
{ قراءة نقدية
مفتوحة لوسائل الإعلام والاتصال }
الإشكاليات....
الحلول والبدائل.... أساليب التنفيذ
يعقوب يوسف الرفاعي *
(1 ) بدأت بعد سقوط النظام الدكتاتوري, حقبة
تاريخية جديدة غير مألوفة لدى الرأي العام العراقي , تضمنت بروز
مؤسسات اتصال و إعلام جديدة متعددة الوسائل والوسائط والاتجاهات
والإيديولوجيات, بدءا من مؤسسات الإعلام الإسلامي متمثلا بعدد من
القنوات السمعية والمرئية والصحف والإصدارات والمؤلفات والمؤتمرات
والندوات والاحتفاليات المختلفة , أما مؤسسات الاتصال والإعلام ذو
الاتجاه الآخر فكان مجسدا لمدرسة أخرى ترتكز على الفكر الليبرالي
المدعوم دوليا وإقليميا ومحليا, وبطبيعة الحال إن مهمة الإعلام
والاتصال بصورة عامة , لاتقتصر على نقل المعلومات المرتبطة بالحدث
السياسي بالدرجة الأولى , بل إن المهمة أعمق وأبعد من ذلك , إنها
تستهدف هوية المتلقي الفكرية والنفسية والسلوكية والأخلاقية ,
فمثلا تعكف بعض القنوات ذات التوجه الليبرالي ,على تقديم بعض
البرامجيات الثقافية المتضمنة والمؤدية إلى إشكاليات هي :-
1- محاكاة الجانب العاطفي والجنسي
والنفسي, والهدف هو الإثارة الغرائزية والنفسية, من خلال تقديم بعض
الأفلام والأغاني ذات اللقطات المخدشة للحياء( الفيديو كليب) ,
التي لاتراع الآداب والذوق العام , ولا تنسجم إطلاقا مع عقائدنا
وتقاليدنا الاجتماعية العامة .
2- عرض الأفلام والمسلسلات المتضمنة
لمواضيع الرعب والجريمة والعنف, المفضية إلى خلق شخصية مغرمة
بالعنف والقسوة والطيش , والشاهد على ذلك بروز ظاهرة ولع الصغار
والأطفال باقتناء لعب العنف والأسلحة البلاستيكية المصنعة , من قبل
شركات دولية خارجية معادية , تستهدف من خلالها التأثير على شخصية
الطفل ليكون عدوانيا يؤثر الحرب على السلام , والبغض على الحب ,
وهذا واضح من خلال السلوك العنيف الذي يمارسه الأطفال مع بعضهم
البعض , سواء داخل الأسرة الواحدة مع أبويه أو أفراد أسرته الباقين
, أو مع زملائه في المدرسة أو بيئته الاجتماعية العامة , وأن هذا
السلوك سيمتد معه وينمو حتى في المراحل المتقدمة من الدراسة
والمراحل العمرية اللاحقة , إذا لم يتم التعامل معه بعناية فائقة
عبر برامج تربوية معلوماتية واسعة .
3- بروز ظاهرة الضوضاء أو السلوك
الضوضائي لدى البعض خاصة الأطفال والمراهقين , والذي سيؤثر بطبيعة
الحال على قدراتهم الذهنية , ومستوى استيعابهم للمواد الدراسية ,
والدليل على ذلك شيوع ظاهرة الضوضاء , التي تحفل به أجواء المدارس
بصورة عامة أثناء فترة الاستراحة مابين الدروس , أو نرى ذلك ونلمسه
جليا في محيط البيئة الاجتماعية , فالشخصية الضوضائية تتكون وتنمو
من خلال تأقلمها مع المحيط الاجتماعي الخاطئ , ولا تنشأ من فراغ
ودون أسباب .
4- الترويج لثقافة الصورة المتمثلة
بالاغتراب , والقلق , وإثارة الغريزة , والفردية , والعدوانية ,
ودافعية الانحراف .
5- خلق شخصية تتنازعها جملة , من
التناقضات والصراعات النفسية , فأما أن يسير المرء مع غريزته
الجنسية والعاطفية إلى آخر الشوط , عبر الوسائل اللامشروعة , وأما
أن يمارس الكبت النفسي المفضي إلى نشوء العقد النفسية .
6- التأثير الإعلامي السلبي, الذي
تتركه هذه الوسائل الإعلامية, والذي يتأتى من افتقارها إلى الفعل
الانعكاسي التربوي الإيجابي على نفسية المتلقي, الذي أدمن متابعة
هذه البرامج, خاصة المرئية بصورة يومية, لأنها أصبحت متاحة ومجانية
ورخيصة التناول, حتى أنها سرقت معظم وقته.
7- يمكن اعتبار نسبة لايستهان بها من
الفئات العمرية الشابة هي الأكثر تأثرا بهذه الوسائل , مما أدى إلى
بروز جيل يفتقر إلى مقومات النجاح في مجال النمو الفكري والثقافي
والاجتماعي والتربوي.
