دعوة ::: دعوة ::: دعوة ::: إلى الباحثين والمثقفين لغرض نشر ارائكم في هذه النافذة راسلونا على    info@fcdrs.com 

 

أزمة الثقة بمجلس النواب العراقي

                                                    خالد عليوي العرداوي*

يروى ان الحكيم الصيني المعروف (كونفشيوس ) كان يسير في احد الايام بصحبة تلاميذه ،فبادره احدهم بالسؤال الاتي : ايها المعلم ماهي الامور التي يجب على الحاكم ان يوفرها لشعبه حتى تستقيم له الامور ؟ فأجابه المعلم : ان عليه ان يوفر لهم كفايتهم من الخبز ، وكفايتهم من السلاح ، والثقة به ،فقال التلميذ : اذا اردنا ان نسقط هذه الامور تباعا فبماذا نبدأ؟ فقال المعلم : نبدأ بالسلاح ، فرد التلميذ ثم ؟ ، فقال المعلم ثم الخبز ، فرد التلميذ ثم؟ فقال المعلم : اعلم ياولدي انه اذا فقدت الثقة بالحاكم فلا دوام لحكمه. ان هذه الحكمة القديمة مهمة جدا ونحن نتحدث عن قضية الثقة بمجلس النواب العراقي الحالي ، فهل يحضى هذا المجلس  بثقة الشعب الذي انتخبه ؟وهل كان اعضائه بمستوى التحديات التي يمر بها العراق؟ وهل كانوا _ايضا _ امناء للشعارات والوعود التي رفعوها قبل جلوسهم في كراسي السلطة التشريعية للعراق؟.

لقد شهدنا منذ تولي مجلس النواب الحالي لمهام عمله كثيرا من الممارسات لكتل وتيارات داخل المجلس تثير استغراب وحنق المراقبين والحجج فيها اي هذه الممارسات  هي الدفاع عن مصلحة الشعب العراقي تارة، والمطالبة بتصحيح مسار الحكومة تارة اخرى وغيرها من الحجج والاقاويل ، فتنسحب كتل لاسباب مبهمة ثم تعود ولاندري لماذا ، وتتأخر برامج المجلس لان السادة النواب لم يكتمل نصابهم ، ولم نسمع عن نائب علقت عضويته او طرد لانه لم يؤدي الامانة التي امنها له الشعب العراقي ، ويظهر هؤلاء النواب بتصريحات نارية تثير الفتن وهم يقبعون في منتجعات عمان والقاهرة ودول الخليج ،واستراحات لندن وباريس وغيرها ، ويتفق الاعضاء ويكتمل نصابهم عندما يناقشون مصالحهم وامتيازاتهم  لكنهم يختلفون ويتبخرون عندما يكون موضوع النقاش مصلحة الشعب العراقي ، فهل هذا هو المجلس الذي انتخبه العراقيون وضحوا بدمائهم من اجله ؟ .

