شفافية القوانين والتشريعات الخاصة بالفساد يدفع باتجاه تفسيرها بشكل خاطئ .

 11. ضعف الجهاز القضائي ومحدودية دوره, والتدخل الحكومي الصريح أو الضمني في عمل الجهاز القضائي, فضلاً عن غياب الفعالية من قبل المؤسسات والهيئات الرقابية المعنية.

 12. غياب العدالة في توزيع الدخل الوطني, وفشل التنمية في رفع مستوى المعيشة, وضعف الدخل وسيادة القيم الاستهلاكية والأنماط السلوكية السلبية ووسائل الإغراء, كل ذلك في ظل العصرنة والعولمة والانفتاح الهائل والتكنولوجيا السريعة، فضلا عن ظاهرة الفساد امست لها اليات لاتتحد ضمن اطار دولة واحدة وانما ذات ابعاد عالمية اذ ان العولمة بطبيعتها تشجع على الفساد كسبيل لتكوين راس المال وتركيزه في ايدي مجموعات من البشر تعتقد انهم قادرين على زيادة فعالية النشاط الاقتصادي وزيادة فرص الاستثمار بغض النظر عن اسلوب وطريقة جمع تلك الاموال.

 13.غياب الوازع الديني والاخلاق، ان الوازع الديني والاخلاقي لاينحصر فقط في ممارسة الطقوس والتقاليد والشعائر الدينية ، وانما يجب ان يقترن بالصدق والاخلاص واحرص في العمل ، وهذا ما اكدت عليه الديانات السماوية ، ولعل التفكك الاجتماعي والاسري وتدني التربية المنزلية كمظهر ونتيجة للتجهيل المتعمد والافقار الواضح الذي تتقصده الحكومات المستبدة، قد خلق جيلا لايضع في حساباته اعتبارا للوازع والرادع الديني والاخلاقي ، مما اثر سلبا على الاداء في العمل وعدم الحرص وقبول المفاسد.

 

*مدير مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية

 

 

 

| © جميع الحقوق محفوظة لمركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية1427هـ/ 2006م