8- أدت البرامج التي تركز على الإثارة
العاطفية , إلى إشغال بعض الشباب الدارسين عن تعبئة أذهانهم
بالمواد المنهجية الدراسية بصورة متكاملة , لأنهم يتعاملون معها
بصورة سطحية هامشية فكان الهدف ليس تنمية العقل والذاكرة الثقافية
والفكرية لديهم , بل إسقاط الفرض والحصول على الشهادة فقط , كما
أنهم لايعتنون كثيرا بتلقي المعلومات في كافة المجالات عبر مصادر
أخرى .
9- تحول الإنترنت وبعض القنوات
الأجنبية وأجهزة الهاتف النقال إلى وسيلة سهلة للحصول على المتعة
الجنسية , أو إقامة العلاقات غير المشروعة مع الجنس الآخر, أو قتل
وقت الفراغ وإضاعته في اللهو والتفكير الفراغي السلبي , دون
الالتفات إلى أهمية الوقت وضرورة السعي إلى استغلاله في ماهو نافع
, كطلب العلم والحكمة والبحث العلمي وإجراء الدراسات , أو على
الأقل تلقي المعلومات في كافة المجالات.
10- يمكن لنا القول والجزم إن بعض
عموم المتلقين , وليس بعض الشباب فقط لم يسلموا من تأثير بعض وسائل
الإعلام والاتصال السلبي , فازدادوا أمية وجهلا ثقافيا متتابعا ,
فهم يتلقون المعلومات جزافا دون أن يكون لهم دخل في تحليلها
والتمييز بين الصواب والخطأ , مما أدى إلى حدوث فوضى فكرية وثقافية
في الوسط الاجتماعي العام , وكان من ثمار ذلك نشوب الصراع الطائفي
, إضافة إلى اتساع دائرة الصراعات الاجتماعية العامة , وارتفاع
وتيرة الجرائم والجنح والجنايات , والانحلال الخلقي والانحراف
السلوكي , واحتدام الصراعات والعنف وبروز الشخصية الهجومية, حتى
داخل الأسرة الواحدة بسبب شحة الثقافة التربوية , وغياب الهدف
الإنساني الواحد الواضح , الذي أكدته ليس فقط الأنظمة الوضعية , بل
الشرائع والأديان والعقائد بمختلف اتجاهاتها ..
11- إن هذه الظواهر الإعلامية
اللامسؤولة , أدت إلى بروز الأخلاقية العدائية وزرع بذور الكراهية
, التي لن تسمح بنمو وتنشئة أرضية المجتمع المدني القائم , على
التسامح والسلام والحوار الثقافي , والهادف إلى بناء الهوية
المدنية الإنسانية ,التي تعني في أبلغ صورها نقل الجماعات والأفراد
من مرحلة الصراع السلبي والسلوك التو حشي العنيف , إلى مرحلة
التنافس الشريف ( في ذلك فليتنافس المتنافسون ) التنافس في تحصيل
الفضائل والقيم المدنية وترسيخها في النفوس , قال رسول الإنسانية
جمعاء (ص) :- { إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق } ...... 12- لو
تتبعنا خط سير السلوكية العدائية العبثية لدى بعض الأفراد , منذ
نشأتها الأولى لوجدنا أن العامل الثقافي السلبي ( المعلومات
الخاطئة ) والفقر المعرفي,هو الدافع وراء نشوء الشخصية العدائية
المنحرفة , ويحتل الأميون حسب الإحصائيات الجنائية , مركز الصدارة
في ارتكاب الجرائم والجنايات والمخالفات والجنح , ولا نقصد هنا
التعميم على كافة الأميين بل نستثني البعض منهم , فلكل قاعدة
استثناء , وليس المقصود بالأمية هنا التخلف الأبجدي والافتقار إلى
مهارة استخدام اللغة كتابة وقراءة فقط , إنما هي أمية المعلومات
الثقافية التحليلية .
13- حدوث الاضطراب الاجتماعي وعدم
الاستقرار في العلاقات الاجتماعية العامة مابين أفراد المجتمع, على
كافة المستويات.
14- تهدف وسائل الإعلام التغريبية هذه
إلى إحداث تطبيع اجتماعي الهدف منه دفع الأفراد لهضم القيم المنحلة
والمنحرفة , التي لاتنسجم مع هوية الفرد الإسلامية العربية الأصيلة
.
15- إستمالة المتلقي تدريجيا ليتفاعل
ويتناغم تدريجيا مع يعرض له من أشكال ومضامين برامجية مجونية ,
تثير فيه كوامن النزوع نحو التخلي عن قيمه الإسلامية , والانجرار
وراء تقليد رموز الفن والثقافة الغربية , وتحويلهم إلى أصنام
جاهلية جديدة .
16- محاولة كسر الحاجز الحيائي (
العفة والحشمة ) مابين الجنسين لخلق شخصية لاتقدس الكرامة والشرف ,
ولاتفهم معناهما وهدف هذين الفضيلتين , يتمثل بالحفاظ على الجنس
البشري من الضياع, وهما يقومان على تنظيم العلاقات الإنسانية
النبيلة وتخليدها وتمجيدها , وصيانتها من التمزق والانحطاط والتوحش
.