قد يقول الاعضلء ان الشلل الذى اصاب مجلسهم الموقر يعود الى الحكومة العراقية ، فاقول: لنترك الحكومة قليلا ولنتحدث عن دوركم كمشرعين ماذا شرعتم من قوانين لخدمة هذا الشعب المنهك والمظلوم هل شرعتم قوانين تضمن حقوق الشهداء والارامل والايتام ؟ ،هل شرعتم قوانين تنظم توزيعا عادلا للثروة العراقية؟، هل شرعتم قوانين تنظم تقديم الخدمات للشعب؟، هل شرعتم قوانين تنظم عمل القوات المحتلة وتمهد لخروجها السريع؟، هل قمتم بدوركم في الرقابة والاشراف لمعالجة الفساد الاداري والمالي في البلد؟، هل نسقتم برامجكم الحزبية والفئوية بعيدا عن المحاصصات المقيته لمصلحة العراق ارضا وشعبا؟. ان الاجابة على هذه التساؤلات هي كلا، لذا ولكل هذه الاسباب انتم فشلتم ان تقودوا شعبكم الى بر الامان ، وفشلتم في ان تقدموا صورة مشرقة لهذا الشعب في المحافل الاقليمية والدولية ، ففقدتم ثقة الشعب بكم ، فلماذا لاتتعضون من الماضي ؟ لقد شهدت دول المنطقة العربية في اربعينات وخمسينات القرن الماضي تجارب ديمقراطية انتهت الى الفشل والسقوط تحت فوهات المدافع للانقلابات العسكرية ،  وذلك لان اغلب تلك التجارب لم يستطع اصحابها الارتقاء الى مستوى التحديات التي تمر بها شعوبهم ،فلفظ الشعب الديمقراطية الشكلية لصالح ماسماه  الانقلابيون ديمقراطية الانجاز ، وعلى الرغم من ان الديمقراطيتان فشلتا ، لكن العبرة تقول ان من يفقد ثقة شعبه به لن يجد من يدافع عنه ، فمابلكم ايها السادة النواب تتصرفون كالنعامة التي تدفن راسها بالرمل تاركة جسدها تمزقه الوحوش  وانتم غارقون في مجادلات بيزنطية لاتثمر شئ والاخطار تهدد بلدكم من كل جانب ، صراحة لم يكن اغلبكم جديرون بالمناصب التي حصلوا عليها ، ولعل هذا هو السبب الاول في التخبط والشلل الذي يعاني منه مجلس النواب الحالي،اما السبب الثاني  فهو ان صراع الكتل والتيارات والافراد داخل المجلس لم يكن من اجل مصلحة العراق وشعبه ، بل هو من اجل مصلحة البرلمانيين انفسهم ، فالبرلماني العراقي مشغول جدا بمصلحته وحريص على ضمان مستقبله، وهو يغلف حرصه هذا بالشعارات الوطنية والطائفية والفئوية ، اذ ماذا قدم النواب لطوائفهم وفئاتهم ومناطقهم على مستوى العراق لاشئ  ،وماذا قدموا لانفسهم كل شئ، اما السبب الثالث لهذه المهزلة الحاصلة في المجلس ،فهو ان المجلس غير منضبط بنظام داخلي صارم يمنع التجاوز فيه ويفرض على النواب احترام دورهم ، فهو اشبه بصف مدرسة ابتدائية اول لم يعرف افراده بعد اساليب التدريس ومناهجه، فكيف يصنع النواب القوانين ويطالبون باحترامها اذا كانوا هم  لايحترمون القانون ؟، بل كيف يقومون بدورهم في الاشراف والرقابة والمحاسبة اذا كانوا هم يحتاجون الى اشراف ورقابة ومحاسبة؟ . واذا كانت الدول تتكون من ثلاث سلطات : تشريعية وتنفيذية وقضائية فان السلطة التشريعية هي الاساس الذي تستند اليه الدولة، والارتباك والفوضى في هذه السلطة يقود الى ارتباك وفوضى في السلطتيين الاخريين، وبالتالي فوضى وارتباك في كافة مفاصل الدولة ،اذ تفقد الدولة انتظامها   ولايعرف احد فيها_ افراد ومؤسسات _دوره ، فتكون الفرص مؤاتية للفساد المالي والاداري ولانتهاك الحقوق والحريات العامة ، فمن امن العقاب اساء الادب كما يقال ، وهذا مايحصل في العراق اليوم . ان انهيار الامن والاستقرار في البلد ، وسيادة الفوضى ، وانتهاك الحقوق والحريات العامة ، وتراجع العملية السياسية وتخبط مساراتها ، وتدخل دول الجوار بالشأن العراقي الداخلي ، واستمرار وجود القوات الاجنبية المحتلة، يتحمل مسؤوليته بالدرجة الاولى اعضاء مجلس النواب العراقي الحالي ، لذا عليهم ان يدركوا ذلك ويصححوا اخطائهم ، فاذا شعروا انهم عاجزون فليتركوا المكان المقدس الذي  هم فيه لمن هو اهلا له ، حرصا على مصالحهم التي يحبونها وحرصا على مصلحة الشعب العراقي ، اذ ان هذ الشعب لم يعد يطيق الكوارث التي نزلت ولازالت عليه لأن من حقه ان يتنعم بثرواته ، وان يتطلع الى ان تكون دولته في قمة دول الدنيا: حضارة، وعمرانا، واحتراما للحقوق والحريات، وتطبيقا للعدل تجاه كل من خانه وخدعه واعتدى عليه: قتلا ،وتشريدا، واستباحة للحدود والمنازل والاعراض،وان يقوده افضل ابنائه واحرصهم عليه.

 

*معاون مدير مركز الفرات للتنمية والدراسات الستراتيجية

Email :khalidchyad@yahoo.com

 

| © جميع الحقوق محفوظة لمركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية1427هـ/ 2006م