إن الثقافة الإنسانية الحقيقية التي تروج
لها وسائل الإعلام والاتصال المسؤولة , وذات التوجه الإنساني
النبيل , تتيح للإنسان إجراء مسح دقيق لشخصيته وأفكاره بصورة
موضوعية , دون التأثر بميوله وأهوائه أو التقليد الأعمى لأفكار
الآخرين , للتعرف على خط سيره العام وبأي اتجاه هو سائر وما هو
هدفه ؟ هل هو هدف وهمي أم حقيقي واقعي ؟ وقد أشار سيد البلغاء علي
(ع) في إحدى كلماته إلى ذلك:- { رحم الله امرئ عرف من أين وفي أين
وإلى أين } وهنا دلالة واضحة وتأكيد على ضرورة هندسة النشاط
والسلوك والتفكير الإنساني والإعلامي , ووضع قانون شامل له ,
واجتناب التخبط الأعمى ورؤية الحياة بعين واحدة , إنما بات من
الضروري بناء شخصية تكاملية تكون محورا ومركزا , للبحث المستمر
واقتناء الحكمة والعلم والربط مابين الأفكار لتنشئة الشخصية
المفكرة العاقلة , المؤثرة في صناعة الحركة الاجتماعية التاريخية
ذات البعد الإنساني المدني , الهادفة إلى تحقيق المساواة والعدل
واحترام حقوق الإنسان.
(2 ) إن وسائل الإعلام والاتصال العراقية لم
تتبن حتى يومنا هذا منهجا إعلاميا اتصاليا تربويا شاملا , يعتني
ببناء إنسان متمدن مسالم,ويتأتى ذلك من خلال تقديم البرامج والبحوث
والدراسات التربوية والاجتماعية والنفسية المحللة لأبعاد الشخصية
العراقية , والباحثة عن مشكلاتها والحلول الملائمة لها , كما إن
هذه الوسائل لم تعتمد منهج النقد الاجتماعي الرصين الذي يستعرض
الكم الهائل من التراكمات التاريخية ( العادات والتقاليد والطقوس
والأعراف ) المنافية للمفاهيم المدنية والدينية الحقيقية , وهذه
التراكمات نشأت عبر حقب التاريخ بسبب , سطوة الجهل والأمية
الثقافية ورموزها على مقدرات الساحة الثقافية , وانحراف الشخصية
الاجتماعية عن خطها وهدفها السماوي , واتخاذها هدفا ماديا آخر يقوم
على استعباد الذات , ومصادرة حرية الآخرين , وظهور شخصية حافلة
بالتناقضات والمتضادات والعقد المانعة لفرص تكاملها مدنيا وعلميا
وتاريخيا , شخصية قلقة خائفة تائهة تعبث بها , المؤثرات الخارجية
ووسائل الإعلام والاتصال ذات التوجهات السامة والتحريفية
والتحريضية . ويمكن القول إن البرامج التي تحفل بها وسائل الاتصال
بصورة عامة , تكاد تخلو من الأطروحات التربوية والاجتماعية ,
مكتفية بالتركيز على الحدث السياسي والحوارات التحليلية السياسية
المتضمنة للصراع الكلامي اللامنتج , فمثلا تلجأ بعض القنوات
المرئية إلى استضافة شخصيات تمارس الحوار السياسي التنازعي , الذي
يفضي بعض الأحيان إلى بروز السلوكية التعصبية العنادية مابين
المتحاورين , وذلك لأنه حوار لايقوم على الصدق والموضوعية والبحث
عن الأفضل والأصلح في أكثر الأحيان, بل هو حوار يرتكز على توكيد
الذات , بغض النظر عن انعكاساته على ذهنية وثقافة المتلقي , (فقناة
الديار) تعرض لنا مثلا برنامج ( أفكار وأسوار ) بين فترة وأخرى ,
فبدلا من أن يكون البرنامج حوارا للبحث الرصين وتبادلا للمعلومات
والنصح والتشاور مابين الشخصيات المتحاورة , نراه حوارا لتبادل
التهم ونقاط الضعف , فهو حوار بلا منهجية وقانون يضمن تنمية ثقافية
للأفكار المستعرضة , من أجل الوصول إلى قواسم ولغة وطنية ثقافية
مشتركة , تصب في صالح المصلحة الوطنية العليا , ويبدو أن مقدم
البرنامج والأطراف المتحاورة من خلاله يفتقرون إلى المعلومات
اللازمة لإدارة الحوار الهادف وإيصاله إلى الذروة الثقافية
الإنسانية , ليكون صورة هادئة ومثالا للتفاهم والتسامح المدني
يقتدي به الآخرون , وإن من أصول الحوار الصحفي المرئي هو تحديد
مضامين الموضوع والأسئلة وتهيئتها وإعطاءها للمتحاورين, إضافة إلى
عقد لقاء تمهيدي بينهم قبل الشروع بتسجيل أو تقديم البرنامج مباشرة
على الهواء , للتفاهم حول نقاط الحوار الأساسية ونبذ العناد
والتعصب , فالبرامج الحوارية الحقيقية هي برامج بحوث إصلاحية ,
الهدف منها تحليل المعلومات ونقدها وتنظيمها , وهذا الأمر تفتقر
إليه بعض القنوات , حيث يبرز الجدل الكلامي الفاقد لروح التشاور
والتناصح وتبادل المعلومات الرصينة .. وغير بعيد عنا ذلك الحوار
الذي تقدمه قناة الجزيرة عبر برنامج ( الاتجاه المعاكس ) الذي يقدم
لنا أقسى صورة للتنازع الثقافي الفكري , القائم على التعصب
واللاموضوعية وغياب المنهج العلمي والملاحظة الدقيقة , ويبدو أنه
برنامج حواري الهدف منه إفراغ شحنات العقد النفسية التي لم تصل إلى
هدفها المنشود , والخلاص من عبء الكبت والحقد النفسي الثقيل ,
وماهي النتيجة في آخر المطاف , النتيجة إنشاء كوامن صراع جديد يرسخ
في النفوس من جديد , وهذا مايرمي إليه أعداء الأمة العربية
والإسلامية , و يقفون وراء دعمه ماديا وإعلاميا للإمعان في تضييع
الشخصية العربية الإسلامية , وهنالك مثال آخر لهذا النزاع الإعلامي
تتزعمه قناة المستقلة , يبدو جليا عبر بعض البرامج الحوارية التي
تناقش الواقع السياسي العراقي , حيث يظهر المتحاورون وكأنهم
يمارسون أدوارا درامية قلقة , لاتفضي إلى تفاهم بينهم , ففي بعض
الأحيان تنقلب لغة الحوار إلى لغة انتقاص واستخفاف وتجريح للمشاعر
واستلاب للكرامة الثمينة ,ويبدو أن أكثر المتحاورين ليسوا على
دراية تامة بأسلوب الحوار الثقافي الصحافي , فهم بحاجة إلى
المعلومات المنهجية التي تتيح لهم إجراء حوار موضوعي ناضج نافع ,
وليس إجراء جدال للتلاعب بالألفاظ والقيم الكلامية والمفاهيمية ,
واللجوء إلى الدفاع والهجوم اللساني بشكل يكون بعض الأحيان , مؤلما
ومزعجا للمتلقين الذين يستقبلون هكذا برامج للحصول على تقييم واقعي
للحدث السياسي الدائر .
وسائل الإعلام الإسلامية (3 ) إلى جانب
وسائل الإعلام والاتصال الليبرالية برزت إلى الواقع وسائل الإعلام
العراقية الإسلامية, دون تخطيط دقيق مسبق يعتمد على البحوث
والدراسات الدولية , لتحديد المسارات الحقيقية المؤثرة , عبر
استنطاق الرأي العام مثلا, والتعرف على توجهات الجمهور , وإقامة
العلاقات العامة مع أفراده لاستكناه موقفهم الحقيقي من المرحلة
الجديدة , ومن ثم اللجوء إلى بحوث الإعلام الدولية الأكاديمية ,
والاستعانة بأهل الاختصاص والخبرة والتجربة الإعلامية الطويلة .
ينبغي الإشارة هنا انطلاقا من روح المسؤولية , إلى وجود العديد من
الدخلاء داخل هذه المؤسسات الإعلامية, والذين يفتقرون إلى الخبرة
والمؤهلات الجامعية الإعلامية والتجريبية , التائهين وسط لجة الجهل
بقيمة الإعلام الحقيقي , فهؤلاء الدخلاء غير ملمين بأصول الإعلام
الصحافي المتعدد الوجوه , بدءا من الإعلام المرئي والسمعي والمطبوع
, كما أنهم لم يبادروا إلى تلقي المعلومات الخاصة بفن وعلم الاتصال
والإعلام من المصادر الجامعية أو غير الجامعية لتطوير شخصياتهم
الفقيرة , وهذا هو أضعف الإيمان بدلا من الجمود والاعتماد على
تقليد ومحاكاة وسائل الإعلام الأخرى سواء الإقليمية أو الدولية أو
المحلية , في نوعية البرامج بدءا من الشكل والأسلوب والطريقة, كما
أن هذه الوسائل وبسبب افتقارها للتخطيط وللمفكرين الكبار وأصحاب
المواهب , عمدت إلى تقليد بعضها البعض , في الأسلوب والطرح فكانت
تقليدية متشابهة , مما أدى إلى ضعف تواصل المتلقين معها , فخذ مثلا
عن قناة الفرات التي قلدت قناة الشرقية في بعض البرامج , كبرنامج
فطوركم علينه , الذي كانت الشرقية هي السباقة إلى إبداعه وتقديمه ,
فلماذا التقليد إذن ؟ ناهيك عن برامج أخرى كانت ولازالت مثالا
واضحا للتقليد الممل والمنبوذ .
(4 ) مثل وسائل الاتصال والإعلام الليبرالية
فقدت وسائل الاتصال والإعلام الإسلامية بريقها وتأثيرها , على
المتلقين فأنت تجد الإهمال الواضح لها من قبل بعض المتلقين,
وعزوفهم عن مطالعة وسائلها المطبوعة , وابتعادهم التدريجي عن
متابعة برامج قنواتها السمعية والمرئية , التي أمعنت في استعراض
الحدث اليومي الدموي , مع عدم التفاتها إلى قيمة الإعلام والاتصال
الاجتماعية والثقافية , فبالرغم من عنايتها باستعراض المشكلات التي
يعاني منها المواطن ,لكنها لم تستطع :-
1- التعاون والمساهمة الفاعلة مع السلطات
الثلاث في إيجاد الحلول لها باعتبارها السلطة الرابعة , التي يجب
أن تتمتع بنفس الدور الذي تتمتع به السلطات الثلاث الأخرى , وقد
أدرك المواطن أن لاجدوى من طرح بعض مشاكله , عبر وسائل الإعلام
والاتصال بشقيها الليبرالي والإسلامي , لأنها لم تلق صدى لدى
الدوائر المعنية , بصنع القرار داخل السلطة التشريعية والتنفيذية ,
أو لدى الوزارات والمؤسسات المرتبطة بها , ناهيك عن دور الحكومة
الضعيف في إيجاد الحلول السريعة لهذه المشاكل العالقة بدءا , من
مشكلة البطالة ذات الدرجة العالية , وانتشار ظاهرة الفقر دون خط
الفقر , واستمرار وجهي الفقر المدقع والمقنع , وهبوط مستوى الدخل
الفردي بسبب اجتياح أنواع التضخم الاقتصادي , للحياة الاقتصادية في
البلاد بصورة عامة , وانتشار ظاهرة الفساد الإداري التي استعرضتها
هذه الوسائل , بالأدلة والشواهد لكن دون جدوى , فالجرح الميت
لاسبيل إلى إعادة الحياة إليه . 2- إن هذه الوسائل رغم كفاحها
المرير , وتقديمها عددا من الضحايا على طريق الحرية , لم تكن مؤثرة
جدا بحيث يحس الجمهور بفاعليتها , حين سلطت الضوء على مايجري من
متاجرة رخيصة بالأموال , المرصودة للبناء والإعمار , والتي ذهب قسم
كبير منها إلى جيوب الوصوليين والنفعيين , وهذا دليل واضح على ضآلة
التأثير الرقابي للإعلام الجديد وفقدانه للقيمة القانونية
الديمقراطية , التي من المفترض أن تكون جزءا لايتجزأ منه ,
باعتباره العين الساهرة الحارسة لحقوق الإنسان واليد المدافعة عن
المحرومين والفقراء والمهمشين والمستضعفين كما هو مشهود له في
البلدان المتقدمة.
(رسوم الأطفال المتحركة )
تلعب برامج الأطفال بما فيها الرسوم
المتحركة الدور الريادي , في تنشئة شخصية الطفل ورسم أبعادها
وتأسيس ذاكرتها الثقافية , فالتعلم في الصغر كالنقش على الحجر ,
ولانجانب الحقيقة إذا قلنا إن بعض الباحثين في المجال العلمي ,
أكدوا من خلال بحوثهم ودراساتهم أن الذاكرة تمتد إلى جميع خلايا
جسم الإنسان , حيث أن طبيعة الخلية خزن وحفظ مايردها من معلومات
نتجت عن التفاعل مع المؤثرات الخارجية , وخلاصة الصراع مع الأضداد
المتصارعة , ضمن دائرة الطبيعة الكونية الحافلة بالكثير من آفاق
التغير والتحول المتدرج صعودا ونزولا , والمعروف في علم النفس
الطبي والاجتماعي ( أن الحياة هي تفاعل بين العالم الخارجي والأنا
) والتأثير الأكبر والفاعل للعوامل الخارجية , يكون في مرحلة
الطفولة باعتبار أن الأنا الطفولية , تمارس وظيفة قبول المعلومات
وخزنها وتمثيلها ومحاكاتها عبر السلوك العام في أكثر الأحيان ,
وأما الرفض فيكاد يكون نسبيا جدا , واليوم ليس غريبا بروز سلوكية
الطفل ذات الدافعية العدائية المتوترة الخائفة المرتعشة , الراغبة
بممارسة الصراع العنيف مع رموز بيئتها من ذوي القربى أو الأباعد من
أجل إثبات الذات , والسبب يعود أصلا إلى نمطية وسائل الاتصال
والإعلام , والتنشئة الاجتماعية والثقافية الخاطئة , وقد كان
للرسوم المتحركة الحظ الأوفر في رسم أبجديات الشخصية الطفولية , من
خلال تناولها لمواضيع تعبر عن الصراع التوحشي بين ضدين{ توم وجيري
} الأول المخيف الشقي الجريء ـــــ والثاني الخائف الهارب الجبان
الذي يبتدع آلاف الحيل الغير واقعية للإيقاع بخصمه والانتقام منه ,
ضمن إطار صراع مضحك مخيف لانهاية له . إن هذا الاستعراض الدرامي
الكلاسيكي شكل نقطة ضياع وتخبط لذهنية الطفل , وهيمنة للخيال
والوهم والخداع عليها , فعوضا عن نشوء جذور المنطق الصائب المستند
إلى البديهيات التي لاتقبل الخطأ , نمت جذور ثقافة الكذب والخداع
والمكر لدى الطفل , فبدأ الاعتماد عليها شيئا فشيئا , لاغيا ثقافة
الصدق التي تتضمن الاعتماد على الذات , والصبر والتحدي وعلو الهمة
وعدم الإساءة إلى الآخرين أو الإضرار بالمصلحة العامة , لتحقيق
المصلحة الخاصة فقط ( الروح الفردية ) . وثقافة التحايل والنفاق
هذه ستخلق فردا فاشلا معرفيا وأخلاقيا وثقافيا , همه الوصول إلى
أهدافه الدنيئة ولو بالطرق اللامشروعة (الغاية تبرر الوسيلة ) وفق
المذهب النفعي الميكافيلي , وهذا مايفسر ظهور السلوكية الاستهلاكية
اللامنتِجة , في مجتمعاتنا النامية المتخلفة عن ركب التطور العالمي
الحضاري , ولن نبتعد كثيرا عن الموضوع الذي نحن بصدد بحثه ومناقشته
, لنقول إن بعض أفلام الرسوم المتحركة , عبر شاشات الفضائيات
المحلية هي صناعة أجنبية تغريبية , وأخرى عربية لاتتماشى مع
خصوصيات الشخصية الطفولية العراقية ذات التراث الثقافي المستقل
الأصيل , كما أنها لاتساوي الطموح الكبير الذي مازال يتمسك به
الكبار متمثلا في تأسيس وتنشئة جيل ناضج , يتخذ من القيم المدنية
شعارا ومفهوما ونبضا وعشقا على مستوى النظرية والتطبيق , مودعا
ثقافة القسوة والعنف والكبرياء والحرب والدم والاحتراب والحقد
والكراهية , وما إلى ذلك من مفردات صاخبة مقرفة , كانت للأسف
الشديد الوجه البارز لتاريخ هذه الأمة سواء القريب أو البعيد ,
بسبب العفوية والفوضوية وعدم التخطيط من قبل مفكريها ونخبها ,
لمشروع وطني ثقافي شامل مدعوم من قبل الجمهور الوطني العريض ,
فالمفكرون مهما كانت درجة ذكائهم لن يستطيعوا إحداث التغيير
الاجتماعي , مالم يتوفروا على حامل اجتماعي قوامه جماهير الأمة ,
ليتمكنوا من إحراز النجاح في هذه المهمة الشاقة , وقد شهد التاريخ
حدوث هذا النوع من النكبات بسبب , غياب الثقافة العراقية ذات اللغة
المشتركة , خاصة في العصر الحديث أو لنقل منذ تأسيس الدولة
العراقية الحديثة , المفتقرة للكثير من المقومات السياسية
والاقتصادية والثقافية , مما أدى سلسلة من الانقلابات العسكرية ,
وهيمنة القوة العسكرية على مسار الأحداث , مفضية إلى أحداث دموية
مفجعة سببها النشوء الخاطئ لسلوكياتنا المصطبغة بلون الدم والثأر
والتنازع من أجل الوصول إلى السلطة فقط , فلم يكن الهدف إنسانيا
محضا إلا بصورة نسبية .
الدراما العراقية والمسرح
وصناعة السينما
لم يبرز الدور الحقيقي والمؤثر والملموس لفن
وثقافة الدراما العراقية , خلال العهد الجديد بالنسبة للفنون
المسرحية وصناعة السينما ( الأفلام , والمسلسلات ) , ليس فقط بسبب
غياب العامل الأمني والوضع الاقتصادي المتدهور , وفقدان الدعم من
قبل الدولة الجديدة , وهجرة بعض الخبرات والكوادر والطاقات ,
واعتزال البعض العمل الفني , بل هنالك عامل مهم آخر يتجسد في أزمة
النص المسرحي والسينمائي , الذي يحتاج إلى ولادة كتاب كبار من طراز
جديد , يحدثون بنصوصهم العملاقة , هزة ونهضة فنية وثقافية كبرى
تفوق التصورات , وتختزل الواقع المؤلم ومعاناته ناقلة العقلية
والنفسية العراقية , من المخاض العسير إلى عالم جديد يشعر معه
الفرد العراقي بالثقة البالغة والطمأنينة , لاغيا القلق والتشاؤم
من قاموسه الثقافي . كما لابد من رؤية جديدة وحديثة للنص , تبدأ من
الواقع بكل تموجا ته ناقدة ومحللة إياه , واضعة الحلول والبدائل
والمقترحات الموضوعية , لمشاكله المزمنة التي فاقت حدود الخيال ,
ولاننسى أننا نحتاج إلى كتاب نصوص مفكرين مثقفين كأمثال شكسبير ,
الذي حسب رأي المؤرخين النقاد كان عظيما بأعماله فقط , فلو درست
شخصيته بمعزل عن نصوصه وأعماله وتأثيرها في زمانه الذي عاش فيه ,
لكان يساوى أوطأ مرتبة اجتماعية متواضعة عرفتها حقبته التاريخية ,
ولما كان بهذا التأثير الكبير والشهرة التي دوى صداها في آفاق
التاريخ والدنيا , ومازالت تدوي كأنها جزء لايتجزأ من الخلود
التاريخي , كالشمس وظلها الذي لايفارقها مهما جدت المسير والدوران
.
الحلول والبدائل
1- إجراء مسح إعلامي شامل لشخصية المتلقين
الإعلامية, لتكوين قاعدة بيانات ( مكتبة معلوماتية) تتضمن أرقاما
دقيقة عن أهم البرامج المقدمة , أو الكتابات المؤثرة سلبا أو
إيجابا في اتجاهات المتلقين الفكرية والثقافية حسب الفئات العمرية
, والتعرف على حجم تأثير البرامج والنصوص , لتحديد القيمة الثقافية
لكل منها , وماهي حدود التأثير للبرامج التغريبية , وإيجاد
المضادات والنتاجات الفنية والأدبية والثقافية والدينية والمعالجات
النافذة , للحد من انعكاس النتاج السلبي على المتلقين خصوصا
الأطفال والناشئة .
2- إنشاء مراكز بحوث ودراسات اجتماعية
وإعلامية , تمارس مهمات دراسة الواقع العراقي للتعرف على المعوقات
والعلل المانعة , له من النهوض والتطور والتقدم في كافة المجالات .
3- تأسيس قنوات إعلامية مرئية متخصصة
بالثقافة الصحية والنفسية والاجتماعية والتربوية والتعليمية, لأجل
بلورة شخصية مدنية متكاملة قادرة, على ممارسة دورها الكبير في
التحول الديمقراطي والاقتصادي والاجتماعي.
4- التنسيق بين جميع مؤسسات الدولة
ووزاراتها في مجال نقل المعلومات, عبر وسائل الإعلام والاتصال لنقد
الأداء العام للدولة وكذلك الحكومة على مختلف المستويات, لتشخيص
الأخطاء وإيجاد الحلول الممكنة المناسبة.
5- توحيد الخطاب الإعلامي مابين وسائل
الإعلام المختلفة , للحفاظ على الوحدة الوطنية من التمزق والانهيار
.
6- تشريع قانون الإعلام والاتصال
وتفعيله , لمعالجة الفوضى الإعلامية والاتصالية التي انعكست سلبا
على الرأي العام العراقي .
7- تدريب وتأهيل الكوادر الإعلامية
والاتصالية وتطويرها, من خلال رفدها بالمعلومات المتضمنة للدراسات
الإعلامية والاتصالية التجريبية العالمية, لتكون مؤثرة في الرأي
العام, المحلي والإقليمي والعالمي.
8- التركيز على الدراسات التي تعنى
بالواقع المحلي ومشكلات المواطن بالدرجة الأولى , مع إيجاد الحلول
الواقعية .
9- إعادة المكتبات العامة إلى الحياة
, واستحداث منتديات ثقافية تكون بديلا للمقاهي والأماكن المتخلفة ,
التي يرتادها البعض لإضاعة الزمن , والحصول على أوقات اللهو الوهمي
.
10- إقامة الندوات الثقافية الدورية
لتشجيع ثقافة النقد والحوار , وفق ضوابط تتيح للفرد القدرة على
الحوار مع الآخر وفهم الواقع من حوله حتى لايكون هامشيا .
11- تمكين الجمهور عبر إقامة العلاقات
العامة معه , من هضم وتمثيل قيم الثقافة المدنية لنقل المجتمع من
مرحلة المجتمع الأهلي القائم على الولاء القبلي والقومي والأثني
والمذهبي والطائفي , إلى مرحلة المجتمع المدني , الذي يتخذ الدستور
المدني وقوانينه أساسا لحركته وأنشطته المختلفة .
12- تكريس وسائل الإعلام لبرامجها
الثقافية لدعم مشروع المصالحة الوطنية .
13- تشجيع وتنمية المواهب والعقول في
المجال الإعلامي والاتصالي , لتأخذ دورها المناسب, في البناء
والتنمية الثقافية.
14- تطوير الأنظمة الداخلية للأحزاب
السياسية, لتكون منسجمة مع التحول المدني, وتثقيف المنتمين إليها
مدنيا, ليكونوا فاعلين في عملية البناء والتنمية.
15- تأهيل كوادر وأفراد الأجهزة
الأمنية والجيش ثقافيا, وترسيخ الروح المدنية لديهم ليكونوا ذو
سلوك مدني , من خلال زجهم في سلسلة من الدورات التأهيلية الثقافية
المدنية , بإشراف مختصين في علم الاجتماع المدني .
16- التنسيق بين وزارة التعليم العالي
والبحث العلمي والتربية من جهة , ووسائل الإعلام من جهة أخرى
لتطوير مناهج التعليم , ورفع مستوى القدرات التدريسية لدى الكوادر
التعليمية .
17- إنشاء مراكز خاصة وتحت إشراف
مختصين , لرصد الإشاعة وتحليلها والتعرف على أسباب , نشوءها والعمل
على طمس معالمها , وتبديدها وإقناع الرأي العام بسخافتها وعدم
واقعيتها , وأن الهدف منها مسخ الهوية الثقافية وتضييعها ,
والمعلوم أن الإشاعة والدعاية بنمطيها الرمادي والأسود , للأسف لها
مساحة كبيرة في أوساط الرأي العام , الذي يفتقر بعض أفراده إلى
المعلومات .
18- إعادة المدارس المعنية بمحو
الأمية, والعمل من خلالها على منح الفرصة الكافية للأفراد الذين
حرموا من نعمة التعلم والتثقيف الأبجدي. 19- التأهيل المدني
الثقافي لكوادر الدوائر والمؤسسات الخدمية والصحية والإدارية .
20- إجراء تعديلات وتغييرات على
الكوادر الوظيفية في منتديات الشباب, والإتيان بالكوادر الناجحة
ثقافيا وتربويا.
21- إقامة الدورات الثقافية الخاصة
بالتطوير المدني لكافة شرائح الجمهور .
22- تأسيس منظمات العلاقات العامة في
كافة المؤسسات الإعلامية والاتصالية, والتربوية ومنظمات المجتمع
المدني.
23- مناقشة عمل منظمات المجتمع المدني,
وتحديد نسبة التأثير الإيجابي, وتجميد أنشطة البعض منها التي لم
تقدم المستوى المقبول, بل كانت استهلاكية بحصولها على أموال من
جهات خارجية دولية لم تستثمرها, في إطار المصلحة العامة, وتطوير
البرامج المدنية.
24- تطوير وسائل الاتصال والإعلام,
بالاستفادة من الخبرات العالمية, ومواكبة التطورات الدولية في
مجالي تكنولوجيا الاتصال والإعلام وتحديث المعلومات.
25- الاهتمام بشؤون المرأة والطفل ,
ووضع الخطط الإعلامية والاتصالية للدفاع عن حقوق الاثنين معا ,
باعتبارهما جذرين مهمين في شخصية المجتمع المتفاعلة .
26- إقامة ندوات ثقافية وتربوية
لأبناء الريف والمدن الصغيرة, لرفدهم بالمعلومات العامة خاصة في
مجال التثقيف المدني.
الخلاصة
لاينبغي الاهتمام بوسائل الإعلام فقط , إنما
يجب أن يمتد ذلك إلى وسائل الاتصال عموما , التي تشكل بأجمعها
الأساس والبناء التحتي والفوقي, لثقافة الرأي العام المتضمنة لكافة
أساليب العلاقات العامة بين جمهور المجتمع العريض , بما فيه
الجمهور العامل داخل مؤسسات الدولة , أو الموظفين في سلطات الحكومة
الأربع , وإن تنفيذ الخطط العامة الثقافية الشاملة ستخلق , مجتمعا
متقدما مفارقا للصراع الفارغ بين أفراده , فالدولة جزء منه وهو جزء
من الدولة الواضحة الملامح والاتجاه , التي يجب أن تذوب في المجتمع
ويذوب المجتمع فيها , لأنها مؤسسة تنظيمية تعتني وتنظم شؤون
المجتمع الإدارية والاقتصادية والسياسية الداخلية والخارجية
والأمنية والدفاعية , فلا مجتمع دون دولة ولا دولة دون مجتمع , كما
إننا نشير هنا إلى دور الدولة الكبير في خلق مجتمع متفاعل مابين
أجزاءه وتكويناته , يسير باتجاه هدف محدد مرسوم ومخطط له بعناية
تامة , وذلك لأن علماء الاجتماع يذهبون إلى انتفاء صفة المجتمع عن
الأفراد الغير متفاعلين ثقافيا واجتماعيا الذين يسيرون على غير هدى
, دون هدف محدد وغاية إنسانية نبيلة , تستبطن التحقيق الكامل لحقوق
الإنسان, والتوازن الاقتصادي لمداخيل الأفراد , والنمو المطرد
للدخل القومي ونسبة الصادرات, وانخفاض نسبة الواردات , والتوظيف
المنظم لثروات البلاد في عملية البناء والتنمية الشاملة , لمواجهة
تيار العولمة المتنامي الذي ستدفع الشعوب النامية له , بسبب تخلفها
في كافة المجالات فاتورة الذل والفقر والحرمان , يوم تحولت إلى
شعوب استهلاكية , لاتقوى على الإنتاج الاقتصادي أولا والثقافي
والفكري ثانيا , بسبب عدم تطور وتحديث أساليب مؤسسات الدولة
والمجتمع .
*باحث في مركز الفرات
للتنمية والدراسات الإستراتيجية
| أفضل مشاهدة 1024 × 768 |
| © جميع الحقوق محفوظة لمركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية1427هـ/ 2006م
|